مقالات وآراء

د.أيمن نور يكتب: على هامش احتفال المولد النبوي..الديون في جيب بيجامة الرئيس!


شاهدت لقاء الرئيس عبد الفتاح السيسي في احتفال المولد النبوي الشريف أكثر من مرة. شاهدته محاولا أن أبني موقفا موضوعيا، لا موقفا مسبقا، وأن أقرأ ما بين السطور في كلمة الرئيس، خصوصا في الأجزاء المرتجلة منها، ولا شك أن كلماته للفنانه هبه مجدي،كان لها أثر إنساني كبير في نفسي.. ▪️وكذلك استوقفني في الكلمة المكتوبة التي ألقاها وزير الأوقاف، والتي يمكن الأ نتباه لاكثر من معنى فيها، وفي مقدمتها الدعوة إلى الرحمة حتى مع من نكره. وهي عبارة أراها جديرة بأن تخرج من قاعة الاحتفال إلى فضاء السياسة والمجتمع والسجون والمنافي.
ولا شك أن في حديث الرئيس مؤشرات إيجابية اخري لا ينبغي لمعارض منصف أن يتجاهلها.
منها حديثه عن كشف الحساب، وعن ضرورة أن يناقش المتخصصون والمفكرون ما جرى خلال السنوات الماضية، وإقراره بأن هناك ما تحقق، وهناك ما لم نوفق فيه، وأن من حق الناس أن تعرف وتناقش وتسأل.
واستوقفني أيضا، بإيجابية، استخدام الرئيس تعبير «القنوات المناوئة» في حديثه عن القنوات المعارضة. ربما تبدو المسألة لغوية صغيرة، لكنها في الخطاب السياسي ليست كذلك. فهناك فارق كبير بين أن تصف إعلاما معارضا بأنه «مناوئ»، وبين لغة اعتدنا سماعها طوال سنوات، تضع المختلف والمعارض في خانات التآمر والعداء والخيانة. المناوئ يختلف معك ويعارضك، لكنه يظل طرفا في المجال العام. أما المتآمر أو العدو، فالعلاقة معه ليست اختلافا سياسيا، بل مواجهة وإقصاء.
وأتمنى ألا تكون الكلمة اختيارا عابرا، بل بداية لتحول أوسع في النظر إلى المعارضة نفسها. فالاختلاف ليس مؤامرة. والنقد ليس عداء. والمعارضة السلمية ليست خطرا على الدولة، بل إحدى ضمانات تصحيح أخطائها قبل أن تتحول الأخطاء إلى أزمات يصعب إصلاحها.
لكن وسط هذه الإشارات الإيجابية، استوقفتني عبارة أدهشتني. قال الرئيس:
إنه طلب منذ أشهر من الحكومة موافاته بحجم مديونية الدولة المصرية داخليا وخارجيا، ثم طلب مقارنتها بحجم الدعم الذي قدمته الدولة للمواطنين خلال خمسين عاما !
مصدر الدهشة الأول:
أن الدين ليس رقما ظهر فجأة في دفتر الحكومة. إنه واحد من أكبر ملفات مصر الاقتصادية منذ سنوات طويلة. والأرقام هنا أكثر بلاغه.
فالدين الخارجي لمصر كان في حدود خمسين مليار دولار عام ألفين وخمسة عشر، ثم تجاوز مائة وواحدا وستين مليار دولار في نهاية يونيو ألفين وخمسة وعشرين.
أي أنه أصبح أكثر من ثلاثة أمثال مستواه قبل عشر سنوات، بزيادة تتجاوز مائة وعشرة مليارات دولار.
والأخطر من الرقم المجرد هو عبء خدمته. ففي موازنة العام المالي ألفين وخمسة وعشرين وألفين وستة وعشرين، تقترب فوائد الدين وحدها من تريليونين وثلاثمائة مليار جنيه، بينما تبلغ مخصصات الدعم والمنح والمزايا الاجتماعية نحو سبعمائة وثلاثة وأربعين مليار جنيه. أي أن فوائد الديون وحدها تقترب من ثلاثة أمثال هذا الباب الاجتماعي كله.
وهنا يصبح السؤال مشروعا:
إذا كان الدين قد تضاعف بهذا الحجم خلال عشر سنوات، فهل يعقل أن يكون طلب الإحاطة الشاملة به قد جاء منذ بضعة أشهر فقط؟!
▪️قد يكون المقصود، إنصافا، تحديث البيانات أو إعداد دراسة محددة، وهذا تفسير وارد. لكن صياغة العبارة كما جاءت في الخطاب، توحي للبعض بتأخر الاهتمام بملف ينبغي أن يكون هما يوميا لمن بيده القرار الاقتصادي، لأن من يقترض اليوم لا ينفق مالا بلا صاحب، بل يوقع التزاما يسدده مواطن الغد.
وربما كان ضاعف من دهشتي أنني كنت من ٢٦ عاما شاهدا على واقعة قديمة أعطتني انطباعا مختلفا عن حضور ملف الدين في ذهن رئيس الدولة.

ففي عام ألفين سافرت علي طائره الرئيس الراحل محمد حسني مبارك إلى منطقة توشكى. واختصني، من بين عدد كبير من الحضور، بأن أكون ضمن عدد محدود استقل معه طائرة هليكوبتر هبطت في توشكى مباشرة، بينما سافر باقي الحضور بطائرة مدنية إلى أبو سمبل، ثم انتقلوا منها بالسيارات.
🔸 وفي الرحلة كان مبارك يتحدث، كعادته وقتها، عن خلافه مع صدام حسين، الذي كان يحتل مساحة كبيرة من تفكيره وتعليقاته. وفجأة انتقل إلى الحديث عن إسقاط جانب ضخم من ديون مصر عقب حرب تحرير الكويت.
🔸 وسألني فجأة. تعرف يا نور ماذا فعلت عندما وصلني خطاب إسقاط الديون؟ أشرت برأسي أنني لا أعرف. فقال إنه وضع الخطاب في جيب بدلته، وظل كل فترة يخرجه ويقرأه من جديد. وعندما عاد إلى منزله وخلع بدلته وارتدى البيجامة، نقل الخطاب من جيب البدلة إلى جيب البيجامة، وظل يخرجه ويعيد قراءته. وفي اليوم التالي أعاده مرة أخرى إلى جيب بدلته، وكأن الرجل كان يخشى أن يستيقظ فيكتشف أن الخبر الجميل لم يكن حقيقة.
🔸 فالديون كانت، حرفيا ومجازيا، في جيب بيجامة الرئيس وتحت مخدته.
🔸 ولا أروي القصة بالطبع،حنينا إلى رئيس سابق، ولا لأقيم مقارنة بين رئيسين.
▪️فالشاهد عندي ليس فرحة مبارك بإعفاء مصر من الديون، بل أن ملف الدين كان حاضرا في ذهن رئيس الدولة إلى هذه الدرجة.
فمصر حصلت عقب حرب الخليج على حزمة واسعة من إعفاءات الديون وإعادة هيكلتها، شملت إعفاءات بمليارات الدولارات من الولايات المتحدة ودول الخليج، إلى جانب معالجة ديون تقارب عشرين مليار دولار عبر نادي باريس..

أما مصدر دهشتي الثاني، فهو المقارنة التي طلبها الرئيس بين الدين العام وما أنفقته الدولة على الدعم خلال خمسين عاما.
وهنا أسأل. ما العلاقة الاقتصادية المباشرة بين الرقمين؟ وهل المقصود أن الدعم هو الذي صنع الدين؟
وإذا كان ذلك هو الاستنتاج، فأين بقية أبواب الإنفاق والاقتراض؟ وأين تكلفة المشروعات والاستثمارات العامة؟ وأين فوائد الديون القديمة؟ وأين آثار انخفاض العملة؟ وأين كفاءة استخدام القروض والعائد الذي تحقق منها؟
و هناك سؤال أبسط وأعمق. دعم من لمن؟
الدولة ليست دولة الحكومة. وأموال الدولة ليست أموال السلطة. والمصريون ليسوا رعايا يعيشون على عطايا حكوماتهم.
وما يسمى دعم الدولة هو في جوهره إعادة توزيع لجزء من الموارد العامة على أصحابها. خاصه وان الضرائب أصبحت المصدر الأكبر لإيرادات الموازنة، وتمثل في الموازنة الحالية نحو خمسة وثمانين في المائة من الإيرادات العامة المقدرة.
أي أن المواطن يدفع للدولة قبل أن تدفع الدولة له.


ومن أهم وظائف أي دولة أن توفر لمواطنيها مظلة للأمن الاجتماعي، وأن تمول التعليم والصحة والنقل والخدمات الأساسية، وأن تحمي الفقراء والعاجزين عن مواجهة تكاليف الحياة. هذا ليس تفضلا من الحكومة، بل حق للمواطن وواجب على الدولة.
🔸 الدولة ليست شركة هدفها تعظيم الأرباح. والحكومة ليست مجموعة جباة تضع أيديها في جيوب الناس، ثم عندما تعيد إليهم جزءا مما جمعته منهم تقف أمامهم لتقول. انظروا كم أنفقنا عليكم.
🔸 وإذا كنا سنفتح دفاتر خمسين عاما،
وأنا أرحب بذلك، فلنفتح الدفاتر كلها، لا دفتر الدعم وحده.
▪️لنسأل كم اقترضنا؟. وممن اقترضنا. وبأي فوائد. ▪️وأين أنفقنا. وما العائد الاقتصادي والاجتماعي لكل مشروع اقترضنا من أجله.؟
▪️ وكم خلق من فرص العمل.؟
▪️وكم أضاف إلى الإنتاج والصادرات.؟
▪️وكم وفر من العملات الأجنبية.؟
▪️▪️ والاهم كيف سيسدد ومن اين؟

ولنسأل بشفافية أيضا عن المشروعات الكبرى. عن العاصمة الإدارية. وعن العلمين. وعن الطرق والكباري والمدن الجديدة وغيرها. ليس بمنطق الإدانة المسبقة، ولا بمنطق التبرئة المسبقة، بل بمنطق حق المواطن في أن يعرف أين ذهب كل جنيه اقترض باسمه، وسيساهم هو وأبناؤه في سداده.
لو كان القرار بيدي لرحبت بفكرة كشف الحساب التي طرحها الرئيس، لكنني كنت سأغير السؤال. بدلا من أن نسأل المصريين كم أنفقت الدولة عليهم خلال خمسين عاما، نسأل الدولة كم دفع المصريون لها خلال خمسين عاما. وكم اقترضت باسمهم. وأين أنفقت ما اقترضته. وماذا بقي منه للأجيال القادمة.
وأضيف إلى كشف الحساب الاقتصادي كشف حساب سياسي أيضا. فإذا كان وصف الإعلام المعارض بأنه «مناوئ» بداية لغة جديدة، فلنستكملها باعتبار المعارضة جزءا من الوطن لا عدوا له. ولنفتح المجال للنقد كما نفتح دفاتر الدين. فكلاهما طريق إلى معرفة الحقيقة، وكلاهما أقل تكلفة من اكتشاف الأخطاء بعد أن تتحول إلى ديون سياسية واقتصادية تدفعها أجيال لم تشارك أصلا في صنعها.
فحقوق المواطن ليست عبئا على الحكومة. والدعم ليس دينا في رقبة الفقير. والحكومة ليست دائنا للشعب.
الشعب هو صاحب المال.
وصاحب الدولة. وصاحب الحق في السؤال والحساب.
والسلطة، في النهاية، ليست إلا وكيلا.
والوكيل يقدم الحساب لصاحب المال. ولا يمن عليه بما أنفقه من ماله.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى