مقالات وآراء

عدنان الصباح يكتب: دولة يهودا تغتال الدولة الوهم

لم تكن المأساة الفلسطينية في العقود الأخيرة أن الدولة لم تأتِ بعد، فحسب، المأساة الأعمق أننا حوّلنا الدولة من مشروع سياسي قابل للبناء إلى فكرة تعويضية نلوذ بها كلما عجزنا عن إنجاز ما يسبقها من شروط، صارت “الدولة” في الخطاب الفلسطيني أشبه بعجل مقدس: لا أحد يعرف بدقة كيف ستُبنى، ولا على أي أرض، ولا بأي مؤسسات، ولا بأي ميزان قوة، ولا بأي برنامج اقتصادي أو دبلوماسي، لكن الجميع مطالب بأن يؤمن بها وينتظرها.

وفي الوقت الذي كنا فيه ننتظر الدولة، كان الطرف الآخر يبني الجغرافيا التي ستقرر شكل الدولة الممكنة، إن بقيت دولة أصلاً، وهذه هي المفارقة التي ينبغي أن نتوقف أمامها طويلاً: نحن تعاملنا مع الدولة بوصفها موعداً سياسياً مؤجلاً، بينما تعامل الاحتلال مع الأرض بوصفها مشروعاً يومياً لا يحتمل التأجيل.

بين دولة ننتظرها وأرض تُنتزع منا

عند توقيع اتفاق أوسلو عام 1993 كان عدد المستوطنين في الضفة الغربية نحو 110 آلاف، وبعد ثلاثة عقود أصبح العدد نحو 511 ألفاً في نهاية 2024، وفق بيانات إسرائيلية أوردتها “السلام الآن”، وفي عام 2026 تتحدث البيانات عن 146 مستوطنة رسمية و390 بؤرة استيطانية ومزرعة، بينما تقول كثير من المصادر غير الرسمية إن العدد يقترب من المليون، مع استمرار التوسع، لكن الرقم، على أهميته، ليس هو القصة كلها.

القصة الحقيقية هي تغير طبيعة السيطرة على الأرض، ففي عام 2024 وحده، رصدت “السلام الآن” إنشاء ما لا يقل عن 59 بؤرة استيطانية جديدة، بينها بؤر زراعية، وشق أكثر من 114 كيلومتراً من الطرق لخدمة التوسع الاستيطاني، كما جرى الدفع بمخططات لنحو 9,884 وحدة سكنية في المستوطنات. وفي عام 2025 ارتفع عدد البؤر الجديدة، وفق المصدر نفسه، إلى 86 بؤرة، وأقرت الحكومة الإسرائيلية إنشاء 54 مستوطنة جديدة أو تحويل مواقع قائمة إلى مستوطنات رسمية، فيما جرى اعتماد نحو 27,941 وحدة استيطانية.

وهنا يجب أن نفهم معنى الأرقام سياسياً: الاستيطان لم يعد مجرد إضافة سكان إسرائيليين إلى الضفة، إنه عملية لإعادة تركيب المكان بحيث يصبح الانفصال الفلسطيني ـ الإسرائيلي أكثر صعوبة يوماً بعد يوم، ولهذا فإن انتظار الدولة بينما تُعاد هندسة الأرض هو في جوهره انتظار سلبي لنتيجة يصنعها الآخر.

حين نتحدث عن “دولة يهودا” ينبغي ألا نقع في الخطأ الذي قد يقع فيه القارئ من الوهلة الأولى: لسنا أمام دولة أعلنت استقلالها فعلاً، ولا توجد حتى الآن دولة معترف بها بهذا الاسم في الضفة الغربية، لكن الفكرة نفسها ليست خيالاً أدبياً.

فقد ظهرت تاريخياً داخل الحركة الاستيطانية فكرة إقامة “دولة يهودا” في الضفة الغربية إذا اضطرت إسرائيل إلى الانسحاب منها، طُرحت الفكرة بصورة معلنة في أواخر الثمانينيات، وعادت إلى التداول بعد الانسحاب الإسرائيلي من قطاع غزة عام 2005، والأهم أن الخطر اليوم لا يتمثل في أن يرفع مستوطن غداً علماً ويعلن دولة مستقلة، وإنما في أن تتراكم شروط الاستقلال الفعلي من دون إعلان الاستقلال القانوني.

وهذه نقطة فارقة.

فالدولة لا تبدأ دائماً بإعلان الاستقلال. أحياناً تبدأ بشبكة طرق، ومجالس محلية، وأجهزة أمن، ومصادر تمويل، وإدارة للأرض، ومؤسسات تعليمية ودينية، وسلطة سياسية قادرة على فرض الأمر الواقع، ثم يأتي الإعلان في نهاية المسار لا في بدايته.

أحد أكثر التطورات دلالة وقع في مارس/آذار 2025 عندما وافقت الحكومة الإسرائيلية على منح 13 مستوطنة في الضفة الغربية وضعاً مستقلاً عن تجمعات أكبر كانت تابعة لها، في خطوة قالت الحكومة إنها تهدف إلى تسهيل إدارتها وتطويرها، وارتبطت بجهود تعزيز السيادة الإسرائيلية على المنطقة، تمهيداً للانتقال من المستوطنة المعزولة إلى الكيان السياسي.

قد يبدو الأمر إدارياً لمن يقرأه من بعيد، لكنه سياسياً بامتياز وليس تفصيلاً صغيراً، فالانتقال من تجمعات استيطانية متناثرة إلى وحدات ذات شخصية إدارية أكثر استقلالاً يعني أن الاستيطان يتطور من وجود سكاني إلى بنية حكم، وفي الوقت ذاته جرى إنشاء إدارة للاستيطان داخل وزارة الدفاع الإسرائيلية، ونقلت إليها صلاحيات كانت مرتبطة بالإدارة المدنية العسكرية، في خطوة وصفتها جهات بحثية بأنها جزء من بناء البنية الإدارية لضم الضفة الغربية.

ثم جاءت الكنيست في يوليو/تموز 2025 لتصوت بأغلبية 71 نائباً مقابل 13 على إعلان يدعو الحكومة إلى تطبيق السيادة الإسرائيلية على الضفة الغربية ووادي الأردن، بما يشمل القانون والاختصاص والإدارة على امتداد المستوطنات اليهودية.

هذه الوقائع لا تثبت أن “دولة يهودا” ستعلن استقلالها غداً، لكنها تثبت شيئاً أكثر أهمية بالنسبة لنا: هناك مساراً سياسياً وجغرافياً وإدارياً يتحرك في الاتجاه المعاكس تماماً لمسار الدولة الفلسطينية، لكن الخطر ليس أن يتمرد المستوطنون فقط.

المسألة الأكثر عمقاً في هذه الفكرة هي أننا نخطئ حين نتصور أن الخطر يتمثل في تمرد المستوطنين على إسرائيل.

لكن حتى من دون تمرد، فإن تحول المستوطنات إلى شبكة سياسية واجتماعية ذات وزن متزايد يمكن أن يخلق واقعاً جديداً تصبح فيه الحكومة المركزية الإسرائيلية نفسها أكثر اعتماداً على هذه الكتلة وأكثر عجزاً عن تفكيكها.

وهنا تصبح المفارقة خطيرة: فقد لا تحتاج “دولة يهودا” إلى إعلان انفصالها عن إسرائيل حتى تؤدي الوظيفة السياسية التي يخشاها مشروع الدولتين، بل يكفي أن تصبح الضفة الغربية شبكة من الكتل الاستيطانية المرتبطة بإسرائيل قانونياً ومالياً وأمنياً، لكنها مستقلة في إرادتها السياسية عن أي تسوية مع الفلسطينيين.

وهذا الاحتمال ليس بلا جذور تاريخية. فقد ظهرت داخل الحركة الاستيطانية، منذ عقود، أفكار عن العصيان المدني أو حتى التمرد في حال حاولت الحكومة الإسرائيلية الانسحاب من الضفة، وفي الثمانينيات، على سبيل المثال، تحدثت قيادات استيطانية عن «تمرد مدني» في مواجهة أي مسار يؤدي إلى التخلي عن الأراضي المحتلة.

إذن، ليست القضية في اسم “دولة يهودا”، بل في تحول الاستيطان إلى فاعل سياسي يصعب على الدولة الأم إخضاعه لتسوية إقليمية، فالمستوطنون، رغم اختلافاتهم السياسية والدينية والاجتماعية، يملكون شيئاً بالغ الأهمية: الحيز الجغرافي الذي بات يجمعهم ويمنحهم صفات مشتركة، فهم يختلفون على الحكومة، وعلى نتنياهو، وعلى اليمين واليمين الأشد يمينية، وعلى طبيعة الدولة اليهودية، لكنهم لا يختلفون بالضرورة على حقيقة أن الأرض ينبغي أن تبقى تحت السيطرة الإسرائيلية أو اليهودية.

أما نحن، فنعاني انقساماً لا يقتصر على السلطة، بل يمتد إلى تعريف الهدف نفسه، وإلى أدوات الوصول إليه، وإلى طبيعة العلاقة بين غزة والضفة، وإلى شكل النظام السياسي، وإلى وظيفة منظمة التحرير، وإلى معنى المقاومة، وإلى معنى الدولة، وإلى موقع الانتخابات في مرحلة لا تزال فيها القضية الوطنية نفسها تبحث عن إطارها السياسي الجامع.

والأشد إيلاماً أن الفلسطينيين يدخلون هذه المرحلة في وقت تتعرض فيه غزة لكارثة إنسانية وسياسية هائلة، فيما يستمر الاستيطان في الضفة بوتيرة متصاعدة.

في عام 2025، سجلت بيانات الأمم المتحدة التي نقلتها “السلام الآن” 1,828 حادثة اعتداء من مستوطنين أدت إلى إصابات جسدية أو أضرار في الممتلكات، مع مقتل تسعة فلسطينيين وإصابة 838

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى