سلام الكواكبي يكتب: من صفعة المخفر إلى حبل المشنقة

ترحيباً بقرار لبنان إلغاء عقوبة الإعدام، كنت أهمّ بالكتابة عن ضرورة التخلّص من هذه العقوبة في مجتمع يرتقي فيه البشر إلى تحقيق العدالة ضمن شروط إنسانية، لا وفق منطق الانتقام ولا الغرائز البدائية. لكن أخبار الاعتقالات التعسفية والموت تحت التعذيب التي تتواتر اليوم من سوريتنا، أعادت إلى ذهني واقعتين يصعب نسيانهما، لأنهما تكشفان جانباً عميقاً من العلاقة الملتبسة بين السلطة والعقاب، وبين العدالة والعنف.
في مسقط رأسي حلب، تعرض المعهد الفرنسي للأبحاث الذي كنت أديره، قبل سنوات، لاعتداء بدا في ظاهره محدوداً، لكنه كشف لي الكثير عن طبيعة الدولة الأمنية. فقد أقدم عدد من الصبية والمراهقين على رشق نوافذ المعهد بالحجارة وتحطيم بعض زجاجها احتجاجاً على مشهد أثار استياءهم: دخول زوج من الأجانب إلى المعهد وهما يسيران متشابكي الأذرع. بالنسبة إلى هؤلاء الفتية الذين نشؤوا في بيئة اجتماعية محافظة، بدا ذلك خروجاً على الأعراف والتقاليد، بل اعتبره بعضهم عيباً وحراماً يستوجب الرد.
لم يكن الاعتداء مقبولاً بأي حال، ولذلك رأيت أن من الطبيعي أن ألجأ إلى مخفر الشرطة المجاور لتقديم شكوى رسمية. كان الأمر بالنسبة إليّ إجراءً عادياً تمارسه المؤسسات والأفراد في أي دولة يفترض أن القانون فيها يحمي الممتلكات العامة والخاصة. لم أكن أطلب أكثر من التحقيق في الواقعة ومحاسبة المسؤولين عنها وفق الأصول.
فور تسجيل الشكوى، تحركت جحافل مما كان يسمى آنذاك بقوات حفظ النظام. طُوِّق الحي بالكامل، وبدأت حملة واسعة لجمع الشبان والصبية والمراهقين، بل وحتى بعض الأطفال والرجال. وخلال ساعات قليلة تحولت القضية من حادثة تخريب محدودة إلى عملية أمنية واسعة النطاق. جُمِع الناس في ساحة الحي، وتعرضوا للإهانات والضرب والاستجواب الجماعي بحثاً عن الفاعلين.
عندها أدركت أن الأمور خرجت عن نطاقها الطبيعي، فتوجهت إلى رئيس المخفر طالباً منه وقف هذه الإجراءات وعدم معاقبة حي كامل بسبب نافذة محطمة. فأجابني ببرود: “هذا لم يعد من شأنك، هذا شأن وطني أمني”. في تلك اللحظة فهمت أن القضية انتقلت من دائرة الحق الفردي والقانون المدني إلى دائرة الأمن الوطني، وهي دائرة يفقد فيها صاحب الشكوى أي سلطة على ما يجري باسمه. اقتيد العشرات إلى المخفر، وبدأت معاناة جديدة. جاء الأهالي إليّ متوسلين أن أتدخل للإفراج عن أبنائهم، بينما كنت أشعر بأنني وقعت، من حيث لا أدري، في فخ مرعب. فطلبت من عميد الشرطة أن يطلق سراح المعتقلين، مؤكداً أنني أسقط حقي الشخصي وحق المعهد في الملاحقة. ابتسم الرجل وهو يتابع ضرب أحد الصبية أمامي، ثم قال: “سأحصل على اعتراف قبل أن أفعل”.
وبعد ساعات من الضرب والإهانة، اعترف بعض الصبية بأنهم من قاموا برشق النوافذ. وحتى اليوم لا أعرف إن كانت اعترافاتهم صحيحة أم أنها جاءت فقط لإنهاء التعذيب الواقع عليهم وعلى غيرهم. شعرت بشيء من الارتياح، وظننت أن الأمر انتهى وأن بقية المحتجزين سيُفرج عنهم. لكن ما حدث كان أكثر فظاعة. فقد استمر الضرب والتعذيب بعد ظهور “الجناة”. وعندما سألت عن السبب، أجاب الضابط: “يجب على الجميع أن يعرف أن دخول المخفر له ضريبة، وأقل ما يمكن دفعه هو تلقي صفعة أو صفعتين لإفراغ الهواء من الرأس”. كانت تلك العبارة تلخيصاً مكثفاً لفلسفة كاملة في ممارسة السلطة. فالعنف هنا ليس وسيلة للوصول إلى الحقيقة، بل غاية قائمة بذاتها. والصفعة ليست عقوبة على جريمة، بل رسم عبور إلى عالم السلطة الأمنية، حيث تصبح الكرامة الإنسانية شيئاً يمكن مصادرته وإهداره متى شاء صاحب النفوذ.
هذه الحادثة ساعدتني على فهم إحدى السمات الجوهرية للأنظمة الاستبدادية. ففي الدول التي تحكمها المؤسسات والقوانين، تكون الشرطة في خدمة المجتمع، وتبقى وظيفتها محصورة في حماية الحقوق وتطبيق القانون. أما في الأنظمة الأمنية، فإن القانون يتحول إلى أداة بيد السلطة، وتصبح الحوادث الفردية مجرد ذرائع لإعادة إنتاج الخوف وإظهار القوة.
واللافت أنني، بوصفي صاحب الشكوى، انتهيت إلى الدفاع عن الأشخاص المتهمين بالاعتداء على المعهد. لقد انقلبت الأدوار بالكامل. لم يعد المشتكي يبحث عن العدالة، بل أصبح يسعى إلى حماية المشتبه بهم من بطش الجهاز الذي يفترض أنه وجد لتحقيق العدالة. وهنا تتجلى المفارقة الكبرى: يصبح الخوف من الشرطة أكبر من الخوف من الجريمة نفسها.
أما الواقعة الثانية، فقد جرت بعد سنوات، أثناء مشاركتي في تدريب مجموعة من ضباط الشرطة السوريين المنشقين في تركيا على القوانين والمعايير الناظمة لعمل قوى الأمن الداخلي في الدول الحديثة. وخلال إحدى الجلسات تطرقت إلى مسألة التعذيب في المخافر ومراكز الاحتجاز، وإلى ضرورة منعه وتجريمه ومحاسبة مرتكبيه. لم أتوقع أن يثير الموضوع ذلك القدر من الاعتراض. تحولت القاعة إلى ما يشبه التمرد المصغر، وكان السؤال الذي تكرر بأشكال مختلفة واحداً: كيف يمكن الحصول على الاعترافات من دون تعذيب؟
لم يكن النقاش قانونياً أو أخلاقياً بقدر ما كان كاشفاً عن عمق الثقافة الأمنية التي زرعتها عقود الاستبداد في النفوس. فحتى أولئك الذين خرجوا على النظام وتمردوا عليه كانوا يحملون في داخلهم شيئاً من أدواته ومفاهيمه. كان التعذيب بالنسبة إلى كثيرين وسيلة عمل بديهية، لا ممارسة شاذة ينبغي اجتثاثها.
أتذكر الواقعتين اليوم وأنا أتابع ما يجري في سوريا من انتهاكات واعتقالات وموت تحت التعذيب. وأقول في نفسي: إذا كان مجرد الحديث عن منع التعذيب قد أثار كل ذلك الغضب والرفض، فكيف سيكون الحال عندما نفتح نقاشاً جدياً حول إلغاء عقوبة الإعدام؟
إن عقوبة الإعدام والتعذيب ينتميان إلى المنظومة الفكرية ذاتها، حتى وإن اختلفت الدرجة والوسيلة. كلاهما يقوم على فكرة أن الدولة تملك حق السيطرة المطلقة على الجسد البشري، وأن العنف هو الطريق الأقصر إلى العدالة. وكلاهما يزدهر في البيئات التي تضع الأمن فوق القانون، والانتقام فوق العدالة، والقوة فوق الكرامة الإنسانية.
إن الطريق إلى العدالة لا يمر عبر المشانق ولا عبر غرف التعذيب، بل عبر بناء مؤسسات تحترم الإنسان، حتى عندما يكون متهماً أو مذنباً. فالعدالة الحقيقية لا تُقاس بقدرتها على إنزال أقصى العقوبات، بل بقدرتها على حماية الحقوق ومنع التعسف وصون الكرامة الإنسانية للجميع. وما لم ننجح في تجاوز ثقافة الاعتراف المنتزع بالقوة والعقوبة بوصفها شكلاً من أشكال الانتقام، فإننا سنبقى ندور في الحلقة نفسها، مهما تبدلت الأسماء والرايات والسلطات.







