مصر

د. عبدالفتاح طوقان يكتب: اتفاقات الاستسلام: كيف تحوّل بعض الحكام العرب إلى دمى في يد أمريكا وإسرائيل

تُعتبر اتفاقيات السلام الموقعة بين بعض الدول العربية وإسرائيل، مثل اتفاقية كامب ديفيد ١٩٧٨ ومعاهدة وادي عربة ١٩٩٤ واتفاقية أوسلو ١٩٩٣، علامات بارزة في تاريخ الصراع العربي الإسرائيلي. تلك الاتفاقيات شكلت مفاتيح ذهبية لإسرائيل والصهيونية، بينما وضعت بعض الحكام العرب في مواقف تُظهرهم كدمى في يد القوى الكبرى، خاصة أمريكا وإسرائيل.

اتفاقية كامب ديفيد مفتاح ذهب لإسرائيل لاقتحام البيت العربي، حيث تُعتبر اتفاقية كامب ديفيد التي أبرمها الرئيس المصري أنور السادات مع رئيس الوزراء الإسرائيلي مناحيم بيغن بمثابة نقطة تحول كبيرة. في المقابل، حصلت إسرائيل على مزايا استراتيجية متعددة، بينما تسببت في إحباطات كبيرة للفلسطينيين والعرب.

هذه الاتفاقية هي بداية شرعنة وجود إسرائيل، خصوصًا وأنها كانت الاتفاقية التي قدمت لإسرائيل اعترافًا رسميًا من مصر، مما أعطاها شرعية سياسية في العالم العربي.

ورغم الحديث عن استعادة سيناء، حيث حصلت مصر على استعادة شبه جزيرة سيناء، لكن ذلك تم بشروط تضمن سلامة إسرائيل، مثل وجود قوات حفظ السلام وعدم وجود قوات مصرية حقيقية، بل رمزية منزوعة السلاح.

الرئيس السادات فتح الأبواب للسياحة والتجارة، لأن كامب ديفيد سمحت للإسرائيليين بالدخول إلى مناطق مثل طابا ونويبع وشرم الشيخ، مما ساهم في تعزيز العلاقات السياحية والاقتصادية.

أما معاهدة وادي عربة فقد منحت جبهة هادئة لإسرائيل.

وُقعت معاهدة وادي عربة بين الأردن وإسرائيل في ٢٦ أكتوبر ١٩٩٤، وكانت لها تأثيرات كبيرة على المنطقة.

منح الأردن الاعتراف الدبلوماسي، حيث حصلت إسرائيل على اعتراف رسمي منه، مما عزز من شرعيتها وكفل لإسرائيل الأمن والاستقرار.

لقد ضمنت المعاهدة وجود جبهة هادئة على الحدود الشرقية، مما أتاح لإسرائيل التركيز على الصراع الفلسطيني.

وكان التعاون الاقتصادي سمة بارزة ومهمة لإسرائيل، التي استخدمت مدن الشمال لإقامة مصانع إسرائيلية تصدر للولايات المتحدة، وفتحت المعاهدة الباب أمام التعاون الاقتصادي مع الأردن.

أما اتفاقية أوسلو فكانت الطامة الكبرى، حيث جاء الاعتراف المتبادل والتنازل عن فلسطين التاريخية.

وُقعت اتفاقية أوسلو في ١٣ سبتمبر ١٩٩٣ بين منظمة التحرير الفلسطينية وإسرائيل، وكانت لها نتائج متباينة وسيئة للغاية على الحق الفلسطيني.

الاعتراف المتبادل الذي رفرف أعلامًا للعدو، وحصلت إسرائيل فيه على اعتراف رسمي كامل وتنازل عن مساحات من الأراضي الفلسطينية من منظمة التحرير الفلسطينية، مما عزز موقفها.

وبات تقسيم الأراضي والتنازل عنها مثل قطعة الشوكولاتة لإسرائيل، حيث شملت الاتفاقية تقسيم الأراضي الفلسطينية إلى مناطق، مما سمح لإسرائيل بالاحتفاظ بالسيطرة على مناطق واسعة مقابل جمعية خاضعة للاحتلال أُطلق عليها مسمى «السلطة الوطنية الفلسطينية» وليس «فلسطين»، حيث فشل الرئيس ياسر عرفات في تحقيق الدولة، ولم تحقق الاتفاقية أهداف الفلسطينيين في إقامة دولة مستقلة، مما أدى إلى تفاقم مشاعر الإحباط.

إن لهذه الاتفاقات والمعاهدات تأثيرات سلبية على القضية الفلسطينية تجلت بوضوح في تلك الاتفاقيات، حيث اعتُبر بعضها خيانة للقضية الفلسطينية. فبدلاً من أن تكون خطوات نحو السلام، كانت بمثابة أدوات لتفكيك الحقوق الفلسطينية، ومنها:

أولًا: فقدان الأراضي، حيث أدت الاتفاقيات إلى مزيد من الاستيطان الإسرائيلي وزيادة السيطرة على الأراضي الفلسطينية.

ثانيًا: عدم تحقيق الأمن، فعلى الرغم من الوعود، لم يتحقق السلام المستدام، بل تفاقمت النزاعات والعنف، والتي رأتها الشعوب العربية في الآونة الأخيرة من قصف وتدمير غزة بالمدافع والطائرات والقنابل، وسط صمت عربي من جهة، وترحيب بعض حكام العرب بذلك من جهة أخرى.

ثالثًا: لم تُعِد الاتفاقات والمعاهدات الحقوق السياسية والمائية والأراضي كاملة للدول الموقعة لتلك الاتفاقيات.

لذا شاهدنا ورأينا كيف تحول الحكام العرب إلى دمى ذليلة تقدم لإسرائيل فلسطين على صينية من الذهب، وتتنازل عن حقوق شعوبها وتقف دفاعًا عن إسرائيل وحروبها واعتدائها على دول المنطقة.

إن ما يحدث في الساحة العربية والشرق الأوسط اليوم يُظهر كيفية تحول بعض الحكام إلى دمى في يد القوى الكبرى. فقد أصبحوا مدافعين عن سياسات إسرائيل، بدلاً من الدفاع عن حقوق شعوبهم. هذا التحول لا يعكس فقط تآكل القيم الوطنية، بل يهدد أيضًا مستقبل القضية الفلسطينية.

تظل اتفاقيات الاستسلام تذكيرًا بأهمية الوحدة العربية والفلسطينية في مواجهة التحديات الكبرى وسياسات الاستسلام ومواجهة الاستيطان.

إن القضية الفلسطينية ليست مجرد مسألة سياسية، بل هي قضية إنسانية تتطلب تحركًا حقيقيًا نحو العدالة.

وأقصد، بينما تستمر هذه الاتفاقيات في التأثير على المنطقة، يجب أن نتذكر أن الحق لا يموت، وأن المطالبة بحق العودة وتحرير فلسطين هي واجب لا يمكن التنازل عنه مهما طال الزمن ومهما بلغت درجة الظلم والخيانات.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى