ذاكرة التاريخ.. حكاية الفنان عبدالسلام النابلسي وإرثه الفني الخالد

يحتفي التاريخ الفني بذكرى ميلاد الفنان القدير عبد السلام النابلسي الذي ولد في 23 أغسطس من عام 1899 ميلاديا، وهو الذي استطاع أن يحقق نجاحًا كبيرا من خلال أدواره في السينما رغم أنه لم يحصل على أدوار بطولة بالشكل المعروف إلا أنه كان عنصرًا أساسيًا من عناصر العمل، واستطاع أن يكون سببًا في رسم الابتسامة على وجوه محبيه لما يتميز به من خفة دم جعلته يتربع في قلوب الجمهور العربي، ويعد النابلسي أيقونة في الأداء التلقائي للكوميديا التي لا تنسى.
بدأ هذا الفنان مسيرته بعد أن ولد في عائلة ذات أصول فلسطينية سورية، حيث أرسله والده إلى القاهرة ليلتحق بالأزهر الشريف في سن الـ 20، فحفظ القرآن وبرع في اللغة العربية وأتقن الفرنسية والإنجليزية، وقدم أول أدواره السينمائية في فيلم “غادة الصحراء” عام 1929، وقد كان هذا الفيلم نقطة الانطلاق لمسيرة فنية حافلة بالتميز والابتكار في الأداء التمثيلي، حيث تميز بأسلوب خاص جعله يبتكر شخصية لا يمكن تقليدها في تاريخ الفن.
يعتبر النابلسي من أشهر من أدى الدور الثاني وصديق البطل في السينما، حيث شارك الفنان فريد الأطرش في 11 فيلمًا سينمائيًا، ولُقب بـ “ملك الإيفيهات” و”أشهر عازب في الوسط الفني”، حتى تزوج في سن الـ 60 من إحدى معجباته وهي جورجيت سبات، واستطاع من خلال هذه المشاركات الفنية المكثفة أن يبني جسورًا من التواصل مع الجمهور، مما جعله حاضرًا بقوة في ذاكرة عشاق السينما العربية بفضل أدائه العفوي والبسيط الذي يلامس القلوب.
أزمات ودراما الحياة
رحل النابلسي إلى بيروت بعد أزمة مع مصلحة الضرائب عام 1961، وعاش ملكًا غير متوج هناك، وعمل كمدير للشركة المتحدة للأفلام عام 1963، لتتلاحق الأحداث سريعًا بعد ذلك ليعلن إفلاسه ويصاب بمرض عضال، حتى لفظ أنفاسه الأخيرة في 5 يوليو 1968، ولم تجد زوجته مصاريف الجنازة فتولاها صديق عمره فريد الأطرش، وهكذا أسدل الستار على حياة فنان عاش متنقلًا بين القمة والقاع، تاركًا خلفه إرثًا فنيًا يحفظه التاريخ.
يظل عبد السلام النابلسي رمزًا للكوميديا الراقية التي لا تعتمد على التهريج، بل على الموقف والذكاء الفني، لقد كان هذا الفنان الكبير الذي ولد في 23 أغسطس نموذجًا للفنان الموهوب الذي يمتلك أدواته ببراعة، حيث استطاع بذكائه أن يحفر اسمه بحروف من ذهب في سجلات الفن العربي، وسوف تظل أعماله السينمائية مرجعًا لكل من يبحث عن الكوميديا الحقيقية التي تجمع بين خفة الظل والعمق الإنساني في الأداء.
تعد رحلة هذا الفنان ملحمة فنية تعكس تقلبات الزمن، فبعد أن كان ملء السمع والبصر في أعمال سينمائية خالدة، واجه ظروفًا قاسية في أواخر حياته، لكن ذكراه تظل باقية في قلوب محبيه، وسوف يظل عبد السلام النابلسي حاضرًا في أذهان الأجيال بفضل بصماته التي وضعها في كل دور قدمه، سواء كان دورًا كوميديًا أو دراميًا، مما يجعله واحدًا من أعظم الممثلين الذين أثروا السينما العربية بفيض موهبتهم.






