
منذ دخلت العمل العام قبل أكثر من أربعة عقود، نائبا برلمانيا، وصحفيا وسياسيا ، تعلمت أن أخطر ما يواجه الأوطان ليس دائما ما يعلن الخصوم عزمهم عليه، بل ما يعتاد المسؤولون التقليل من شأنه حتى يتحول من احتمال إلى حقيقة، ومن خبر صغير إلى خريطة جديدة. وتعلمت أيضا، في البرلمان وخارجه، وفي سنوات المواجهة والمنفى، أن الدول لا تخسر حقوقها دفعة واحدة، بل تفقدها أحيانا بالتقسيط، تحت عناوين مطمئنة، وتصريحات ناعمة، وعبارة جاهزة تقول إن الأمر «لا يدعو إلى القلق».
كتبت مرارا عن «حق مصر في الحياة»، وعن أن النيل ليس ملفا فنيا ولا خلافا عابرا على منشأة لتوليد الكهرباء، بل هو شريان وطن لا يملك نهرا غيره. وكتبت في كتابي
«مصر الممكنة» أن قوة الدولة لا تقاس بارتفاع صوتها بعد وقوع الخطر، بل بقدرتها على رؤيته وهو لا يزال نقطة بعيدة في الأفق، ثم بناء بدائلها قبل أن تضيق مساحة الاختيار. ومن هذا المنظور أقرأ الإعلان عن شراكة دفاعية وأمنية استراتيجية شاملة بين الولايات المتحدة وإثيوبيا.
لم أفهم السياسة يوما باعتبارها فنا لإخفاء المخاوف، بل علما لإدارتها. ولذلك لا أرى في الاتفاق الأميركي الإثيوبي إعلان حرب على مصر، كما لا أراه زيارة بروتوكولية يجوز المرور عليها بصمت. وبين التهويل والتهوين توجد مساحة اسمها البصيرة السياسية. في هذه المساحة ينبغي أن نقف، لأن النيل لا تحميه الطمأنات، والبحر الأحمر لا تؤمنه المجاملات، ومصالح الدول لا تصان بحسن النيات وحده.
أعلنت إثيوبيا، في الحادي والعشرين من أغسطس 2026، اتفاقها مع الولايات المتحدة على إقامة «تعاون استراتيجي شامل» في مجالي الدفاع والأمن، عقب مشاورات أجراها وفد عسكري إثيوبي رفيع المستوى في واشنطن يومي التاسع عشر والعشرين من الشهر نفسه. وترأس الوفد اللواء تيشومي غيميتشو، المدير العام للعلاقات الخارجية والتعاون العسكري بوزارة الدفاع الإثيوبية، بينما شارك من الجانب الأميركي براين إليس، نائب مساعد وزير الدفاع للشؤون الأفريقية.
ووفقا للرواية الإثيوبية، اتفق الطرفان على نقل التعاون العسكري والدبلوماسي إلى مرحلة جديدة ومتقدمة، وتوسيع التعاون المؤسسي، وتعزيز التنسيق الاستراتيجي، وحماية المصالح الوطنية، ودعم الأمن والاستقرار في القرن الأفريقي. وهي عبارات يصعب اختزالها في زيارة مجاملة، خصوصا عندما تصدر في توقيت تتشابك فيه أزمة سد النهضة مع طموحات إثيوبيا البحرية، والحرب السودانية، والتوتر مع إريتريا، والتحولات العسكرية المتسارعة حول البحر الأحمر.
الكلمات المعلنة كبيرة، لكن التفاصيل المنشورة محدودة. فلا يوجد، حتى الآن، نص معلن لمعاهدة دفاع مشترك، ولا جدول زمني للتنفيذ، ولا قائمة بأسلحة أو قواعد أو تسهيلات عسكرية، ولا التزام أميركي بالدفاع عن إثيوبيا في مواجهة دولة أخرى. كما لم يصدر بيان أميركي مواز بالوضوح نفسه يحدد الطبيعة القانونية للشراكة وحدودها. وهذه فجوة تفرض التريث في الحكم، لكنها لا تبرر الاطمئنان، لأن أخطر التحولات تبدأ أحيانا بإطار سياسي فضفاض، ثم تمتلئ تفاصيله بالتدريج بعيدا عن الأضواء.
قد تسمح هذه المظلة لاحقا ببرامج للتدريب والتسليح، وبناء المؤسسات الدفاعية، وتبادل المعلومات، والأمن السيبراني، والاتصالات واللوجستيات، ومراقبة الحدود، ومكافحة الإرهاب، وتطوير نظم القيادة والسيطرة، وربما توريد معدات عسكرية متقدمة. وهذه ليست بداية العلاقات الدفاعية بين البلدين. فقد سبقتها، في عام 2016، ترتيبات شملت التدريب والمعدات والدعم الاستشاري، كما استضافت إثيوبيا، في يوليو 2026، ندوة لوجستية واتصالاتية شاركت القيادة الأميركية في أفريقيا في تنظيمها. الجديد، إذن، ليس وجود التعاون، بل مستواه المعلن، وتوقيته، والمساحة التي يمكن أن يشغلها لاحقا.
خلال سنوات طويلة من العمل السياسي، ولقاءات كثيرة مع دبلوماسيين ومسؤولين من مدارس واتجاهات مختلفة، تعلمت أن التوقيت في العلاقات الدولية جزء من مضمون القرار، لا هامش عليه. وقد يقال لك إن الخطوة لا تستهدفك، لكن السؤال الأهم هو: كيف ستؤثر فيك؟ وقد يؤكد الوسيط حياده، بينما تمنح تحركاته أحد الطرفين ثقة أكبر وقدرة أوسع ومساحة إضافية للمناورة.
تنظر واشنطن إلى إثيوبيا من نوافذ أوسع من نافذة سد النهضة. تراها دولة يزيد عدد سكانها على مائة وعشرين مليونا، تقع بجوار السودان والصومال وإريتريا وجيبوتي، وعلى مسافة استراتيجية من البحر الأحمر وباب المندب. وتراها دولة تستضيف مقر الاتحاد الأفريقي، وتشارك في مواجهة حركة الشباب، وتقع داخل مساحة تتنافس عليها الصين وروسيا وتركيا وإيران ودول الخليج.
تحتاج الولايات المتحدة إلى شريك كبير في عمق القرن الأفريقي، يساعدها على مكافحة الإرهاب، ومراقبة الممرات البحرية، واحتواء التمدد الصيني، وضبط حركة السلاح والهجرة، ومنع انهيار دولة محورية قد يهز شرق أفريقيا كله. وفي المقابل، تحتاج حكومة آبي أحمد إلى التدريب والتكنولوجيا والاستثمارات والغطاء الدبلوماسي، وإلى إعادة تأهيل علاقاتها الغربية بعد حرب تيغراي وما ارتبط بها من اتهامات بانتهاكات جسيمة وعقوبات وضغوط سياسية.
وتعاني إثيوبيا أزمات أمنية متزامنة في أمهرة وأوروميا وتيغراي، إلى جانب التوتر المتصاعد مع إريتريا، والاضطراب الممتد عبر حدود السودان. ولذلك قد تكون الأولوية الأميركية المعلنة هي منع تفكك إثيوبيا، ورفع قدرة جيشها على ضبط الداخل وحماية الحدود، لا إعدادها لمواجهة مع مصر.
لكن السياسة لا تحاسب النيات وحدها، بل تراقب النتائج. فما يبدو دفاعيا في حسابات واشنطن قد يصبح هجوميا في حسابات أديس أبابا. فالسلاح لا يحتفظ دائما بالغرض المكتوب على فاتورته، والتدريب وأنظمة الاتصالات والرصد والمعلومات الاستخباراتية ترفع في النهاية القدرة العامة للدولة، وتمنح قيادتها ثقة أكبر في إدارة أزماتها الخارجية. ومن هنا يبدأ القلق المصري المشروع، لا من افتراض أن الولايات المتحدة اختارت إثيوبيا ضد مصر، بل من احتمال أن تمنحها قوة إضافية من دون أن تربط هذه القوة بسلوك مسؤول تجاه دول الجوار.
الأخطر أن هذه الشراكة تكشف تناقضا أميركيا لا يجوز للقاهرة أن تمر عليه مرورا دبلوماسيا ناعما. ففي السادس عشر من يناير 2026، عرض الرئيس دونالد ترمب استئناف الوساطة الأميركية بين مصر وإثيوبيا، متحدثا عن تسوية نهائية لمياه النيل، وعن ضمان تدفقات يمكن التنبؤ بها خلال سنوات الجفاف، ومنع دولة واحدة من السيطرة على النهر بما يضر بجيرانها. ثم أعلن رغبته في جمع قيادتي البلدين لإنهاء الأزمة.
وبعد سبعة أشهر فقط، انتقلت واشنطن من عرض الوساطة بين دولتين مختلفتين حول قضية وجودية، إلى تأسيس شراكة دفاعية شاملة مع إحداهما، بينما لم تحصل الأخرى على اتفاق ملزم يحمي أمنها المائي. هنا لا نتحدث عن تناقض أخلاقي مجرد، بل عن خلل محتمل في هندسة الوساطة ذاتها. فالوسيط الذي يمنح أحد الطرفين دعما أمنيا فوريا، بينما يطلب من الطرف الآخر انتظار نتائج التفاوض، قد يغير ميزان الحوافز، حتى لو لم يقصد الانحياز.
ستقول واشنطن إن علاقاتها العسكرية منفصلة عن وساطتها المائية، وإن التعاون مع إثيوبيا لا يستهدف مصر. غير أن الأمن القومي لا يعرف هذا الفصل النظري بين الملفات. فالدولة التي تتلقى التدريب والمعلومات والغطاء السياسي تصبح أكثر قدرة على التشدد وأقل شعورا بالحاجة إلى التنازل. والمكسب العسكري اليوم قد يتحول غدا إلى ورقة تفاوضية في ملف المياه أو البحر أو الحدود، حتى لو لم يرد ذلك في نص الاتفاق.
عرفت، من تجربتي السياسية، أن الدولة الكبرى لا تمنح شيئا لأنها تحب طرفا، ولا تمنعه لأنها تكره آخر. إنها تتحرك حيث تجد مصلحة، وتتراجع حين ترتفع الكلفة. ومن ثم لا أعلق كثيرا على عبارات الصداقة التاريخية، رغم أهميتها الدبلوماسية، بل أنظر إلى توزيع المصالح والوظائف والأوراق. فالسياسة لا تقاس بحرارة المصافحة، بل بما يبقى على الطاولة بعد انتهاء اللقاء.
القاهرة شريك عسكري قديم لواشنطن، وتحصل على مساعدات عسكرية سنوية، وتؤدي أدوارا مركزية في غزة وقناة السويس والبحر الأحمر ومكافحة الإرهاب. وقد أشاد ترمب بالدور المصري في الترتيبات الإقليمية، وأكد تقديره لاستقرار مصر وثقلها. لكن السياسة الأميركية، في اللحظة نفسها، تبني جسورا استراتيجية مع القوة التي تمسكت، لأكثر من عقد، بسياسة الأمر الواقع في أخطر ملف يهدد حياة المصريين.
هذه الازدواجية لا تعني أن الولايات المتحدة انقلبت على مصر، لكنها تعني أن مكانة مصر التقليدية لم تعد وحدها كافية لضمان مراعاة مصالحها. واشنطن لم تعد تنظر إلى المنطقة بمنطق الحليف الواحد، بل بمنطق توزيع الأدوار بين شركاء متعددين. مصر مهمة في الشرق الأوسط وغزة وقناة السويس، وإثيوبيا مهمة في أفريقيا والقرن الأفريقي ومنافسة الصين. وبهذا التقسيم تستطيع الولايات المتحدة التعاون مع الدولتين، حتى إذا تعارضت مصالحهما، ثم تطلب منهما إدارة التناقض وحدهما.
الخطورة الحقيقية أن تصبح مصر شريكا تحتاجه واشنطن عند الأزمات، بينما تصبح إثيوبيا شريكا تستثمر فيه لتشكيل المستقبل. والفارق بين الدورين كبير. الأول يستخدم رصيد الدولة في إطفاء حرائق الحاضر، أما الثاني فيمنح دولة أخرى أدوات بناء نفوذها في الغد. وكأن المطلوب من مصر أن تدفع دائما فواتير الاستقرار، بينما يحصل الآخرون على أرباح التحول.
لا أستطيع أن أفصل هذه القراءة عما كتبته في «مصر الممكنة». فمصر الممكنة ليست دولة تنتظر من الآخرين الاعتراف بدورها، بل دولة تصنع دورها. ليست دولة تعيش على فوائد تاريخها، بل تضيف إلى هذا التاريخ رصيدا جديدا كل يوم. وليست دولة تحذر من الخطر بعد وصوله إلى بابها، بل تملك من البصيرة والمرونة ما يجعلها تلتقيه قبل أن يصبح قدرا.
توقيت الاتفاق يثير أسئلة تتجاوز العلاقات الثنائية. فقد جاء بعد افتتاح سد النهضة وتشغيله من دون اتفاق قانوني ملزم، وبعد عودة واشنطن إلى طرح الوساطة، وفي ظل تجدد الحديث الإثيوبي عن منفذ بحري، وتنامي عسكرة منطقة البحر الأحمر، وتصاعد المنافسة حول الموانئ والقواعد والطائرات المسيرة. وهذا يجعل الشراكة جزءا من خريطة إقليمية أوسع، لا خبرا منفصلا داخل غرفة في واشنطن.
سد النهضة، الذي تقارب سعته التخزينية أربعة وسبعين مليار متر مكعب، لم يعد مجرد منشأة لتوليد الكهرباء. لقد أصبح أداة تمنح دولة المنبع قدرة غير مسبوقة على التحكم في توقيت تدفق المياه، خصوصا خلال سنوات الجفاف والجفاف الممتد. وبعد اكتمال البناء والافتتاح، انتقل جوهر النزاع من سؤال وجود السد إلى أسئلة طريقة تشغيله، والتصرف في سنوات الشح، وتبادل البيانات، وسلامة المنشآت السودانية، ومستقبل السدود الإثيوبية الجديدة.
تصر مصر والسودان على اتفاق قانوني ملزم، بينما تتمسك إثيوبيا بإرشادات مرنة تحفظ لها حرية القرار. وهذا الفارق ليس لغويا ولا إجرائيا. إنه الفارق بين حق يمكن الدفاع عنه، ووعد تستطيع الدولة المتحكمة في الصنبور أن تعيد تفسيره كلما تغيرت الظروف.
وإذا فصلت واشنطن بين مساري الوساطة والتعاون الدفاعي، ومنحت أديس أبابا مكاسب أمنية سريعة مقابل وعود مؤجلة بالتفاوض، فقد تستنتج القيادة الإثيوبية أن الزمن يعمل لمصلحتها، وأن تحسين علاقتها بالولايات المتحدة يقلل حاجتها إلى التنازل. أما إذا استخدمت واشنطن الشراكة لبناء نفوذ حقيقي على القرار الإثيوبي ودفعه نحو اتفاق ملزم، فقد تتحول الخطوة إلى أداة للحل. لكن هذا الاحتمال يحتاج إلى ضمانات وأفعال، لا إلى عبارات طيبة نسمعها ثم تذوب مع أول اختبار.
البعد الآخر يمتد من النيل إلى البحر الأحمر. فمنذ توقيع مذكرة التفاهم بين إثيوبيا وإقليم أرض الصومال في يناير 2024، لم تعد طموحات أديس أبابا البحرية خطابا اقتصاديا خالصا. فقد ارتبطت المذكرة باستئجار شريط ساحلي وإمكان إنشاء منشأة بحرية، مقابل مسار للاعتراف بالإقليم الانفصالي، وهو ما رفضته الصومال باعتباره اعتداء على سيادتها ووحدة أراضيها.
تعتمد إثيوبيا على جيبوتي في نحو تسعين في المائة من تجارتها البحرية، ومن حقها البحث عن منافذ تجارية آمنة عبر اتفاقات قانونية مع الدول الساحلية. لكن الاحتياج التجاري لا يمنحها حق فرض منفذ سيادي أو قاعدة عسكرية أو تعديل حدود دولة أخرى. المشكلة ليست في أن تتنفس إثيوبيا اقتصاديا، بل في أن يتحول احتياجها إلى البحر إلى رغبة في امتلاكه، وأن تتحول نافذة التجارة إلى شرفة عسكرية تطل على باب المندب وقناة السويس.
وهنا تظهر أدوار قوى إقليمية لا يمكن إغفالها. ولا توجد أدلة منشورة تثبت أن دولة بعينها رتبت الاتفاق الأميركي الإثيوبي أو وجهته ضد مصر. لكن توجد شبكات مصالح وتحالفات متقاطعة صنعت بيئة دولية أكثر استعدادا لإعادة إدماج إثيوبيا وتعزيز قدراتها ومنحها أدوارا أوسع.
يأتي الدور الإماراتي في مقدمة هذه الأدوار. فقد بنت أبوظبي، خلال السنوات الماضية، علاقة سياسية واقتصادية وأمنية وثيقة مع حكومة آبي أحمد، وارتبط حضورها في القرن الأفريقي بشبكة من الموانئ والاستثمارات والتسهيلات الممتدة حول خليج عدن. كما ترتبط شركة موانئ دبي العالمية باستثمارات كبيرة في ميناء بربرة وممراته اللوجستية، وهو ما يلتقي مع رغبة إثيوبيا في تقليل اعتمادها على جيبوتي والوصول إلى البحر.
وزادت الصورة تعقيدا بعد تقارير دولية تحدثت، في فبراير 2026، عن معسكر داخل إقليم بني شنقول قمز لتدريب آلاف المقاتلين لمصلحة قوات الدعم السريع السودانية، وعن منشأة للطائرات المسيرة قرب مطار أصوصا، مع نسبة التمويل والدعم اللوجستي إلى الإمارات. وقد نفت أبوظبي دعم أي طرف في الحرب السودانية، ولم تحسم الأدلة المنشورة كل جوانب القضية. لكن مجرد وجود هذه المؤشرات يربط إثيوبيا والحرب السودانية ومنطقة السد وشبكات النفوذ الإقليمي في مسرح واحد بالغ الحساسية.
لا يجوز لمصر أن تبني سياستها على اتهامات غير محسومة، لكن لا يجوز لها أيضا تجاهل تلاقي المصالح. فالإمارات تنظر إلى الموانئ والممرات البحرية باعتبارها أدوات نفوذ اقتصادي واستراتيجي، وإثيوبيا تبحث عن منفذ بحري ودعم سياسي وعسكري، بينما تحتاج الولايات المتحدة إلى ترتيبات أمنية حول البحر الأحمر لا تعتمد كليا على جيبوتي. وحين تتقاطع هذه المصالح، يصبح الانتقال من التعاون الاقتصادي إلى الهندسة الأمنية احتمالا جديا.
ويتصل بذلك الدور الإسرائيلي، خصوصا بعد اعتراف إسرائيل بأرض الصومال في ديسمبر 2025، وما أعقبه من حديث عن حضور أمني واستخباراتي محتمل قرب خليج عدن. كما تحدثت تقارير دولية عن تطوير منشآت في مطار بربرة، واحتمالات استخدامها في مراقبة البحر الأحمر ومواجهة الحوثيين. وترتبط إسرائيل، في الوقت نفسه، بعلاقات أمنية واستخباراتية قديمة مع إثيوبيا.
لا يعني ذلك وجود محور معلن يستهدف مصر أو سد النهضة. لكنه يعني أن أي تحرك إثيوبي نحو بربرة لم يعد قضية بين أديس أبابا ومقديشو وحدهما، بل أصبح جزءا من ترتيبات دولية متشابكة تشمل أمن إسرائيل، ومواجهة الحوثيين، والنفوذ الإماراتي، والانتشار الأميركي، وخطوط التجارة العالمية. ومن ثم تكتسب الشراكة الدفاعية الأميركية مع إثيوبيا دلالة تتجاوز التدريب العسكري إلى موقع محتمل داخل بنية أمنية جديدة حول البحر الأحمر.
أما تركيا فتؤدي دورا مختلفا وأكثر توازنا في صورته المعلنة. فهي شريك عسكري واقتصادي لإثيوبيا، وفي الوقت نفسه صاحبة وجود عسكري وعلاقات استراتيجية عميقة مع الصومال. وقد نجحت، عبر إعلان أنقرة في ديسمبر 2024، في تخفيف التوتر بين البلدين، وإقرار حق إثيوبيا في الوصول التجاري الآمن إلى البحر، بشرط احترام سيادة الصومال ووحدة أراضيه، وأن تكون الترتيبات تحت سلطته.
وهذه صيغة يمكن لمصر دعمها، لأنها توازن بين حق إثيوبيا الاقتصادي ورفض التوسع على حساب دولة ساحلية. كما تستطيع القاهرة استخدام علاقاتها المتحسنة مع أنقرة لمنع تحول الوصول التجاري إلى وجود عسكري، والدفع نحو تسوية تحفظ وحدة الصومال وتخفض التوتر. فتركيا تملك قنوات مؤثرة مع مقديشو وأديس أبابا معا، ولها مصلحة في منع حرب إقليمية تضر باستثماراتها ونفوذها.
ويأتي الدور السعودي من زاوية أمن البحر الأحمر واستقرار الدول الساحلية. فالرياض تميل، في مواقفها المعلنة، إلى دعم وحدة الدول وحماية الملاحة، وترى في الفوضى على الضفة الأفريقية تهديدا مباشرا لمشروعاتها الكبرى على الساحل الغربي. كما أن تباعد بعض المصالح السعودية والإماراتية في اليمن والسودان والقرن الأفريقي يمنح القاهرة مساحة لبناء تفاهم مصري سعودي يحمي سيادة الصومال والسودان، ويمنع عسكرة الموانئ على نحو يخل بتوازن البحر الأحمر.
أما الصين، صاحبة الاستثمارات الواسعة في إثيوبيا والوجود العسكري في جيبوتي، فهي الحاضر الصامت في كثير من الحسابات الأميركية. وقد يكون أحد دوافع واشنطن لاستعادة إثيوبيا هو منع تحولها الكامل إلى المجال الصيني. ومن هنا ينبغي ألا تنظر مصر إلى الشراكة باعتبارها اصطفافا أميركيا ضدها فقط، بل باعتبارها جزءا من منافسة أميركية صينية تدفع واشنطن إلى تقديم عروض سياسية وأمنية سخية لاستعادة موطئ قدم فقدته خلال سنوات الفتور.
هكذا تتكون الخطورة من تراكب دوائر متعددة. سد يتحكم في شريان حياة مصر. وطموح إثيوبي إلى منفذ عسكري على البحر. ونفوذ إماراتي في الموانئ والصراعات المحلية. وحضور إسرائيلي متقدم في أرض الصومال. واحتياج أميركي إلى شركاء ومواقع لمراقبة البحر الأحمر ومنافسة الصين. وصراع سوداني يقترب من منطقة السد. كل دائرة منفردة يمكن احتواؤها، لكن اجتماعها في لحظة واحدة يصنع تحولا استراتيجيا لا يجوز وصفه بأنه «لا يقلق أحدا».
لا يعني الاتفاق أن ميزان القوة العسكري انقلب لمصلحة إثيوبيا. مصر تظل أكثر تقدما في التسليح والخبرة والبنية العسكرية، كما أنها شريك أساسي للولايات المتحدة، ولا مصلحة لواشنطن في مواجهة بين بلدين كبيرين أو في إضعاف مصر وتهديد قناة السويس. لكن غياب النية العدائية لا يلغي النتائج الضارة. فكثير من الأخطار لم تبدأ بمؤامرة مكتملة، بل بقرارات متفرقة لم يحسب أصحابها حاصل جمعها.
خبرتي مع العمل السياسي المعارض علمتني ألا أخلط بين الدفاع عن الوطن والدفاع عن أخطاء السلطة. فالوطن ليس الحكومة، والنيل ليس ملك نظام، والأمن القومي لا يجوز أن يتحول إلى ستار يحجب الأسئلة أو يعفي المسؤولين من الحساب. إن الدفاع عن حق مصر في مياهها واجب وطني، ومساءلة السياسات التي أدارت هذا الملف واجب وطني أيضا. فلا قداسة لقرار أخطأ، ولا حصانة لاختيار أضاع وقتا، ولا تعارض بين أن نقف مع مصر وأن نطالب السلطة بكشف ما فعلته وما لم تفعله.
المطلوب ليس حملة غضب ضد الولايات المتحدة، ولا قطيعة مع إثيوبيا، ولا خطابات عسكرية متعجلة. المطلوب سياسة متعددة المسارات تحول القلق إلى أوراق، والاعتراض إلى مبادرة، والمصلحة المصرية إلى جزء لا يمكن تجاوزه من حسابات واشنطن والقوى الإقليمية.
البداية هي حوار استراتيجي عاجل مع الإدارة الأميركية، تطلب فيه القاهرة إحاطة رسمية بطبيعة الشراكة الجديدة، ونطاق التدريب والتسليح وتبادل المعلومات، ومدى اتصالها بالبحر الأحمر والقوات البحرية وحماية المنشآت الاستراتيجية. وعلى مصر أن تطلب ضمانات واضحة بألا يستخدم هذا التعاون في فرض تغييرات أحادية على دول الجوار أو الإضرار بأمنها المائي.
وينبغي ألا تقبل القاهرة الفصل الأميركي المصطنع بين الوساطة المائية والتعاون الدفاعي. فلا يصح أن تدعو واشنطن إلى اتفاق ملزم بشأن النيل، ثم تمنح دعما غير مشروط يقلل حافز إثيوبيا للوصول إليه. والمطلوب ربط سياسي واضح بين رفع مستوى الشراكة، واستعداد أديس أبابا للانخراط في تفاوض جاد، من دون تحويل الأمر إلى مقايضة معلنة أو اعتراض على حق أي دولة في علاقاتها الدفاعية.
كما يتعين المطالبة بمبعوث أميركي رفيع المستوى للملف، وجدول زمني محدد، ومرجعية تفاوض مكتوبة تشمل قواعد التشغيل خلال الجفاف والجفاف الممتد، والتصرف في الطوارئ، وتبادل البيانات، وآلية مستقلة للتحقق، وقواعد السدود المستقبلية، ونظاما ملزما لتسوية النزاعات.
ويجب نقل المعركة من الدوران السياسي إلى التوثيق القانوني. فقد أخطأت مصر حين تركت ملفا وجوديا سنوات طويلة داخل مفاوضات بلا سقف زمني. والمطلوب ملف قانوني وفني متكامل يوثق التشغيل الأحادي ومخاطره، ويتمسك بقواعد الانتفاع المنصف والمعقول، ومنع الضرر الجسيم، والإخطار المسبق، وتبادل المعلومات، وهي مبادئ مستقرة في القانون الدولي للمجاري المائية.
ولا يمكن الدفاع عن النيل من القاهرة وحدها، ولا استعادة النفوذ المصري بزيارات متباعدة أو خطابات تستدعي الماضي. تحتاج مصر إلى مشروعات دائمة في الكهرباء والنقل والتعليم والصحة والتجارة والاستثمار الزراعي، وإلى خطاب يعترف بحق شعوب المنابع في التنمية بقدر ما يتمسك بحق المصريين في الحياة. فمن يطرق أبواب أفريقيا عند الأزمات فقط، سيجدها ذات يوم قد فتحت لغيره واستقرت مصالحها بعيدا عنه.
ويظل السودان شريكا أصيلا لا هامشا في القضية. والمطلوب آلية مصرية سودانية دائمة للرصد الهيدرولوجي والإنذار المبكر وإدارة الفيضانات والجفاف وحماية المنشآت، مع رفض تحويل الحرب السودانية إلى ممر لإعادة تشكيل توازنات النيل، أو حصار الدولة السودانية بين مشروعات مسلحة عابرة للحدود.
وفي البحر الأحمر، على مصر دعم وحدة الصومال وسيادته، ومساندة حصول إثيوبيا على منفذ تجاري مشروع من خلال اتفاق شفاف مع الحكومة الصومالية، مع رفض أي قاعدة أو وضع سيادي ينتزع من دولة ساحلية. كما يجب تحويل العلاقات مع الصومال وإريتريا وجيبوتي وكينيا والسعودية وتركيا إلى منظومة استقرار وتنمية وأمن ملاحي، لا إلى حزام حصار يزيد المخاوف الإثيوبية ويدفع المنطقة نحو سباق تسلح.
ولا بد من حوار صريح مع الإمارات حول آثار سياساتها في السودان وإثيوبيا وأرض الصومال على الأمن القومي المصري. فالعلاقات الاقتصادية الوثيقة لا ينبغي أن تمنع المكاشفة السياسية، والشراكة الحقيقية لا تعني الصمت عندما تتعارض المصالح. وعلى القاهرة أن تميز بين خلاف يمكن إدارته بالحوار، وخطر يمس النيل أو وحدة السودان أو أمن البحر الأحمر فلا يجوز تجاهله.
وعلى المستوى الدفاعي والاستخباراتي، يتعين تطوير القدرة على الرصد المبكر، ومتابعة التحولات في الطائرات المسيرة والدفاع الجوي والاتصالات والوجود الأجنبي، وتعزيز حماية المنشآت المائية وتأمين البحر الأحمر. فالردع ضرورة، لكن قيمته الحقيقية في منع الحرب، لا في الإكثار من الحديث عنها.
ويبقى المسار الداخلي هو الأكثر إهمالا. فلا يمكن حماية الأمن المائي خارجيا بينما يستمر الهدر، وتتراجع كفاءة الري، وتتسع الفجوة الغذائية، وتغيب الشفافية عن إدارة الموارد. تحتاج مصر إلى استراتيجية معلنة لسنوات الجفاف، تشمل تحديث الري، وتحسين تركيب المحاصيل، وتقليل الفاقد، والتوسع المدروس في التحلية وإعادة الاستخدام، وبناء مخزون غذائي آمن. فالدبلوماسية القوية تبدأ من دولة تعرف حجم الخطر ولا تخفيه عن شعبها.
أمام مصر ثلاثة احتمالات. الأول أن تظل الشراكة الأميركية الإثيوبية في حدود التدريب ومكافحة الإرهاب وبناء المؤسسات، وهو الأقل خطرا. والثاني أن تمتد إلى معلومات ومعدات واتصالات وحماية منشآت، بما يعزز موقف إثيوبيا التفاوضي. والثالث أن تتصل بقدرات بحرية أو قواعد أو ترتيبات إقليمية تعيد تشكيل التوازن حول السد والبحر الأحمر، وهو الاحتمال الأعلى خطورة. والحكمة تقتضي العمل لمنع الثالث، والاستعداد للثاني، وعدم الإفراط في الاطمئنان إلى الأول.
منذ بدأت رحلتي في العمل العام، رأيت دولا تملك القوة وتخسر المعركة لأنها أساءت قراءة اللحظة، ورأيت شعوبا تبدو قليلة الحيلة لكنها تحمي حقوقها لأنها تعرف ما تريد، وتملك إرادة الوصول إليه. وفي السياسة، كما في الحياة، لا تكون الحكمة في أن تنتظر الضربة ثم تثبت أنك كنت محقا، بل في أن تمنعها قبل أن تقع.
لست من دعاة الحرب، وأعرف من تجارب السياسة والسجن والمنفى أن الشعوب هي التي تدفع أثمان المغامرات، بينما يكتب صانعوها مذكراتهم في هدوء. لكن رفض الحرب لا يعني النوم على حدود الخطر، والدعوة إلى السلام لا تعني تسليم مفاتيح النهر لمن يرفض الاتفاق، أو ترك البحر لمن يعيد رسم خرائطه على مهل.
ليست كل علاقة أميركية إثيوبية خصما من رصيد مصر، وقد تستطيع واشنطن استخدام نفوذها الجديد لدفع أديس أبابا إلى تسوية عادلة. لكن هذا لن يحدث تلقائيا، ولن تمنحه الولايات المتحدة لمصر تقديرا لتاريخ الصداقة. فالمصالح لا تحميها المجاملات، بل دبلوماسية تبادر ولا تنتظر، وتفاوض ولا تتسول، وتبني الحلفاء ولا تكتفي بتعدادهم.
النيل لم يعد ملفا فنيا بين ثلاث لجان، والبحر الأحمر لم يعد خريطة منفصلة عن مجرى النهر. ما يجري من بني شنقول إلى بربرة، ومن أصوصا إلى باب المندب، أصبح مسرحا استراتيجيا واحدا، تتداخل فيه المياه والموانئ والسلاح والحروب الأهلية ومنافسة القوى الكبرى.
وبعد أكثر من أربعة عقود عشتها في قلب السياسة المصرية، مؤمنا بأن المعارضة ليست خصومة مع الوطن بل انحياز إليه، أقول إن الدفاع عن مياه النيل لا يبدأ من منصة خطاب، ولا ينتهي عند بيان شديد اللهجة. إنه يبدأ من دولة حرة تعرف الحقيقة، ومؤسسات تحاسب من أخطأ، ودبلوماسية تملك المبادرة، واقتصاد قادر على الصمود، وشعب لا يعامل باعتباره آخر من يعلم.
مصر لا تملك ترف الهلع، كما لا تملك رفاهية الغفلة. والخطر ليس فقط أن تختار واشنطن إثيوبيا بدلا من مصر، فهذا لم يحدث بعد، بل أن توزع مصالحها بينهما، فتحصل من مصر على خدمات الحاضر، وتمنح إثيوبيا أدوات المستقبل.
كتبت عن «مصر الممكنة» لأنني ما زلت أؤمن بأن وطنا بحجم مصر لا يعجز عن حماية حقه إذا امتلك وضوح الرؤية وإرادة القرار. لكن الأوطان لا تعيش طويلا على مجد قديم، ولا تحمي أنهارها بعبارات الثقة، ولا تسترد زمنا أهدرته المفاوضات العقيمة.
في السياسة لا تبقى المكانة لمن يملك تاريخا أطول، بل لمن يقرأ التحول مبكرا، ويبني البدائل قبل أن تضيق الخيارات. فمياه النيل لا تحميها الطمأنات، والبحر الأحمر لا تؤمنه المجاملات، والأوطان التي تتأخر في رؤية الخطر قد تستيقظ يوما فتجده قد صار خريطة.







