مقالات وآراء

سلام الكواكبي يحذر من ثقافة التعذيب والإعدام في سوريا: العدالة لا تمر عبر المشانق

حذر الكاتب والباحث السوري سلام الكواكبي من استمرار ثقافة التعذيب والعنف داخل المؤسسات الأمنية في سوريا، معتبراً أن بناء العدالة في البلاد لا يمكن أن يتحقق عبر المشانق أو غرف التعذيب، وإنما من خلال مؤسسات تحترم حقوق الإنسان وتصون كرامته، حتى عندما يكون متهماً أو مداناً.

وجاء موقف الكواكبي في سياق حديثه عن قرار لبنان إلغاء عقوبة الإعدام، وما أثاره لديه من تساؤلات حول ضرورة التخلص من هذه العقوبة في المجتمعات الساعية إلى تحقيق العدالة وفق شروط إنسانية، بعيداً عن منطق الانتقام، بالتزامن مع ما قال إنها أخبار متواترة عن اعتقالات تعسفية وحالات وفاة تحت التعذيب في سوريا.

واستعاد الكواكبي واقعتين من تجربته الشخصية، رأى أنهما تكشفان طبيعة العلاقة بين السلطة والعقاب، ومدى تغلغل ثقافة العنف داخل الأجهزة الأمنية، حتى لدى بعض من انشقوا عن النظام السوري.

واقعة المعهد الفرنسي في حلب

وروى الكواكبي أنه عندما كان يدير المعهد الفرنسي للأبحاث في مدينة حلب، تعرض مقر المعهد لاعتداء نفذه عدد من الصبية والمراهقين، بعدما رشقوا نوافذه بالحجارة وحطموا بعض الزجاج.

وأوضح أن الواقعة جاءت احتجاجاً على دخول زوج من الأجانب إلى المعهد وهما يسيران متشابكي الأذرع، وهو مشهد أثار استياء بعض الفتية الذين نشؤوا في بيئة اجتماعية محافظة، واعتبره بعضهم مخالفاً للأعراف والتقاليد.

وأضاف أنه لجأ إلى مخفر الشرطة المجاور لتقديم شكوى رسمية، باعتبار أن ما حدث يمثل اعتداءً على مقر المعهد، وكان يتوقع إجراء تحقيق قانوني ومحاسبة المسؤولين عن الواقعة وفق الإجراءات المعتادة.

لكن الأمور، وفق روايته، سرعان ما تحولت إلى حملة أمنية واسعة، إذ طوقت قوات حفظ النظام الحي، وبدأت في جمع الشبان والصبية والمراهقين، إلى جانب أطفال ورجال، قبل إخضاع عدد منهم للضرب والإهانة والاستجواب الجماعي بحثاً عن منفذي الاعتداء.

وقال الكواكبي إنه توجه إلى رئيس المخفر مطالباً بوقف الإجراءات وعدم معاقبة حي كامل بسبب تحطيم نافذة، إلا أن المسؤول الأمني أبلغه بأن القضية لم تعد مرتبطة بالشكوى، وإنما أصبحت “شأناً وطنياً أمنياً”.

وأشار إلى أن عشرات الأشخاص اقتيدوا إلى المخفر، فيما لجأ إليه الأهالي مطالبين بالتدخل للإفراج عن أبنائهم، ما دفعه إلى مطالبة الشرطة بإطلاق سراح المحتجزين، مؤكداً إسقاط حقه الشخصي وحق المعهد في الملاحقة.

وبحسب روايته، رفض المسؤول الأمني الاستجابة قبل الحصول على اعترافات، فيما استمر ضرب بعض الصبية، إلى أن اعترف عدد منهم بأنهم شاركوا في رشق نوافذ المعهد بالحجارة.

وقال الكواكبي إنه لا يستطيع الجزم حتى اليوم بصحة تلك الاعترافات، أو ما إذا كانت قد صدرت فقط بهدف إنهاء التعذيب الذي تعرض له المحتجزون.

استمرار الضرب بعد الاعترافات

وأوضح أن الضرب لم يتوقف حتى بعد تحديد من قيل إنهم منفذو الاعتداء، مشيراً إلى أنه عندما استفسر عن سبب استمرار تعنيف بقية المحتجزين، أبلغه أحد الضباط بأن دخول المخفر يستوجب، وفق ثقافة الجهاز آنذاك، تلقي صفعة أو صفعتين على الأقل.

ورأى الكواكبي أن تلك الواقعة تكشف فلسفة أوسع لممارسة السلطة في الأنظمة الأمنية، حيث لا يصبح العنف مجرد وسيلة للوصول إلى الحقيقة، وإنما يتحول إلى غاية وأداة لإخضاع الأفراد وإشعارهم بقوة الجهاز الأمني.

واعتبر أن الفرق الأساسي بين دولة المؤسسات والدولة الأمنية يتمثل في أن الشرطة، في الأولى، تكون في خدمة المجتمع وتعمل على حماية الحقوق وتطبيق القانون، بينما يتحول القانون في الأنظمة الأمنية إلى أداة بيد السلطة، وتُستغل الحوادث الفردية لإعادة إنتاج الخوف وإظهار القوة.

ولفت إلى المفارقة التي وجد نفسه أمامها، إذ تحول من صاحب شكوى ضد المعتدين على المعهد إلى شخص يحاول حماية المشتبه بهم من ممارسات الجهاز الذي لجأ إليه أصلاً طلباً للعدالة.

واعتبر أن هذه الحالة تعكس خطورة وصول المجتمع إلى مرحلة يصبح فيها الخوف من الشرطة أكبر من الخوف من الجريمة نفسها.

ضباط منشقون والتعذيب وسيلة للاعتراف

واستعاد الكواكبي واقعة ثانية جرت بعد سنوات، عندما شارك في تركيا في تدريب مجموعة من ضباط الشرطة السوريين المنشقين على القوانين والمعايير المنظمة لعمل قوى الأمن الداخلي في الدول الحديثة.

وأوضح أنه تناول خلال إحدى الجلسات قضية التعذيب في المخافر ومراكز الاحتجاز، وضرورة منعه وتجريمه ومحاسبة مرتكبيه، إلا أن الطرح أثار اعتراضاً واسعاً بين المشاركين.

وقال إن السؤال الذي تكرر خلال النقاش تمحور حول كيفية الحصول على الاعترافات من المتهمين من دون استخدام التعذيب.

ورأى أن ردود الفعل كشفت مدى عمق الثقافة الأمنية التي رسختها عقود من الاستبداد، موضحاً أن بعض الذين انشقوا عن النظام ظلوا يحملون داخلهم بعض أدواته ومفاهيمه، ومنها النظر إلى التعذيب باعتباره وسيلة طبيعية للحصول على الاعتراف، بدلاً من اعتباره ممارسة يجب تجريمها واجتثاثها.

تحذير من تكرار الانتهاكات في سوريا

وربط الكواكبي بين هاتين الواقعتين وما قال إنه يجري حالياً في سوريا من انتهاكات واعتقالات وحالات وفاة تحت التعذيب، متسائلاً عن مدى استعداد المجتمع والدولة لخوض نقاش أوسع بشأن إلغاء عقوبة الإعدام، في وقت لا تزال فيه مسألة منع التعذيب نفسها تواجه مقاومة ثقافية ومؤسساتية.

واعتبر أن التعذيب وعقوبة الإعدام ينتميان، من وجهة نظره، إلى منظومة فكرية واحدة، رغم اختلاف الدرجة والوسيلة، لأنها تقوم على منح الدولة سلطة واسعة على الجسد البشري، والاعتقاد بأن استخدام العنف يمثل طريقاً لتحقيق العدالة.

وأضاف أن هذه الممارسات تجد بيئة خصبة عندما يوضع الأمن فوق القانون، والانتقام فوق العدالة، والقوة فوق الكرامة الإنسانية.

وشدد الكواكبي على أن تحقيق العدالة في سوريا يتطلب بناء مؤسسات تحترم الإنسان وحقوقه، بصرف النظر عن كونه متهماً أو مداناً، معتبراً أن معيار العدالة ليس القدرة على إنزال أقسى العقوبات، وإنما حماية الحقوق ومنع التعسف وصون الكرامة الإنسانية.

وأكد أن تجاوز إرث الاستبداد يتطلب التخلص من ثقافة الاعتراف المنتزع بالقوة، ومن النظر إلى العقوبة باعتبارها شكلاً من أشكال الانتقام، محذراً من أن استمرار هذه الثقافة سيؤدي إلى إعادة إنتاج الممارسات نفسها، حتى مع تغير الأسماء والرايات والسلطات.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى