
يقول الحكماء أن “الإنسان ينتقل والمكان في داخله” بمعنى أن الإنسان عندما ينتقل من مكان إلى اخر لعدة اسباب لعل اكثرها كراهية هي الهروب من الحروب والموت والقهر وانسداد سبل الحياة الكريمة التي تحترم ادميته وتحفظ له قدراً من الكرامة والعزة، وتوفر له الكريم من سُبل العيش، والرعاية الصحية والإجتماعية والتعليمية … وحتى ديننا الإسلامي الحنيف يطرح ذات التساؤل “ألم تكن أرض الله واسعة” في مواجهة القهر والمهانة وابتزال كرامة الإنسان.
هذه المقدمة كانت ضرورية في مواجهة طوابير السودانيين الذين هجروا بلادهم هرباً من الحروب وعدم الاستقرار، والبحث عن الأمان والعيش الكريم في العديد من بقاع العالم القريبة والبعيدة، وهي اعداد مقدرة وكفاءات لا يستهان بها في مختلف المجالات التعليمية والأكاديمية والثقافية … والمدهش أنهم يحققون نتائج مذهلة في تلك البلاد في نفس الوقت الذي تعجز فيه بلادهم عن توفير التربة الصالحة والمناخ الملائم لتفجير تلك الطاقات حتى تكون خيراً وعطاءاً في وطنهم الذي هو أحوج ما يكون إلى نبوغهم وعبقريتهم وقدرتهم غير المحدودة على العطاء.
هل هو “داء السلطة” الذي تلبس الجميع حتى اصبحت “لعبة الكراسي” هي الهم الشاغل لجميع الفاعلين السياسيين … والسلطة حسب مفهومنا المتواضع أن يكون كل شيء في خدمة الإنسان البسيط الذي لا يحلم بالفردوس بقدر ما يحلم بحياة امنة وكريمة تؤمن له واقعه ومستقبله ومستقبل ابنائه واحفاده … ويبدو أن “لعنة السلطة” أصابت الجميع بالسّعار، فارتفعت اصوات الكراهية واشتعلت الحروب وتشرد الأهل في مشارق الأرض ومغاربها باحثين عن الخلاص الفردي والجماعي من واقع يعجز عن توفير “رغيف الخبز” في أرض واسعة وهبها الله بالانهار والثروات الطبيعية والمعدنية والحيوانية.
تابعت خلال الأيام الماضية سلسلة حلقات من برنامج تلفزيوني على “اليوتيوب” تحت عنوان “حلو مُر”وهي عبارة سودانية خالصة ترتبط في أذهان السودانيين بشهر رمضان المبارك … هالني في ذلك العمل الفني الرائع الذي قُدم بمهنية رفيعة اعداد السودانيين في الولايات المتحدة الأمريكية، رجال في مقتبل العمر، ونساء وأطفال رائعين في مستهل المشوار … يعيشون في الغربة ويحنون للوطن الذي غادروه في فترات متباعدة حاملين في داخلهم المكان “السودان بكل ارثه وتقاليده وعاداته” … وتجمعهم الفة حميمه سواء في المؤسسات الأكاديمية رفيعة المستوى، أو في مواقع العمل والسكن المتقارب … واعِدت على نفسي ذات السؤال القديم المتجدد “هل يمكن أن يعود كل هؤلاء إلى المسغبة وإلى وطن محترب تسكنه الكراهية وتنتشر فيه الميليشيات المسلحة مثل الفطر السام؟” … هل يمكن أن يعودوا بأقدامهم إلى العذاب والمهانة والإنفلات الأمني وفوضى السلاح؟ … الإجابة ليست متيسره الٱن، وكما قال العزيز السفير عوض قدوره من اريزونا “اترك الإجابة على هذا السؤال للزمن” … ومثل طاحونة مهترئه في أحد الأحياء القديمة، يسحقنا الزمن، وتقتلنا الغربة، ونتطلع بلهفة وحب حقيقي -وليس عبر أوهام زائفة- أن نعود إلى أحضان الوطن الذي نتطلع إليه وهو مملوء بالعافية والإستقرار … وهو وطن عظيم أعطانا الكثير ومن الواجب علينا أن نرد له جزء من هذا الدين بعيداً عن المزايدات السياسية الرخيصة والصراع المريض على السلطة.
الوطن كما يصفه الشاعر الفلسطيني الراحل محمود درويش هو “أن احتسي قهوة أمي وأن أعود في المساء” … لقد طال هذا المساء والسنوات تتساقط من بين ايدينا وقطار العمر يمضي، وتسكننا الفجيعة كل صباح، حتى أصبح مجرد التفكير في الوطن حلم هلامي رغم ما يحتضنه من ذكريات الطفولة والشباب والكهولة.
اعجبت كثيراً بمقال موضوعي وعميق كتبه العزيز حذيفة عادل بتاريخ ٩ يونيو ٢٠٢٦ تحت عنوان “ثورة العائدين” استهله بالقول “لم تعجبكم ثورة ديسمبر السلمية، ثورة الحرية والسلام والعدالة، تلك الثورة التي قدمت للعالم نموذجاً فريداً في السلمية ورقي ثوارها، ثوار واجهوا الموت باصرارهم على الحياة، وواجهوا الرصاص والقمع بالشجاعة والإيمان بعدالة قضيتهم، وواجهوا البنادق بالحناجر والهتاف، وبالعزم على اكمال الطريق مهما بلغت التضحيات”.
“كانت ثورة ادهشت شعوب العالم، التي نظرت إليها بإعجاب وانبهار مندهشة من حكمة ابنائها ونبل شعاراتها، لكنكم عملتم على اجهاضها، وتٱمرتم عليها، وحاربتموها بكل الوسائل، واشتريتم الذمم، وتحالفت مصالحكم من أجل وأدها … قضيتم على ثورة وعي، وعلى جيل من الثوار امتلك رؤية للمستقبل وحاول اصلاح الحاضر … اذا فانتظروا ثورة العائدين أو إن شئت سمها ثورة اللاجئين”.
ويضيف عادل “العائدون من عواصم ومدن العالم اتحتم لهم فرصة نادرة ليروا المستقبل والممكن بأعينهم بل أن يعيشوه واقعاً يومياً … سمحتم لهم أن يروا ويقارنوا، كيف تكون كرامة الإنسان مصانة في بلده، وحقوقه محفوظة … رأوا كيف يكون القانون فوق الجميع، وأن من يتولى الشأن العام ليس سيداً على الناس بل موظفاً في خدمتهم … رأوا أن الرعاية الصحية يمكن أن تكون كريمة وانسانية وأن عدداً غير قليل ممن يقدمون هذه الرعاية في كثير من المدن هم أطباء سودانيون … رأوا المدارس ونظامها ونظافتها وبيئتها، رأوا الطرقات الواسعة والخدمات والحوكمة والتطور وضبط الجودة … وعرفوا أنهم ليسوا مجبرين على العيش وسط التراب والغبار وافتقار القيمة”.
ويقول “شكراً لكم أن اتحتم لهؤلاء الشباب رؤية العالم كما هو لما لا كما تريدوهم أن يروه” … وانا اقول لكم “أن المطالبة بوطن ليست خيانة” … وحتماً سنعود إليه مهما طال الطريق لنعيد بناءه من جديد.
- المصدر: جريدة الراية القطرية






