مقالات وآراء

طارق العوضي يكتب: مصر تحت الاستهداف.. حين تتحول الكلمة إلى سلاح

تخيل أن بلدك يمكن أن يُضرب دون أن تُطلق رصاصة واحدة ودون أن تعبر دبابة حدوده.

هذا ما يحدث اليوم. الحرب لم تعد فقط بالسلاح بل صارت بالشائعة وبالصورة المفبركة وبالمنشور الذي يتكرر آلاف المرات حتى يصدقه الناس.

فكر معي: مجموعة صغيرة لا تملك جيشًا ولا صواريخ لكنها تملك المال وخبرة التقنية تستطيع أن تصنع لك “رأيًا عامًا” مزيفًا.

حسابات كثيرة تنشر نفس الرسالة في نفس اللحظة مقاطع فيديو مبتورة عناوين مثيرة تجذب العين قبل العقل وصور بالذكاء الاصطناعي قد لا تفرق بينها وبين الحقيقة.

كل هذا يخلق وهمًا بأن “الكل غاضب” أو “الكل ضد الدولة” بينما الحقيقة أن الأمر مجرد حملة منظمة تعرف كيف تنتشر.

المواطن البسيط هنا في مواجهة سؤال مهم: كيف يفرّق بين النقد المشروع لحكومته وبين محاولة منظمة لهدم ثقته في بلده؟

النقد حق المعارضة السلمية حق لكن حين تتكرر نفس القصة الكاذبة على عشرات المنصات في نفس التوقيت وحين تتحول الخلافات السياسية إلى دعوة للفوضى والعنف فهذا لم يعد رأيًا سياسيًا بل استهداف مباشر.تحليلات سياسية

وفي نفس الوقت لا يجوز أن نتهم كل نشاط مصري بالخارج بأنه مؤامرة كما لا يجوز أن نتغافل عن وجود جهات تمول وتنظم وتوجه.

السؤال الذكي ليس “هل توجد مؤامرة؟” بل: من يدفع المال؟ من يخطط؟ من يستفيد؟ وهذه أسئلة تحتاج أدلة لا شعارات.

أخطر شيء يمكن أن يفقده أي بلد هو ثقة أبنائه فيه.

حين يقتنع المواطن بأن كل شيء فاسد وأن لا أمل في الإصلاح وأن بلده عاجز تكون الحملة قد نجحت حتى دون أن تطلق رصاصة. لهذا فإن أفضل رد ليس حجب موقع أو ملاحقة حساب فقط بل أن تسبق الدولة الشائعة بالمعلومة الصحيحة وأن تعترف بأخطائها بدل إنكارها وأن تفتح المجال لنقد حقيقي قبل أن يملأ الفراغ من يريد الشر.

فالدولة التي تنكر باستمرار قد تخسر المعركة حتى لو كانت تملك الحق. أما الدولة التي تشرح وتعترف بما يحتاج إصلاحًا وتواجه بالأرقام والوثائق فهي تقطع الطريق على من يريد استغلال جهل الناس أو غضبهم.

المطلوب ليس دولة تُغلق كل شيء ولا مجالًا عامًا بلا حماية. المطلوب توازن: قانون يواجه من يحرض على العنف ومؤسسات تكشف الكذب بسرعة وإعلام مهني لا يكون مجرد بوق ومعارضة تمارس حقها دون أن تستدعي الخارج وومواطن يعرف حقه في المعلومة الصحيحة.

مصر بلد كبير وسيظل هناك من يريد إضعافه. لكن هذا ليس سببًا للخوف بل جزء طبيعي من الصراع في المنطقة. وأفضل دفاع عنها ليس أن يصدق المصريون كل ما تقوله الدولة بل أن تكون الحقيقة دائمًا أسرع من الشائعة وأن تكون المؤسسة أقوى من الفرد وأن يكون القانون أقوى من الانتقام.

فمصر لا تحتاج من يصفق لها ولا من يتمنى سقوطها. تحتاج فقط: دولة قوية ومواطنًا واعيًا وإعلامًا صادقًا ومعارضة وطنية ومؤسسات تواجه أي استهداف بالدليل والقانون لا بالشعار.

وفي النهاية: أخطر هجوم لا يأتي من الخارج وحده بل حين نسمح لخلافاتنا الداخلية وضعف ثقتنا ببعضنا أن تتحول إلى ثغرة يدخل منها الآخرون، فتحصين الوطن يبدأ دائمًا من الداخل.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى