مقالات وآراء

د.هالة عبد العزيز تكتب: وصلنا إلى القاع

لا أدري متى بدأنا نهبط
ولا في أي لحظة فقدنا الطريق.

لكنني أعرف أننا وصلنا إلى مكان
لم أعد أعرف فيه
أيهما أكثر رعبا
ما يحدث
أم ما اعتدنا حدوثه.

أرى الدم فأغضب..أرى الظلم فأحزن.

أرى الأعراض تستباح
والكذب يجمل
والفاسد يتقدم
والصادق يتراجع

ثم ألتفت حولي
فأجد الجميع يتحدثون قليلا
ويصمتون كثيرا
ويمضون في حياتهم
كأن شيئًا لم يحدث.

وهنا أخاف.

أخاف أن يأتي يوم
لا يعود فيه القتل صادمًا
ولا الخيانة عارًا
ولا الظلم جريمة في أعيننا
بل مجرد خبر آخر
نمر عليه ونحن نحتسي قهوتنا.

وصلنا إلى القاع
حين أصبح الحياء ضعفا
والصدق سذاجة
والرحمة غباء
والضمير عبئا على صاحبه.

وصلنا إلى القاع
حين صار الشر أكثر جرأة
والخير أكثر خوفًا
وأصبح الصامت هو العاقل
ومن يقول «لا»
هو المختلف.

أنا لا أبحث عن مدينة فاضلة
ولا أطالب الناس بالكمال.

أنا فقط أريد أن يبقى فينا
شيء واحد لم يفسد:

قدرتنا على أن نقول: هذا خطأ.

أن نغضب حين يظلم إنسان
أن نرفض حين تنتهك حرمة
أن نقف حين يسحق ضعيف
وأن نشعر بالخجل
حين ينبغي أن نخجل.

أنا مواطن
ولست أقوى من هذا الواقع.

لكنني أرفض أن أعتاده.

أرفض أن يصبح الدم خبرا
والظلم عادة
والرذيلة أمرا طبيعيًا
والصمت نجاة.

وصلنا إلى القاع

وربما لا نملك أن نغيّر العالم كله.

لكننا نملك أن نرفض السقوط معه.

ولهذا أصرخ
لا لأنني أملك الحل

بل لأنني ما زلت أملك ضميرا
يؤلمني.

وهذا الوجع
آخر ما تبقى لنا قبل أن نصبح مثلهم .وكفي

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى