سعد زغلول ومصطفى النحاس.. زعيما الوفد اللذان جمعهما النضال وموعد الرحيل

يحتل سعد زغلول ومصطفى النحاس مكانة خاصة في التاريخ السياسي المصري الحديث، ليس فقط لأن الأول قاد ثورة 1919 وأصبح رمزًا للحركة الوطنية، والثاني حمل راية الوفد من بعده وقاده لعقود، ولكن بسبب مصادفة تاريخية لافتة جمعت الرجلين حتى في تاريخ الرحيل.
ففي 23 أغسطس عام 1927 توفي سعد زغلول، وبعد 38 عامًا كاملة، وفي اليوم نفسه من عام 1965، توفي مصطفى النحاس، الرجل الذي تولى قيادة حزب الوفد بعد رحيل سعد بسنوات قليلة، وأصبح أحد أبرز رؤساء الحكومات المصرية في النصف الأول من القرن العشرين.
وبين التاريخين، تمتد قصة مرحلة كاملة من تاريخ مصر؛ من الاحتلال البريطاني وثورة 1919 ودستور 1923، إلى صراع القصر والوفد والإنجليز، ثم معاهدة 1936، وحادث 4 فبراير، وإلغاء المعاهدة، وصولًا إلى ثورة يوليو 1952 ونهاية الحياة الحزبية التي عرفتها مصر قبلها.
سعد زغلول.. من موظف في الدولة إلى زعيم ثورة
ولد سعد زغلول عام 1859 في قرية إبيانة بمحافظة كفر الشيخ، وتلقى تعليمه في الأزهر، واقترب في شبابه من دوائر الحركة الوطنية والإصلاحية التي شهدتها مصر في أواخر القرن التاسع عشر.
وعمل سعد في عدد من الوظائف، قبل أن يتدرج في مواقع الدولة ويتولى وزارة المعارف ثم وزارة الحقانية، كما أصبح لاحقًا وكيلًا للجمعية التشريعية.
لكن اللحظة التي صنعت مكانته في التاريخ جاءت عقب انتهاء الحرب العالمية الأولى، عندما تحرك سعد زغلول وعدد من رفاقه للمطالبة بالسماح لوفد مصري بالسفر إلى مؤتمر الصلح في باريس لعرض قضية استقلال مصر.
رفضت السلطات البريطانية الطلب، ثم ألقت القبض على سعد وعدد من رفاقه ونفتهم في مارس 1919.
وبدلًا من إنهاء التحرك السياسي، أشعل نفي سعد واحدة من أكبر الانتفاضات الشعبية في تاريخ مصر الحديث.
اندلعت ثورة 1919، وامتدت الاحتجاجات والإضرابات إلى مناطق مختلفة من البلاد، وشارك فيها طلاب وعمال وموظفون وفلاحون ونساء، وتحول سعد زغلول من سياسي بارز إلى رمز للحركة الوطنية المصرية.
من الثورة إلى رئاسة الحكومة
استمرت المواجهة السياسية مع الاحتلال البريطاني خلال السنوات التالية، وتعرض سعد زغلول للنفي مرة أخرى، قبل أن يعود إلى مصر وسط شعبية واسعة.
ومع صدور دستور 1923 وإجراء الانتخابات البرلمانية، حقق حزب الوفد انتصارًا كبيرًا، وكُلف سعد زغلول بتشكيل الحكومة عام 1924، ليصبح رئيسًا للوزراء.
لكن حكومته لم تستمر طويلًا في ظل الصراع مع الاحتلال البريطاني وتعقيدات العلاقة مع القصر، واستقال سعد في نوفمبر من العام نفسه.
وظل بعد ذلك حاضرًا في قلب الحياة السياسية المصرية حتى وفاته في 23 أغسطس 1927.
وكان رحيله حدثًا شعبيًا واسعًا، وتحول منزله المعروف باسم «بيت الأمة» إلى أحد أبرز الرموز المرتبطة بتاريخ الحركة الوطنية، فيما أقيم لاحقًا ضريح سعد زغلول في القاهرة.
لكن وفاة سعد فتحت داخل الوفد سؤالًا كبيرًا: من يستطيع أن يقود الحزب بعد زعيم امتلك هذه الشعبية؟
مصطفى النحاس.. وريث الزعامة
لم ينتقل موقع قيادة الوفد إلى مصطفى النحاس فور وفاة سعد، لكن بعد مرحلة انتقالية قصيرة أصبح النحاس رئيسًا للحزب عام 1927، ليبدأ فصل جديد امتد قرابة ربع قرن.
ولد مصطفى النحاس عام 1879 في سمنود بمحافظة الغربية، ودرس القانون، وعمل في القضاء، قبل أن يدخل الحياة السياسية ويلتحق بالحركة الوطنية.
وكان النحاس من المقربين من سعد زغلول ومن أعضاء الوفد الذين ارتبطوا بمعركة الاستقلال، وتعرض معه للنفي إلى سيشل في عشرينيات القرن الماضي.
وبعد رحيل سعد، تحول تدريجيًا إلى الزعيم الأبرز للحزب، وأصبح اسمه مرتبطًا بالوفد إلى درجة يصعب معها فصل تاريخ الرجل عن تاريخ الحزب خلال تلك المرحلة.
رئيس للحكومة سبع مرات
تولى مصطفى النحاس رئاسة الحكومة المصرية سبع مرات في الفترة بين عامي 1928 و1952، لكن معظم حكوماته دخلت في صدامات متكررة مع القصر أو الاحتلال البريطاني.
كانت مصر في ذلك الوقت تعيش نظامًا دستوريًا تتداخل فيه ثلاثة مراكز رئيسية للقوة: الملك، والاحتلال البريطاني، وحزب الوفد الذي كان يمتلك قاعدة شعبية وانتخابية واسعة.
ولهذا كانت الحكومات تتشكل وتسقط وسط صراع مستمر على حدود السلطة ومن يمتلك القرار السياسي الحقيقي.
ومن أبرز المحطات في حياة النحاس توقيعه معاهدة 1936 مع بريطانيا، التي أنهت بعض مظاهر الوجود العسكري البريطاني في مصر، لكنها أبقت قوات بريطانية في منطقة قناة السويس.
4 فبراير.. اليوم الأصعب
وفي فبراير عام 1942، عاش مصطفى النحاس واحدة من أكثر اللحظات إثارة للجدل في حياته السياسية.
حاصرت القوات البريطانية قصر عابدين بالدبابات، وقدم السفير البريطاني للملك فاروق إنذارًا يطالبه بتكليف النحاس بتشكيل الحكومة أو التنازل عن العرش.
وافق الملك في النهاية، وشكل النحاس الحكومة.
ورغم أن الوفد كان يتمتع بالفعل بشعبية واسعة، فإن الطريقة التي وصل بها إلى الحكم تركت أثرًا سياسيًا بالغًا، واستُخدمت لاحقًا ضد النحاس والوفد باعتبار أن زعيم الحركة الوطنية عاد إلى رئاسة الحكومة تحت ضغط قوات الاحتلال.
وظل حادث 4 فبراير واحدًا من أكثر الأحداث جدلًا عند تقييم تجربة النحاس السياسية.
النحاس يلغي معاهدة 1936
لكن المفارقة أن الرجل الذي شكل حكومته عام 1942 تحت ضغط بريطاني كان هو نفسه الذي وقف بعد أقل من عشر سنوات ليعلن إلغاء المعاهدة مع بريطانيا.
في أكتوبر 1951، وقف مصطفى النحاس أمام البرلمان وأعلن إلغاء معاهدة 1936، مطلقًا عبارته الشهيرة بشأن توقيعه المعاهدة من أجل مصر وإلغائها من أجل مصر.
ومع إلغاء المعاهدة تصاعدت المواجهة مع القوات البريطانية في منطقة قناة السويس، وبدأت مرحلة جديدة من المقاومة والعمليات ضد الوجود البريطاني.
لكن مصر نفسها كانت تقترب من تحول أكبر.
ثورة يوليو ونهاية عصر
في يناير 1952 وقع حريق القاهرة، وبعد أشهر قليلة، في 23 يوليو، تحرك تنظيم الضباط الأحرار وسيطر على السلطة.
ومع ثورة يوليو انتهى عمليًا النظام السياسي الذي كان الوفد أحد أعمدته الأساسية، ثم حُلت الأحزاب السياسية في يناير 1953.
وهكذا وجد مصطفى النحاس، الذي قضى عقودًا في قلب الصراع على السلطة وفي رئاسة الحكومات وقيادة أكبر الأحزاب المصرية، نفسه خارج الحياة السياسية الجديدة.
ابتعد النحاس عن العمل العام، وعاش سنواته الأخيرة بعيدًا عن الموقع الذي احتله طويلًا في السياسة المصرية.
23 أغسطس يجمع الزعيمين
وفي 23 أغسطس 1965، توفي مصطفى النحاس عن عمر 86 عامًا.
وكانت المصادفة التاريخية لافتة.
ففي اليوم نفسه، قبل 38 عامًا بالضبط، توفي سعد زغلول.
زعيمان تعاقبا على قيادة الوفد، وارتبط كلاهما بالحركة الوطنية والصراع مع الاحتلال البريطاني، وشغل كلاهما رئاسة الحكومة، ثم جمعهما في النهاية تاريخ الرحيل نفسه.
لكن مصر التي ودعت النحاس لم تكن مصر التي ودعت سعد.
عندما رحل سعد عام 1927، كان الوفد في ذروة حضوره، وكانت المعركة تدور حول الدستور والاحتلال والقصر ومستقبل النظام السياسي.
وعندما رحل النحاس عام 1965، كان النظام الملكي قد اختفى، والأحزاب القديمة حُلت، والاحتلال البريطاني انتهى، والجمهورية أصبحت واقعًا جديدًا.
وبين جنازتي الرجلين، تغيرت مصر بالكامل تقريبًا.
ولهذا لا يمثل 23 أغسطس مجرد ذكرى رحيل شخصيتين بارزتين، وإنما يجمع في تاريخ واحد اثنين من أهم وجوه مرحلة كاملة من تاريخ مصر السياسي.
بدأ سعد زغلول مرحلة الزعامة الشعبية للوفد في زمن ثورة 1919، وحمل مصطفى النحاس الراية بعده حتى أسدل قيام نظام يوليو الستار على التجربة الحزبية القديمة.
وبعد عقود من رحيلهما، بقي اسما سعد زغلول ومصطفى النحاس حاضرين في الشوارع والميادين والكتب والذاكرة السياسية المصرية، كما بقي الجدل حول تجربتهما جزءًا من الجدل الأوسع حول واحدة من أكثر مراحل التاريخ المصري الحديث ثراءً وتعقيدًا.







