تغطيات الشرقملفات وتقارير

حين تبهر مصر العالم: كيف خطفت قناة الشرق أنظار الإعلام التركي بأم كلثوم وحضارة الفراعنة؟

تصدَّقت الجهود الإعلامية الكبيرة التي بذلتها قناة الشرق الفضائية ومشاهير منصاتها وكتيبتها الإخبارية المشتركة واجهاتها المهنية المتميزة في خطف أنظار الجمهور ووسائل الإعلام التركية بصورة مذهلة ليس عبر خبر سياسي عاجل، بل عبر مفتاح أكثر عمقًا وثباتًا: الثقافة والحضارة المصرية القديمة، وفي القلب منها صوت السيدة أم كلثوم، “كوكب الشرق”، الذي ما زال بعد نصف قرن من رحيلها يشكّل جسرًا حيًا بين القاهرة وإسطنبول.

وهذا بالضبط ما عكسته تغطية أحدث لفريق قناة “الشرق” الفضائية المصرية في تركيا، حيث تحوّلت اللقطات المصوّرة إلى مادة تفاعلية لافتة على منصات التواصل الاجتماعي وإبراز ملامح الثقافة والحضارة القديمة وعبق تراث أم كلثوم الفني الخالد.

نجحت هذه التغطية النوعية في جذب اهتمام الدوائر التركية الرسمية والثقافية والشعبية التي تفاعلت بحفاوة بالغة مع المحتوى الراقي الذي يعكس عمق الروابط التاريخية والحضارية المشتركة بين الجانبين، مؤكدةً قدرة الإعلام الهادف على كسر القوالب النمطية وبناء جسور التواصل الإنساني والثقافي العابر للحدود والقارات بكل اقتدار واحترافية فائقة.

قناة الشرق الفضائية المصرية تخطف أنظار الإعلام التركي بحضارة وتراث المحروسة

استطاعت المنظومة الإعلامية لقناة الشرق الفضائية تفكيك كافة الصور النمطية السائدة وتقديم لوحة بصرية وفكرية متكاملة الأركان جذبت أنظار المحلل الصحفي التركي والمنصات الرقمية الكبرى في إسطنبول وأنقرة. تركزت التغطية الإعلامية على استعراض الجذور العميقة للحضارات القديمة والتأثيرات المتبادلة في مجالات الفنون والآداب، مع تخصيص مساحات واسعة للاحتفاء بسيرة كوكب الشرق أم كلثوم التي لا تزال تأسر القلوب والعقوب في مختلف أنحاء العالم، مما جعل الصالونات الثقافية والصحف التركية تتابع باهتمام بالغ هذا الحضور الطاغي والمؤثر للثقافة والفن الأصيل عبر شاشة الفضائية.

تكللت الجهود المستمرة لكوادر قناة الشرق الفضائية بتحقيق صدى واسع النطاق أحدث دويّاً إيجابياً داخل الأوساط الصحفية والإعلامية التركية التي أشادت بدورها بهذا الطرح الراقي. أثبتت التغطية أن الفن الراقي والتراث الإنساني المشترك يمثلان اللغة الأقوى لتوطيد أواصر التقارب بين الشعوب، متجاوزة التحديات السياسية التقليدية إلى فضاءات أرحب من التبادل الثقافي والحضاري الذي ترك انطباعات بالغة العمق لدى المشاهد التركي والنخب الثقافية هناك، لتكتب الفضائية فصلاً جديداً من النجاح المهني المستحق على الساحة الإقليمية والدولية.

ظاهرة لا تفسّرها الصدفة

لم يكن التفاعل التركي مع الفريق المصري وليد لحظته، بل هو امتداد لعلاقة تاريخية عميقة بين الجمهور التركي وصوت أم كلثوم تحديدًا. فبحسب الكاتب التركي مراد أوزيلدريم، الذي أصدر عام 2025 كتابًا بالعربية والتركية تكريمًا للمطربة المصرية، فإن تركيا تمثل أكبر قاعدة جماهيرية لأم كلثوم في الشرق الأوسط بعد الدول العربية نفسها، معتبرًا أن سحرها الفني تجاوز حدود اللغة ليصبح ظاهرة ثقافية توحّد الأذواق حول الطرب الأصيل، وأن صوتها قادر على لمس المشاعر حتى دون فهم الكلمات.

جذور الظاهرة: من حظر أتاتورك إلى موجة الراديو المصري

تعود شرارة الافتتان التركي بصوت أم كلثوم، بحسب الكاتب نفسه، إلى أواخر ثلاثينيات القرن الماضي، في فترة تميزت بالإصلاحات السياسية والانفتاح الثقافي بين البلدين، حين لم تكن الإذاعة المصرية تبث الموسيقى العربية فقط بل التركية أيضًا، ما جعلها تجتذب جمهورًا تركيًا واسعًا، تزامنًا مع ازدهار السينما المصرية وعرض أفلام بطولة أم كلثوم في الصالات التركية في زمن لم يكن فيه تلفاز بعد.

وثمة سبب أعمق يقف خلف هذا التعلق، بحسب تقارير تركية متخصصة، يتصل بقرار سياسي حاسم: ففي الثاني من نوفمبر عام 1934، أصدر وزير الداخلية التركي آنذاك تعميمًا يمنع بث الموسيقى الشرقية التقليدية كليًا من الإذاعة الرسمية، واستبدالها بموسيقى غربية، في إطار سياسة التغريب التي انتهجتها الجمهورية الفتية. ونتيجة لذلك، ضبط كثير من الأتراك أجهزة الراديو على الإذاعة المصرية بحثًا عن الموسيقى الشرقية التي ألفوها لعقود، فوجدوا في صوت أم كلثوم بديلًا يشبع هذا الحنين، حتى غدت “أقرب إلى ذائقة الجمهور التركي” الذي بات يتابعها عبر أثير القاهرة.

ويلخّص أوزيلدريم هذه العلاقة التاريخية بالقول إن مصر، بوصفها جزءًا سابقًا من الدولة العثمانية، كانت مساحة تأثير ثقافي متبادل بين الشعبين، بما يفسر هذا التماهي الوجداني مع الفن المصري الذي استمر حتى اليوم.

عام أم كلثوم واستمرار الحضور الثقافي

هذا الحضور لم يخفت مع الزمن، بل تجدد بقوة عام 2025 حين أعلنت مصر ذلك العام “عام أم كلثوم” احتفاءً بمرور خمسين عامًا على رحيلها، وهو ما ترافق مع إصدارات وفعاليات ثقافية عكست، من جديد، أن إرث “كوكب الشرق” ما زال حيًا في الذاكرة الجمعية على ضفتي البحر المتوسط الشرقي، بما فيها تركيا.

قراءة في المشهد: الثقافة بوصفها دبلوماسية ناعمة

ما تكشفه هذه اللقطات المتكررة لفرق إعلامية مصرية في الشارع التركي، وعلي رأسها فريق قناة “الشرق”، هو أن الفن والتراث الثقافي المشترك يظلان أداة تقارب أكثر رسوخًا من كثير من الملفات السياسية المتقلبة بين البلدين. فحين تُرفع الكاميرا وسط الجمهور التركي وتُذكر أم كلثوم أو تُعزف مقطوعة من ألحانها، تتوارى الحسابات الدبلوماسية لصالح لحظة عاطفية جامعة، يجد فيها الطرفان – المصري والتركي – نقطة التقاء تتجاوز الحدود واللغة، وتؤكد أن “صوت مصر” ما زال، بعد عقود طويلة، أحد أنجح سفراء الثقافة العربية في العالم.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى