مقالات وآراء

د.تامر المغازي يكتب: الاختفاء القسري في مصر

الاختفاء القسري في مصر.. بين المنهجية الرسمية والاستحقاقات الدولية
لم يعد مصطلح “الاختفاء القسري” مجرد تعبير حقوقي عابر في التقارير الدولية، بل تحول إلى عنوان دائم في الملف المصري، يتجدد حضوره في كل مراجعة دورية أمام آليات الأمم المتحدة، وفي كل شهادة تدلي بها أسرة تبحث عن ابنٍ غاب عن العالم فجأة.

وبين رواية الدولة التي تنفي الظاهرة كممارسة منهجية، وصوت المنظمات الحقوقية الذي يوثق الحالات بالأسماء والتواريخ، تظل الحقيقة معلقة في منطقة رمادية قاتمة.

ظاهرة أم ممارسة؟

منذ عام 2013، ومع التحولات السياسية الكبرى التي شهدتها البلاد، بدأت تقارير منظمات حقوقية مصرية ودولية برصد حالات متزايدة لاعتقالات دون إذن قضائي، يليها إنكار رسمي لوجود المعتقل في السجون أو مراكز الاحتجاز، ثم صمت طويل قد يمتد لأسابيع أو شهور.

هذا النمط المتكرر هو ما تُعرّفه الأمم المتحدة في اتفاقية حماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري بأنه “اعتقال أو احتجاز أو خطف من قبل الدولة أو بموافقتها، يليه رفض الاعتراف بالحرمان من الحرية أو إخفاء مصير الشخص”.

وبينما تصف الدولة هذه الادعاءات بأنها “مبالغ فيها” أو جزء من “حرب شائعات”، تشير أرقام منظمات مثل “المفوضية المصرية للحقوق والحريات” و”الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان” إلى مئات الحالات الموثقة، كثير منها لنشطاء سياسيين ومدونين وطلاب، اختفوا بعد مداهمات أمنية أو من الشارع مباشرة، ليكتشف ذووهم لاحقاً أن أسماءهم ظهرت في قضايا سياسية بعد فوات الأوان.

المنهجية الرسمية.. إنكار ثم مأسسة

على المستوى الرسمي، تنفي مصر بشكل قاطع وجود سياسة للاختفاء القسري، وتؤكد أن كل احتجاز يتم وفق القانون، وأن النيابة العامة هي الجهة المخولة قانوناً بحبس أي مواطن.

كما تستند الرواية الرسمية إلى وجود “حرب على الإرهاب” تتطلب إجراءات استثنائية، وهو ما يتقاطع مع خطاب دولي واسع حول التحديات الأمنية.

لكن اللافت أن التحرك الرسمي في مواجهة اتهامات الاختفاء القسري اتخذ طابعاً مزدوجاً إنكار الظاهرة إعلامياً ودبلوماسياً من جهة، ومأسستها تشريعياً من جهة أخرى.

فقوانين مثل قانون مكافحة الإرهاب لعام 2015 وقانون الطوارئ المعدل، وسّعت من صلاحيات الضبط والاحتجاز، وسمحت بمدد حبس احتياطي طويلة، وقيّدت الرقابة القضائية المسبقة في حالات بعينها.

كما أن إنشاء “النيابة العامة” غرفاً لتلقي بلاغات الاختفاء القسري، كخطوة إيجابية، لم يُحسم بشكل قاطع كمؤسسة محايدة قادرة على مساءلة الأجهزة الأمنية فعلياً.

الاستحقاقات الدولية.. سقف مرتفع وضغوط متصاعدة
دولياً، لم تعد قضية الاختفاء القسري في مصر ملفاً هامشياً في المراجعة الدورية الشاملة لمجلس حقوق الإنسان (UPR)، وفي تقارير المقررين الخاصين المعنيين بالتعذيب والاختفاء القسري، تكررت التوصيات بضرورة إنهاء هذه الممارسة، والتصديق على الاتفاقية الدولية لحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري، وضمان وصول المنظمات الدولية إلى أماكن الاحتجاز.

وأمام هذه الضغوط، مارست القاهرة دبلوماسية نشطة لتفنيد الاتهامات، مستندة إلى شرعية الحكومة المنتخبة ورفض ما تصفه بـ”تسييس حقوق الإنسان”.

كما أنشأت “اللجنة العليا الدائمة لحقوق الإنسان” لتكون واجهة رسمية للرد على التقارير الدولية، وقدمت تقارير مضادة تؤكد التزام مصر بالتزاماتها الدستورية والدولية.

لكن استمرار رفض التصديق على الاتفاقية الدولية للاختفاء القسري، وعدم نشر إحصاءات رسمية دقيقة حول حالات الاحتجاز، ورفض بعض الزيارات الميدانية للمقررين الأمميين، كلها عوامل تُضعف الموقف المصري التفاوضي، وتمنح خصومها في الخارج مادة خصبة للضغط.

فالمجتمع الدولي لم يعد يكتفي بالنفي، بل يطالب بآليات تحقق ملموسة، وبإجابات واضحة لأسر المختفين.

التكلفة الداخلية.. شروخ في جدار الثقة

بعيداً عن الإدانة الدولية، تفرض قضية الاختفاء القسري تكلفة باهظة على الداخل المصري.

فكل حالة اختفاء توثقها أسرة أو منظمة حقوقية تسهم في تآكل الثقة بين المواطن والدولة، وتعمق الإحساس بفجوة بين الخطاب الرسمي والواقع المعاش.

كما أنها تدفع بعض الأسر إلى الهجرة أو اللجوء السياسي بعدما فقدت الأمل في آليات العدالة المحلية.

وعلى النقيض، يرى مؤيدون للسياسات الأمنية أن “الاستثناءات” ضرورية في مرحلة مكافحة الإرهاب، وأن بعض الحالات المثارة “مغرضة” وتخدم أجندات خارجية.

هذا الانقسام الحاد في المجتمع المصري يعكس أزمة سردية أوسع هل تستطيع الدولة أن تضبط إيقاعها الأمني دون أن تفرط في جوهر عقدها الاجتماعي؟

نحو مخرج.. الواقعية قبل المثالية

لا يمكن مقاربة ملف الاختفاء القسري في مصر بمنطق “الإدانة الكاملة” أو “الإنكار التام”.

فالحقيقة كما تشير المعطيات، تقع في مساحة بينهما هناك حالات اختفاء حقيقية وموثقة، وهناك أيضاً مبالغات إعلامية وسياسية.

والحل لا يكمن في صياغة بيانات شجب دولية، ولا في خطابات حماسية رسمية، بل في إجراءات عملية قابلة للتحقق ومنها التصديق على الاتفاقية الدولية لحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري، كإشارة حسن نية لا تعني بالضرورة إدانة ذاتية، بل التزاماً بمعايير دنيا للشفافية.

وتفعيل دور النيابة العامة في تلقي البلاغات والتحقيق فيها بشكل حقيقي، مع نشر نتائج هذه التحقيقات دورياً، ومساءلة المسؤولين عن أي تجاوز.

وإنشاء سجل وطني موحد للمحتجزين، يمكن للأسر والمحامين الاستعلام فيه، وهو إجراء تقني قد يقطع الطريق على “الاختفاء” في حد ذاته.

و فتح قنوات حوار مع المنظمات الحقوقية المحلية بدلاً من تصنيفها كأعداء، فالعديد منها يمتلك معلومات ميدانية يمكن أن تساعد الدولة على ضبط أداء أجهزتها.

ويجب مراجعة قوانين مكافحة الإرهاب والطوارئ لتقليص مساحات الاحتجاز غير المراقب قضائياً، بما لا يتعارض مع المتطلبات الأمنية الحقيقية.

خاتمة.. سؤال الشرعية

تبقى قضية الاختفاء القسري اختباراً حقيقياً لطبيعة الدولة المصرية في مرحلة ما بعد 2013 فالدولة التي تسعى لتثبيت أركانها وتنميتها، وتواجه تهديدات وجودية حقيقية، لا يمكنها أن تختزل شرعيتها في “الأمن” فقط.

الشرعية المعاصرة تقوم على ثلاثية: الأمن، والتنمية، والعدالة وإذا اختلّت إحداها، اهتزت المنظومة كلها.

الاختفاء القسري، حيثما وقع، ليس مجرد “خطأ إجرائي” يمكن تجاوزه بالصمت، بل هو جرح في ذاكرة الأسر، وشرخ في عقد المواطنة، وإشارة إلى أن الدولة لم تحسم بعد علاقتها بمواطنيها في اللحظات الحرجة.

فإما أن تتحول هذه القضية إلى فرصة لبناء مؤسسات أكثر شفافية، أو تتحول إلى عبء دائم يُثقل كاهل الدولة في الداخل والخارج.

الوقت ليس في صالح الإنكار.. بل في صالح المواجهة الشجاعة.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى