مقالات وآراء

ساسية بكاري تكتب: حين تخرج المعاهدة من جغرافيتها.. هل توسّع حرب إيران مطالب ترامب من الحلفاء؟

لم تعد تداعيات حرب إيران محصورة في الشرق الأوسط. ففي 16 أغسطس، وقبل ساعات من بدء مناورات «أولتشي فريدوم شيلد» السنوية، أمر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب البنتاغون بتقليص التدريبات المشتركة مع كوريا الجنوبية، مبررًا موقفه بكلفة المناورات، وعلاقته مع الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون، وبأن سيول رفضت المشاركة في التحرك الأمريكي ضد إيران.

هنا لا يعود السؤال متعلقًا بإيران أو كوريا الجنوبية وحدهما، بل بحدود التحالف الأمريكي نفسه: هل تبقى مسؤولية الحليف مرتبطة بالجغرافيا والتهديد اللذين أُنشئت المعاهدة لمواجهتهما، أم تتوسع سياسيًا عندما تطلب واشنطن دعمه في حرب تقع خارج ذلك النطاق؟

فالتحالف الأمريكي مع كوريا الجنوبية يقوم أساسًا على ردع كوريا الشمالية والدفاع عن شبه الجزيرة الكورية، وليس على إلزام سيول بالمشاركة في حرب ضد إيران. لكن موقف ترامب

يطرح معادلة مختلفة: قد تبقى المعاهدة كما هي قانونيًا، بينما تصبح توقعات الإدارة الأمريكية من الحليف أوسع سياسيًا من النص الذي ينظم العلاقة.

من المال إلى حدود الالتزام

ضغط ترامب على الحلفاء لتحمل حصة أكبر من تكاليف الدفاع ليس جديدًا. فقد جعل تقاسم الأعباء، سواء داخل الناتو أو في العلاقة مع كوريا الجنوبية، جزءًا ثابتًا من رؤيته للتحالفات.

لكن حرب إيران تضيف عنصرًا أكثر حساسية.
فالمسألة لم تعد فقط: كم يدفع الحليف؟ بل أصبحت أيضًا: هل يساند واشنطن عندما تخوض حربًا خارج نطاق التحالف؟
وهذا يغيّر طبيعة النقاش.

فسيول تستطيع أن تفي بالتزاماتها الدفاعية تجاه الولايات المتحدة في شبه الجزيرة الكورية من دون أن تعتبر ذلك التزامًا بالمشاركة في حرب ضد إيران.


أما منطق ترامب فيبدو أقرب إلى القول: إذا كانت الولايات المتحدة تتحمل تكلفة وقوة عسكرية للدفاع عن حليفها، فلماذا لا يساعدها عندما تطلب منه ذلك؟
وهكذا تبدو توقعات إدارة ترامب من الحليف أوسع سياسيًا من الالتزامات التي تحددها المعاهدة.

قرار عسكري يتجاوز دلالته الرمزية أهمية الخطوة لا تتعلق بالخطاب وحده. فمناورات «أولتشي فريدوم شيلد» من أبر
ز التدريبات المشتركة بين الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية، وتهدف إلى رفع جاهزية الجيشين في مواجهة تهديدات كوريا الشمالية. وحتى إذا لم يتضح بعد الحجم النهائي للتقليص، فإن مجرد إدخال موقف سيول من حرب إيران ضمن مبررات قرار يمس نشاطًا عسكريًا في شرق آسيا يحمل دلالة سياسية واضحة.

فموقف اتخذته كوريا الجنوبية من حرب تقع خارج قارتها أصبح أحد عناصر النقاش حول تعاون عسكري صُمم أساسًا لمواجهة تهديد مختلف تمامًا.
وفي تقديري، هنا تكمن الخطورة الحقيقية: المشكلة ليست أن ترامب يطلب مساعدة إضافية من الحلفاء، بل أن رفض هذه المساعدة بدأ يدخل في تقييم العلاقة التحالفية نفسها.

كوريا ليست الحالة الوحيدة

الحالة الكورية تأتي بعد خلافات مشابهة بين ترامب وحلفاء أوروبيين بشأن إيران. فعدد من حلفاء واشنطن رفضوا الانخراط العسكري المباشر في عمليات مرتبطة بمضيق هرمز، بينما أعلنت فرنسا أنها لا تريد الدخول طرفًا في الحرب. ورد ترامب بانتقادات حادة لحلفاء الناتو الذين لم يستجيبوا لطلباته. وهذا ما يجعل حالة كوريا الجنوبية أكثر أهمية.


ما بدأ خلافًا مع الأوروبيين حول مدى استعدادهم لمساندة واشنطن في إيران ظهر الآن داخل علاقة تحالفية في شرق آسيا. ومع تكرار الحالات، يصبح السؤال أقل ارتباطًا بموقف دولة بعينها وأكثر اتصالًا بالطريقة التي تدير بها إدارة ترامب علاقاتها التحالفية.

أين تنتهي التزامات الحليف المنصوص عليها، وأين تبدأ التوقعات السياسية الأمريكية التي لا تنص عليها المعاهدة؟
لكن ماذا لو كان ترامب يفاوض فقط؟
يمكن الاعتراض بأن ترامب لا يسعى أصلًا إلى إعادة تعريف التحالفات، بل يستخدم موقف كوريا الجنوبية من إيران كورقة تفاوضية ضمن ملفات أخرى: كلفة التدريبات، والعلاقة مع كيم جونغ أون، وتقاسم الأعباء الدفاعية.

وهذا احتمال وجيه. فالولايات المتحدة لم تسحب قواتها من كوريا الجنوبية، ولم تتراجع رسميًا عن التزامها الدفاعي تجاهها، كما أن ترامب ذكر كلفة المناورات ورغبته في التواصل مع كيم إلى جانب موقف سيول من إيران.
لكن حتى هذه القراءة لا تلغي جوهر القضية.
فإذا كان موقف الحليف من حرب خارج نطاق معاهدته صالحًا للاستخدام كورقة ضغط داخل العلاقة الأمنية معه، فهذا يعني أن الحد الفاصل بين الالتزام داخل التحالف والمساندة خارجه أصبح أقل وضوحًا سياسيًا.
وهذه، في رأيي، هي النقطة الأهم، بصرف النظر عما إذا كان ترامب يريد بالفعل تغيير بنية التحالف أم يستخدم العلاقة فقط لتحسين شروط التفاوض.

حين ينقلب الضغط على صاحبه

هناك أيضًا نتيجة قد لا تكون واشنطن راغبة فيها.
فكلما شعر الحليف بأن مستوى التعاون الأمني مع الولايات المتحدة قد يتأثر بموقفه من صراعات تقع خارج نطاق معاهدته، ارتفعت قيمة الاستقلال الأمني في حساباته.
وكوريا الجنوبية شديدة الحساسية في هذا الجانب.

فهي تعيش إلى جوار دولة نووية وتعتمد منذ عقود على الردع الأمريكي، بينما يدور داخلها أصلًا نقاش حول حدود هذا الاعتماد ومستقبل قدرتها على حماية نفسها.
وهنا تظهر المفارقة: إدارة ترامب تريد حلفاء أكثر استعدادًا لمساندة واشنطن خارج التزاماتهم التقليدية، لكن توسيع هذه المطالب قد يمنح بعض هؤلاء الحلفاء سببًا إضافيًا للتفكير في كيفية الاعتماد عليها بدرجة أقل.

أي أن محاولة جعل الحليف أكثر ارتباطًا بالسياسة الأمريكية قد تنتج، على المدى الأبعد، حليفًا يبحث عن مساحة أكبر من الاستقلال عنها.

ما بعد إيران

لا توجد حتى الآن قاعدة أمريكية رسمية تقول إن الحليف الذي يرفض المشاركة في حرب إيران سيفقد الحماية، كما لم تتغير نصوص المعاهدات الدفاعية.

لكن ما يستحق الانتباه هو أن موقف الحليف من حرب تقع خارج جغرافيا تحالفه بدأ يدخل، ولو جزئيًا، في حساب العلاقة الأمنية معه.
وإذا تكرر هذا المنطق وتحول إلى نمط، فإن إحدى النتائج

الأبعد لحرب إيران قد لا تظهر في طهران أو هرمز، بل داخل شبكة التحالفات الأمريكية نفسها.

فالسؤال لم يعد فقط:
كم يدفع الحليف مقابل المظلة الأمريكية؟
بل أصبح:
أين تنتهي حدود المعاهدة، وأين تبدأ توقعات واشنطن من الحليف؟

وأرى أن هذا هو السؤال الأكثر أهمية؛ لأن الولايات المتحدة بنت جزءًا كبيرًا من نفوذها العالمي على شبكة تحالفات تستند إلى وضوح الالتزامات وحدودها. وإذا أصبحت توقعات واشنطن من الحلفاء تتجاوز تلك الحدود بصورة متكررة، فإن هؤلاء الحلفاء لن يسألوا فقط عما تريده أمريكا منهم، بل قد يبدأون أيضًا بالسؤال عما يريدون هم الاحتفاظ به من مساحة مستقلة عنها.
وعندها تكون حرب إيران قد فتحت ملفًا أكبر من الحرب نفسها:
هل يبقى التحالف الأمريكي عقدًا للدفاع عن جغرافيا وتهديد محددين، أم يصبح رفض حرب خارج المعاهدة سببًا لإعادة تقييم العلاقة داخلها؟

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى