
ترددت كثيرًا قبل أن أكتب هذه السطور. شرعت فيها ثم توقفت، وعدت إليها ثم آثرت الصمت. فأنا لست من فريق الدكتور حلمي الجزار داخل جماعة الإخوان المسلمين، ولست عضوًا في الجماعة أصلًا، ومن ثم تبدو شهادتي في أمر يتصل بأحد رموزها دقيقة وربما محرجة، وقابلة لأن يساء تأويلها من هذا الطرف أو ذاك. لكن حرج الكتابة صار، أمام نفسي، أهون من حرج الصمت على مشهد يتكرر حتى يكاد يصبح قاعدة؛ كلما حاول صوت أن يخرج من ضيق الاصطفاف إلى رحابة العقل، أقيمت له محكمة، وكلما اختار أحدهم لغة السياسة بدلًا من مفردات الثأر، خرج عليه جزّارو «الترند» بسكاكين التخوين والمزايدة.
لهذا لا أكتب دفاعًا عن «الجزار» السياسي، بقدر ما أكتب انحيازًا إلى حلمي الإنسان. إلى حق إنسان في أن يقول إن الخصومة السياسية، مهما بلغت قسوتها، لا تمنح أحدًا حق اقتحام البيوت، أو الخوض في الأعراض، أو تحويل العائلات والحياة الخاصة إلى ذخيرة في حرب عامة. قد نتفق معه أو نختلف في توصيف الصراع وحدوده ووسائله، لكن الأكثر إثارة للقلق من رأيه، هو ذلك الشغف بمعاقبته لأنه قاله. فحين يصبح ثمن الاجتهاد هو الذبح المعنوي، نكون قد غادرنا السياسة إلى محاكم التفتيش.
وأخطر ما تعلمته من سنوات السياسة أن العنف هو أكبر محام عن الاستبداد. العنف المادي يمنحه الذريعة، والعنف اللفظي يمنحه الحجة، والعنف الأخلاقي يمنحه دفاعًا مجانيًا عن منطقه الإقصائي. وكلما انحدرت المعارضة إلى قاموس خصومها، واستباحت ما كانت تستنكره منهم، أهدتهم دليلًا على أن الخلاف لم يعد بين الاستبداد والحرية، بل بين فريقين يتنازعان حق ممارسة الاستبداد. فالمعارضة التي تستعير أخلاق السلطة لا تهزمها، بل توسع مدرستها.
وللسياسة، مثل الاقتصاد، تجار جدد. يدخل بعضهم سوقها بلا ذاكرة ولا تقاليد ولا إدراك لثمن الكلمة والموقف، فيتعاملون معها بمنطق الربح السريع؛ عبارة أكثر قسوة، وخصم يصلح للمزايدة عليه، و«ترند» يصلح للاستثمار. وهكذا تنشأ سوق سوداء للسياسة، عملتها الضجيج، ورأسمالها الغضب، وربحها الانتشار، وخسارتها العقل. وتختزل مصر، بكل ثقلها وتعقيدها ونحو مئة وعشرين مليون إنسان فيها، في بضعة آلاف من الأصوات الزاعقة داخل غرف رقمية مغلقة، تسمع صدى نفسها فتتوهم أنها تسمع صوت الشعب.
وفي زمن التهوّس والتسفّل، يأكل الغضب أبناءه، لا خصومه وأنصاره فقط. تتحول المعارضة الموضوعية العاقلة إلى تهمة، وتصبح «معارضة المعارضة» بطولة وشجاعة وفضيلة، لمجرد أنها أعلى صوتًا وأشد قسوة. وفي هذا الزمن المقلوب تتبدل معاني الحكمة والعقل والشجاعة والوطنية؛ فيصبح المتزن متهمًا بالتخاذل، والعاقل موضع شبهة، والمتطرف في عبارته أكثر ثورية، وكأن الوطنية تقاس بدرجة الغضب، والشجاعة بمقدار ما يستطيع المرء أن يهدم من الجسور.
والحقيقة أن الوطن أكبر من «الترند»، والرأي العام أوسع من شاشة، والتاريخ أطول عمرًا من «لايك» عابر. والمزايدة الرخيصة قد تربك وافدًا جديدًا إلى السياسة، لكنها تبدو أكثر فقرًا حين توجه إلى أصحاب تاريخ ومواقف دفعوا أثمانها في الواقع، لا على صفحات التواصل. التاريخ لا يمنح أحدًا عصمة من النقد، لكنه يجعل النقد مسؤولية. فمن حقك أن تهدم حجتي بحجة أقوى، لا أن تهدم سمعتي لأن حجتك أضعف. ومن حقك أن تخالف تاريخي، لا أن تختصره في منشور غاضب يصفق له المارة ثم يمضون.
ولدي مع هذا المعنى ذكرى قديمة. في عام ألفين وخمسة، كنت المنافس الأبرز للرئيس الأسبق حسني مبارك في أول انتخابات رئاسية تعددية في مصر، وطلبت مناظرته علنًا، كما يحدث في الدول التي تجعل السياسة مواجهة بين الأفكار لا بين الأعراض. رفض مبارك، وعلمت لاحقًا من قريب من دوائر الحكم آنذاك أن تقريرًا أمنيًا كاذبًا حذره من المناظرة، بزعم أنني أعتزم توجيه إهانات شخصية إليه وإلى أسرته. لم يخطر هذا ببالي قط. لكن الكذبة صنعت خوفًا، والخوف ساهم في تحويل منافسة سياسية إلى خصومة شخصية. ومنذ ذلك الوقت ازددت يقينًا بأن أول ضحايا تحويل المنافس إلى عدو هو الحقيقة، وأن الضحية التالية غالبًا هي العدالة.
لذلك لا أستطيع أن أرفض محاكم التفتيش حين تقيمها السلطة، ثم أصمت عنها عندما يقيمها معارضون. ولا أستطيع أن أطالب الدولة باحترام خصومها، ثم ألتمس لمعارض عذرًا حين يستبيح خصمه. فالحرية ليست حقًا حصريًا لمن يشبهني، والتعددية لا تعني تعدد الأصوات بشرط أن تردد جميعها النغمة نفسها. والليبرالية، كما أفهمها، ليست مجرد صندوق انتخاب، بل انحياز أخلاقي إلى كرامة الإنسان وحقه في الاختلاف، وبخاصة عندما يكون هذا الاختلاف مزعجًا لنا.
وفي تراثنا ما هو أبلغ من كل تنظير: ﴿ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى﴾. فالعدل لا تختبر قيمته مع من نحب، بل أمام من نخاصم. والأخلاق التي تتبدل بتبدل أسماء الخصوم ليست أخلاقًا، والمبادئ التي تعمل في اتجاه واحد ليست مبادئ، والحرية التي نطلبها لأنفسنا ثم نضيق بها على غيرنا ليست حرية، بل امتياز نريد احتكاره.
وربما كانت إحدى مفارقات العمر أن بعضهم كان يرى في مواقفنا زمن مبارك قدرًا من التهور، بينما أجد نفسي اليوم متمسكًا بالعقل في زمن يتصور فيه البعض أن التهور والتسفل هو الشجاعة. ولا أعرف أي شجاعة في رجل يجلس خلف شاشة، فيقتحم عرضًا، أو يشهر بعائلة، أو يوزع صكوك الوطنية والخيانة، ثم يستند إلى أفقر الحجج جميعًا: «هم يفعلون ذلك بنا». فإذا أصبح ظلمهم مبررًا لظلمنا، وكذبهم رخصة لكذبنا، وانحطاطهم سلمًا لانحطاطنا، فما الذي بقي من المسافة الأخلاقية التي نزعم أنها تفصلنا عنهم؟
ليست القضية إذن حلمي الجزار وحده، ولا رأيه، ولا موقعه داخل جماعته. القضية أن مجزرة معنوية أقيمت لإرهاب حلمي الإنسان، ولإرسال رسالة إلى كل من يفكر في مغادرة خندق الغضب إلى مساحة السياسة: اصمت، وإلا جاء دورك. وهذه الرسالة أخطر من صاحبها ومن ضحيتها؛ لأنها تصنع مع الوقت معارضة تخاف من الاختلاف داخلها، ومجالًا عامًا تتحول فيه الشجاعة من القدرة على مواجهة السلطة إلى الجرأة على إهانة المختلف.
أخشى على مصر من لحظة يصبح فيها كل فريق «جزارًا» في الجزء الذي يسيطر عليه من الغابة، يشعل النار عند حدود خصمه متوهمًا أن الحريق يعرف الحدود. والنار لا تعرفها. وحين تحترق السياسة بالأحقاد، لن يسأل الرماد عمن كان في السلطة ومن كان في المعارضة. فالاستبداد ليس مؤسسة فقط؛ إنه بذرة صغيرة تنمو داخل كل منا عندما يعتقد أن امتلاكه للحقيقة يمنحه حق إلغاء إنسان آخر.
لهذا أقف اليوم إلى جوار حلمي الإنسان، لا لأنني عضو في جماعته، فأنا لست كذلك، ولا لأنني أتبنى كل اجتهاداته، فهذا ليس موضوعي، بل لأنني أريد أن أبقى وفيًا لما طالبت به خصومي طوال عمري: حق الاختلاف، وحرمة الإنسان، وعدالة لا تتغير بتغير الأسماء. أريد معارضة أفضل أخلاقًا من الاستبداد الذي تعارضه، لا صورة غاضبة منه. وأريد سياسة لا يحمل فيها كل فريق سكينًا ينتظر بها زلة الآخر.
فالطريق إلى الحرية لا يمكن أن يمر فوق جثث الكرامة. والديمقراطية التي نريدها غدًا تبدأ من الطريقة التي نختلف بها اليوم. وإذا كان حلمنا وطنًا يتسع للجميع، فلا تذبحوا حلمي الإنسان على مذبح «الترند»، ولا تجعلوا من الاختلاف جريمة، ومن الغضب قاضيًا، ومن التصفيق حكمًا. ففي زمن جزّاري الترند، قد يصبح الدفاع عن حق إنسان في أن يختلف آخر ما تبقى لنا من شجاعة العقل.







