التكريتي يفتح ملف النفوذ الإماراتي في بريطانيا بعد الكشف عن مراقبة سرية استهدفته في لندن

فتح الناشط البريطاني العراقي أنس التكريتي ملف النفوذ الإماراتي داخل بريطانيا، مطالبًا بتحقيق واسع في ملابسات عملية مراقبة سرية قال إن وثائق مسربة كشفت عن استهدافه بها داخل لندن، ومتسائلًا عن مدى معرفة السلطات البريطانية بما كان يجري على أراضيها والإجراءات التي اتخذتها لحمايته.
وتعود القضية إلى واقعة حدثت قبل نحو عشر سنوات، عندما توجهت الشرطة البريطانية إلى منزل عائلة التكريتي في لندن بينما كان خارج البلاد، قبل أن تعود بعد يومين وتطلب منه التواصل معها بصورة عاجلة.
وقال التكريتي إن الشرطة أبلغته خلال الاتصال بأن حياته قد تكون معرضة لخطر وشيك، وهددته بتسليمه ما يُعرف بـ”إخطار عثمان”، وهو تحذير تصدره الشرطة البريطانية عندما تعتقد بوجود تهديد حقيقي ومباشر لحياة شخص ما.
وأوضح أنه طلب معرفة طبيعة التهديد والجهة التي تقف وراءه، وما إذا كان يتعين عليه نقل أسرته أو مغادرة منزله، إلا أن الشرطة لم تقدم له تفاصيل إضافية.
وبحسب التكريتي، انتهى الأمر عند حدود التحذير، دون تقديم إجراءات حماية واضحة أو معلومات تساعده على تقدير حجم الخطر الذي كان يواجهه.
وثائق تكشف مراقبة تحركاته
وبعد نحو عقد من الواقعة، قال التكريتي إن فريقًا صحفيًا بريطانيًا عرض عليه ملفًا مسربًا يتضمن ما وصفه بتفاصيل عملية مراقبة منظمة وممتدة لتحركاته داخل بريطانيا.
وتضمنت الوثائق، وفق روايته، صورًا لمنزله وسيارته، إلى جانب مراسلات عبر تطبيق “واتساب” بين أفراد فريق مراقبة تتناول تحركاته اليومية، بما في ذلك اصطحابه أطفاله إلى المدرسة وزياراته لأحد المساجد التي كان مقررًا أن يلقي فيها محاضرة.
وقال التكريتي إن المعلومات التي عُرضت عليه نسبت العملية إلى دولة الإمارات العربية المتحدة، معتبرًا أن رؤية التفاصيل موثقة أمامه “بالأبيض والأسود” نقلت القضية بالنسبة إليه من دائرة الشك إلى مواجهة أسئلة مباشرة بشأن ما حدث.
وأضاف أن القضية أثارت لديه سؤالًا أساسيًا يتعلق بما كانت تعرفه السلطات البريطانية عن عملية المراقبة، وما إذا كانت لديها معلومات مسبقة بشأنها.
وتساءل: “إذا كانوا يعرفون، فلماذا لم يخبرونني أو يحذرونني أو يحمونني على الأقل؟”، مضيفًا أنه إذا لم تكن السلطات على علم بما كان يجري، فإن ذلك يمثل في حد ذاته مشكلة خطيرة تتعلق بقدرة دولة أجنبية على تنفيذ مثل هذه الأنشطة داخل بريطانيا.
“كنت أتوقع ضمان سلامتي”
وأكد التكريتي أن موقفه من القضية لا يتعلق فقط بالجهة التي يعتقد أنها استهدفته، وإنما كذلك بمسؤولية الدولة البريطانية تجاه مواطنيها.
وقال إنه لم توجه إليه اتهامات جنائية، ولم يخضع لاستجوابات تتعلق بأي مخالفة، وإنه التزم طوال حياته بالقانون البريطاني، معتبرًا أن من حقه الحصول على الحماية المدنية وضمان حريته.
وأضاف أن ذلك يشمل حرية التعبير عن المواقف السياسية وانتقاد الحكومات الأجنبية دون الخوف من التعرض للمراقبة أو الاستهداف.
وقال: “كنت أتوقع ضمان سلامتي، على الأقل، إن لم يكن أكثر، كي أعبّر عن آرائي وأنتقد من أشاء، بينما ألتزم طوال حياتي بالقانون”.
ويرى التكريتي أن القضية تتجاوز شخصه إلى أسئلة أوسع بشأن حدود النفوذ الذي يمكن أن تمارسه حكومات أجنبية داخل المجتمع البريطاني، ومدى قدرة تلك الحكومات على التأثير في الحريات والحقوق المدنية للمواطنين والمنظمات.
وأشار في هذا السياق إلى مؤسسة قرطبة التي أسسها، وإلى منظمات بريطانية أخرى يقول إنها تعرضت لحملات استهداف أو تشويه مرتبطة بالإمارات.
تحذير الشرطة يثير تساؤلات جديدة
وقال التكريتي إن التحذير الذي تلقاه من الشرطة البريطانية أصبح أكثر إثارة للقلق بعد ظهور الوثائق التي تتحدث عن عملية المراقبة.
وأوضح أنه كان وقتها أبًا لطفلين صغيرين، وأُبلغ بأن حياته قد تكون في خطر، من دون أن يعرف الجهة التي تمثل هذا التهديد أو الإجراءات التي ينبغي اتخاذها.
وأضاف: “بخلاف تسليمي إخطار عثمان، وكأنهم وضعوا علامة في خانة وأنهوا الأمر، لم يحدث أي شيء على الإطلاق”.
ويرى أن مجرد صدور التحذير يشير إلى أن الشرطة البريطانية كانت على علم بوجود تهديد ما، وهو ما يفتح الباب أمام التساؤل بشأن المعلومات التي كانت متاحة لديها في ذلك الوقت ولم يتم إطلاعه عليها.
وقال إن عدم إبلاغ شخص بوجود تهديد فعلي لحياته، إذا كانت السلطات تمتلك معلومات موثوقة عنه، أمر يصعب تبريره.
لماذا قد تستهدفه الإمارات؟
ويربط التكريتي ما يقول إنه تعرض له بمواقفه السياسية المعارضة لسياسات أبوظبي، وبنشاطه داخل عدد من المؤسسات الإسلامية والسياسية البريطانية.
وسبق أن ترأس الرابطة الإسلامية في بريطانيا، كما شغل منصبًا قياديًا في المجلس الإسلامي البريطاني، إلى جانب تأسيس مؤسسة قرطبة.
كما أعلن تأييده لثورات الربيع العربي، وانتقد أنظمة الحكم السلطوية في عدد من دول الخليج، ودافع عن إصلاحيين سياسيين إماراتيين تعرضوا للسجن.
وقال إن دعمه للحركات التي طالبت بالتغيير السياسي في مصر وتونس ودول أخرى عقب اندلاع الربيع العربي عام 2011 وضعه في مواجهة سياسية مباشرة مع الإمارات.
وبحسب روايته، أظهرت أبوظبي استياءها من مواقفه في مناسبات سابقة، بينها سحب دعوات لزيارتها، فضلًا عن تواصل مسؤولين في السفارة معه لإبلاغه بعدم العودة.
وقال: “كوني في قائمتهم السوداء ليس مفاجئًا لي”، موضحًا أن ما أثار دهشته هو مدى ما يعتبره استعدادًا للذهاب بعيدًا في مراقبته.
وأضاف أن دفاعه عن إصلاحيين إماراتيين أمضى عدد منهم سنوات طويلة في السجن زاد من حدة الخلاف بينه وبين السلطات الإماراتية.
وتابع: “وقوفي إلى جانبهم، وتحدثي دفاعًا عنهم قدر استطاعتي، أغضب الإمارات”، مضيفًا أنه يعتقد أن الهدف كان إسكات صوته السياسي.
النفوذ الإماراتي في بريطانيا
ويرى التكريتي أن القضية يجب أن تفتح نقاشًا أوسع بشأن طبيعة العلاقات بين بريطانيا والإمارات، في ظل ما يربط البلدين من علاقات اقتصادية وسياسية وأمنية واسعة.
وأشار إلى حضور الاستثمارات الإماراتية في قطاعات مختلفة داخل بريطانيا، بينها أندية كرة القدم والأنشطة الرياضية والترفيهية والأسواق المالية والبنوك.
وقال إن القضية بالنسبة إليه لا تتعلق بمبدأ إقامة بريطانيا علاقات مع الإمارات، وإنما بالحدود التي تحكم تلك العلاقات وضمان ألا تأتي على حساب حقوق المواطنين البريطانيين.
وأضاف أن اعتبار الإمارات أحد أبرز حلفاء بريطانيا يجب ألا يمنع الحكومة البريطانية من اتخاذ موقف واضح عندما يتعلق الأمر بالحريات المدنية وحقوق الإنسان.
وقال: “إذا كانت الحكومة تؤمن حقًا بالحرية والحريات المدنية وحقوق الإنسان، فعليها أن تتخذ موقفًا مختلفًا”.
ودعا التكريتي إلى توسيع نطاق أي تحقيق محتمل بحيث لا يقتصر على عملية المراقبة التي يقول إنه تعرض لها، وإنما يمتد إلى طبيعة النفوذ الإماراتي في السياسة البريطانية والسياسة الخارجية.
وأضاف أن تجربته الشخصية، رغم خطورتها بالنسبة إليه، تظل جزءًا من ملف أكبر يتطلب التدقيق والمساءلة.
“الصداقة لا تأتي بلا شروط”
وأعرب التكريتي عن أمله في أن تتعامل القيادة السياسية البريطانية مع القضية بصورة مباشرة، مشددًا على ضرورة إعادة تقييم الحدود التي تحكم العلاقة بين لندن وأبوظبي.
وقال: “يمكننا أن نكون أصدقاء، لكن الصداقة لا تأتي بلا شروط”، معتبرًا أن الشرط الأساسي لأي علاقة بين البلدين يجب أن يتمثل في احترام حقوق المواطنين البريطانيين وحرياتهم وعدم التدخل فيها.
ويرى التكريتي أن الوثائق التي اطلع عليها غيرت طبيعة القضية بالنسبة إليه، بعدما أصبح يمتلك ما يعتبره مؤشرات موثقة على مدى المراقبة التي استهدفته.
وأضاف أن السؤال بالنسبة إليه لم يعد يتعلق بسبب اهتمام الإمارات به، إذ يرى أن خلفيات ذلك معروفة من خلال نشاطه ومواقفه السياسية، وإنما بات السؤال الرئيسي هو مدى معرفة السلطات البريطانية بما جرى، وكيف تعاملت معه.
وختم بالقول إن أمام الحكومة البريطانية خيارًا واضحًا بين التساهل مع ما وصفه بالنهج الإماراتي وبين الدفاع عن المبادئ التي تعلن التزامها بها في ما يتعلق بالحرية والحريات المدنية وحقوق الإنسان.





