مقالات وآراء

عماد الدايمي يكتب: أي دستور لتونس في “اليوم التالي”؟

عندها يصبح السؤال أوسع من اختيار نص دستوري جديد: أي دولة نريد أن يحكمها هذا الدستور؟ وما المؤسسات والضمانات التي تجعل سلطتها فعالة ومسؤولة، وتضمن ألا تتغير قواعد الحكم كلما تغير الأشخاص وموازين السياسة؟

هناك سؤال قد يبدو اليوم مؤجلا أمام ثقل الأزمة السياسية والاقتصادية في تونس، لكنه سيصبح، في اللحظة الأولى لأي تغيير قادم، أحد أكثر الأسئلة إلحاحا: بأي دستور ستُحكم البلاد في اليوم التالي؟

فانتهاء مرحلة سياسية لا يؤدي تلقائيا إلى ولادة شرعية جديدة، وتغيير رأس السلطة يترك مفتوحا سؤال النظام الدستوري الذي أقامه دستور 2022. وقد تجد تونس نفسها، إن لم تستعد لهذا الاحتمال مسبقا، أمام خلاف حاد حول المرجعية القانونية للمرحلة: من يتمسك باستمرار الإطار القائم، ومن يدعو إلى استعادة دستور 2014، ومن يفضّل إطلاق مسار تأسيسي جديد. ويمكن لخلاف من هذا النوع، في لحظة دقيقة، أن يزيد الدولة إنهاكا ويستهلك جزءا مهما من طاقة التغيير في صراع على الشرعية.

يكتسب النص الانتقالي نفاذه، بحسب طبيعة الانتقال، عبر السلطة الدستورية والمؤسسات القائمة، وبالصيغة القانونية الأكثر ضمانا واستقرارا التي تسمح بها الظروف. وهكذا يمنحه التوافق مشروعيته السياسية، ويمنحه المسار المؤسسي قوته القانونية، فيما تعيد الانتخابات اللاحقة بناء الشرعية الديمقراطية على أساس التفويض الشعبي.

لهذا ينبغي أن يبدأ التفكير في “اليوم التالي” قبل الوصول إليه. والمسألة الأساسية هنا هي تأمين عبور سياسي يحفظ استمرارية الدولة ويفتح، في أقرب الآجال، طريق العودة إلى الشرعية الديمقراطية.

الخيار الأكثر اتزانا، في تقديري، يقوم على انتقال دستوري منظم وقصير. دستور 2022 لا يوفر الأساس المناسب للنظام السياسي الذي تحتاجه تونس مستقبلا، كما أن تجربة دستور 2014 أظهرت حاجتنا إلى مراجعات جوهرية في هندسة السلطة وآليات عمل المؤسسات.

المطلوب إطار انتقالي يحمي الدولة والحريات والمؤسسات، ثم يعيد الكلمة إلى التونسيين ليختاروا، عبر انتخابات حرة وتنافس سياسي بقواعد سليمة، النظام الذي يريدونه للمستقبل.

عندما شاركت في الانتخابات الرئاسية السابقة، خضتها وفق القواعد الدستورية والقانونية النافذة بحكم الأمر الواقع، من دون أن يعني ذلك اعترافا سياسيا بدستور 2022 أو قبولا باستمراره. وقد كنت أعلنت بوضوح أن من أولويات العهدة، في حال الفوز، فتح مسار لتغييره. فالعمل ضمن قواعد قانونية قائمة في ظرف سياسي معين لا يمنحها في ذاته شرعية سياسية دائمة، ولا يجعلها مرجعا ملزما لمستقبل البلاد.

وتكتسب هذه المسألة أهمية أكبر عند التفكير في سيناريو التغيير القادم. فإلغاء نظام دستوري كامل بصورة فورية يفترض نشوء شرعية تأسيسية قوية، كما يحدث عقب الثورات التي تفرز قيادة موحدة وتوازنا سياسيا جديدا يسمح بإعادة بناء النظام الدستوري. أما إذا حدث التغيير عبر شغور أو انتقال داخل مؤسسات الدولة، فالأولوية خلال الساعات والأيام الأولى ستكون منع الفراغ وضمان استمرارية المؤسسات.

وهنا تبرز إحدى القواعد الأساسية لإدارة “اليوم التالي”: نجاح الانتقال سيُقاس بقدرته على حماية الدولة أثناء التغيير، وضمان استمرار مؤسساتها ومرافقها والتزاماتها العامة، مع وجود مركز قرار واضح يتحمل مسؤولية إدارة المرحلة.

من الناحية الدستورية، يمكن في الساعات الأولى الاستناد إلى ما يبقى قابلا للتطبيق من الشرعية القانونية القائمة بالقدر الضروري لتأمين الاستمرارية. ثم تتولى، في أجل قصير، لجنة من الخبراء إعداد نص دستوري انتقالي يحظى بتوافق سياسي واجتماعي واسع.

ويصلح دستور 2014 مرجعا أساسيا لهذا العمل، بالنظر إلى الشرعية التأسيسية التي راكمها وإلى الرصيد المهم من الحقوق والحريات والتوازنات المؤسسية الذي كرّسه، مع الاستفادة من الدروس التي كشفتها سنوات تطبيقه، وما أظهرته من مواطن تعقيد وخلل تحتاج إلى المعالجة.

ويكتسب النص الانتقالي نفاذه، بحسب طبيعة الانتقال، عبر السلطة الدستورية والمؤسسات القائمة، وبالصيغة القانونية الأكثر ضمانا واستقرارا التي تسمح بها الظروف. وهكذا يمنحه التوافق مشروعيته السياسية، ويمنحه المسار المؤسسي قوته القانونية، فيما تعيد الانتخابات اللاحقة بناء الشرعية الديمقراطية على أساس التفويض الشعبي.

ويحتاج هذا النص إلى قدر كبير من البساطة والعملية. مهمته حماية الحقوق والحريات وسيادة القانون واستقلال القضاء، وتأمين وحدة القرار التنفيذي، وإرساء الضمانات الضرورية لنزاهة الانتخابات والرقابة الدستورية. أما المؤسسات والهيئات والترتيبات الواردة في دستور 2014 التي لا تتطلبها المرحلة بصورة عاجلة، فيمكن تأجيل النظر فيها إلى حين عودة المؤسسات المنتخبة ومناقشة الدستور الدائم. فالمرحلة الانتقالية تحتاج إلى الحد المؤسسي الضروري الذي يسمح للدولة بالعمل وللمواطنين باختيار ممثليهم في ظروف سليمة.

ومن المفيد أن يرافق هذا الترتيب ميثاق وطني يحدد مجموعة من الضمانات التي تلتزم بها مختلف القوى: استمرارية الدولة، حياد الإدارة والمؤسستين الأمنية والعسكرية، استقلال القضاء، حماية الحقوق والحريات، نزاهة الانتخابات، صيانة المال العام واحترام التزامات الدولة. وجود مثل هذه الأرضية المشتركة يمنح التنافس السياسي حدودا تحمي الدولة والمجتمع عندما ترتفع حدة الخلاف.

أما الدستور الدائم والنظام السياسي النهائي، فالشرعية اللازمة لحسمهما يجب أن تأتي من التونسيين أنفسهم. ولا ينبغي لسلطة انتقالية أن تنفرد بحسم شكل الدولة لعقود مقبلة. فالمرحلة الانتقالية تستمد معناها من كونها محدودة في الزمن والاختصاص، وتتمثل مهمتها الأساسية في تنظيم انتخابات وطنية في أقرب الآجال. وفي تقديري، يمكن ألا تتجاوز هذه المرحلة ستة أشهر.

الدستور الانتقالي في “اليوم التالي” هو جسر لعبور هذه المرحلة بأمان. تنتهي مهمته عندما تستعيد البلاد مؤسسات منتخبة وشرعية مستقرة، ويستعيد التونسيون حقهم الكامل في تقرير شكل نظامهم السياسي.

وعلى القوى السياسية والمرشحين لتلك الانتخابات أن يقدموا للتونسيين رؤى دستورية واضحة: صلاحيات رئيس الجمهورية، موقع الحكومة، دور البرلمان، ضمانات استقلال القضاء، المحكمة الدستورية، الهيئات الرقابية، وآليات المساءلة. وبذلك يصبح شكل النظام السياسي موضوعا معلنا في التنافس الانتخابي ويعرف المواطن مسبقا المشروع الذي يمنح صوته له.

أما خياري الشخصي، كما عرضته في كتابي «تونس الممكنة»، فهو نظام رئاسي معدل يوفر للسلطة التنفيذية الاستقرار ووضوح المسؤولية، ويمنح البرلمان صلاحيات فعلية في التشريع والرقابة، ويضمن استقلال القضاء وفاعلية المحكمة الدستورية وحياة حزبية وسياسية قادرة على إنتاج التوازن والمساءلة.

لقد جرّبت تونس خلال العقد الأخير وجهين لأزمة واحدة. فقد أظهرت تجربة ما بعد 2014 مخاطر تشتت مراكز القرار داخل مشهد حزبي شديد التقلب، حيث ضاعت المسؤولية أحيانا بين الرئاسة والحكومة والبرلمان وتعطل الحسم في ملفات كبرى. ثم كشفت تجربة ما بعد 2022 الخطر المقابل، مع تركيز السلطة وإضعاف الضوابط والمؤسسات بما فتح الطريق أمام الحكم الفردي. والتحدي اليوم هو بناء معادلة أكثر استدامة: حكم قادر على الفعل داخل دولة قادرة على ضبط الحكم، برئيس منتخب يملك أدوات قيادة واضحة ويتحمل مسؤولية قراراته، وبرلمان قوي في التشريع والرقابة، وقضاء مستقل، ومحكمة دستورية فاعلة، ومؤسسات تمنع انفراد أي سلطة بمصير البلاد.

الدستور الانتقالي في “اليوم التالي” هو جسر لعبور هذه المرحلة بأمان. تنتهي مهمته عندما تستعيد البلاد مؤسسات منتخبة وشرعية مستقرة، ويستعيد التونسيون حقهم الكامل في تقرير شكل نظامهم السياسي.

وعندها يصبح السؤال أوسع من اختيار نص دستوري جديد: أي دولة نريد أن يحكمها هذا الدستور؟ وما المؤسسات والضمانات التي تجعل سلطتها فعالة ومسؤولة، وتضمن ألا تتغير قواعد الحكم كلما تغير الأشخاص وموازين السياسة؟

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى