مقالات وآراء

د. وائل نجم يكتب: سوريا الجديدة تُقْلِق «إسرائيل»!

قبل أن تصل أرتال «إدارة العمليات العسكرية» إلى دمشق في الثامن من كانون الأول/ديسمبر 2024، وقبل أن يقف القائد «أبو محمد الجولاني» على جبل قاسيون ويعلن تحرير سوريا وانتهاء حقبة وبداية بناء سوريا جديدة، كان الطيران الحربي الإسرائيلي يغير على المواقع والأسلحة الاستراتيجية الكثيرة التي تركها خلفه النظام البائد ولم يستخدمها يوماً بوجه الاحتلال. كانت «إسرائيل» تدرك جيداً أن بقاء هذه الأسلحة الاستراتيجية بيد قيادة سوريا الجديدة يشكّل الخطر الحقيقي على أمن كيان الاحتلال وحتى على وجوده، ولذلك لم تتردّد في تدمير هذه الأسلحة، بل أكثر من ذلك ذهبت نحو العبث بالوحدة والجغرافية السورية في محاولة لتقسيم سوريا إلى دويلات طائفية ومذهبية وعرقية بهدف إضعافها وتدمير المجتمع السوري واستنزافه بشكل دائم فلا تقوم لسوريا قائمة؛ وهي ما تزال تحاول العبث وبثّ الفوضى وإلحاق الخراب والأذى بسوريا لإدراكها تلك الحقيقة.

قبل أيّام أغار الطيران الحربي الإسرائيلي على مطار أبو الظهور في ريف إدلب شمال سوريا. المطار أساساً خارج الخدمة منذ وقت طويل. هو أساساً قد لحق به دمار كبير على يدي النظام البائد في الفترة التي كان فيها تحت سيطرة المعارضة، ومع ذلك أغار الطيران الإسرائيلي على أحد مدارجه ملقياً صواريخه ورسائله أيضاً. الصواريخ لم تزد على المطار المدمّر سوى مزيداً من الدمار؛ أمّا الرسائل فكانت هي الأهمّ وقد أرادت «إسرائيل» أن تقول فيها إنّها لا تريد لـ«سوريا الجديدة» النهوض في موقف يعكس القلق الحقيقي من هذه «السوريا».

«إسرائيل» حرّكت أحد عملائها المتصهينين، الذي أعلن من دون خجل أو احترام لأعراف تاريخية، وفي تنكّر واضح لتاريخ الأجداد والبلاد، أعلن أنّه والمنطقة التي يصادر قرارها بقوّة السلاح الإسرائيلي، ويحميها ويحمي زراعة وتجارة «الكابتغون» فيها بالطائرات الإسرائيلية، جزء من «إسرائيل»، بل ويجتمع معها في المعتقد في طعن لا لبس فيه بمعتقد من يدّعي تمثيلهم والنطق باسمهم. «إسرائيل» حرّكت هذه الأداة في رسالة ثانية أو متجدّدة لتخريب سوريا ومنع نهوضها وقيامها، ومرّة ثانية تعكس هذه الرسالة القلق الإسرائيلي من هذه «السوريا».

تقول «إسرائيل» صراحة إنّها سترسم حدود تركيا في سوريا، وضمناً إنّها ستضع حدّاً لتطلّعات السعودية في سوريا والمنطقة. تركيا والسعودية تريدان مساعدة سوريا على النهوض، و«إسرائيل» تخشى هذا النهوض والقيام، ولذلك هي تريد أن تُفشل الخطوات التركية والسعودية حتى تبقى سوريا مسرحاً تعبث به وتتصرّف فيه كما يحلو لها، وهو أيضاً وأيضاً ما يعكس القلق الإسرائيلي من هذه «السوريا» الجديدة.

«إسرائيل» لا تريد لسوريا أن تنهض وتبني اقتصادها وجيشها ووحدتها، لا تريد لها أن تستعيد ذاكرة أمجاد الشام التاريخية حيث كانت دمشق تسود العالم، لأنّها تدرك أنّ ذلك يضع حدّاً لتطلّعاتها وهيمنتها على الإقليم، ويعيد الاعتبار لقضية العرب والمسلمين الأولى فلسطين، ولذلك لا تريد لسوريا النهوض والقيام والتعافي.

أمّا أولئك الذين يقدّمون الخدمات المجانية للاحتلال تحت عناوين وشعارات كاذبة يظنّون أنّها تخفي خيانتهم لتاريخ أجدادهم وأعراف أهلهم، فأولئك أصغر وأحقر من أن يُلْتَفَت إليهم وإنْ كانوا يشكّلون خنجراً وسكّيناً بيد الاحتلال.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى