مقالات وآراء

حسام بدراوي يكتب: الأول على الفصل… أين هو الآن؟

في كل عام، تتصدر صور “أوائل الثانوية العامة” الصحف، بابتساماتهم الواثقة وشهاداتهم المرفوعة، وكأن مصر تحتفل بولادة نخبتها القادمة.
نسمّيهم “الأوائل” بيقين لا يقبل المراجعة، كأن ترتيبهم في ورقة امتحان هو ترتيبهم في الحياة. لكن هل تساءلنا يومًا: أين هم بعد عشرين عامًا؟
وهل من يقودون مصر اليوم – في السياسة والاقتصاد والعلم والعمل العام – كانوا هم أنفسهم أوائل فصولهم؟

عالم الاجتماع الفرنسي بيير بورديو طرح فكرة مزعجة قبل نصف قرن: الامتحان، في نظره، ليس ميزانًا محايدًا يزن الكفاءة الخالصة، بل أداة تُعيد إنتاج النظام الاجتماعي القائم، وتُلبسه رداء “الجدارة” ليبدو عادلًا. الطفل الذي نشأ في بيت مليء بالكتب، وتربّى على لغة الامتحان ومنطقه، لا يبدأ من نفس النقطة التي يبدأ منها طفل آخر لم تتح له هذه الفرصة – وإن تساويا في الذكاء. فحين يفوز الأول، يبدو الأمر وكأنه انتصار للعقل، بينما هو في جانب منه انتصار للظرف.

هذه الفكرة، حين طرحتها بورديو في سياق أوروبي، تستدعي سؤالًا مصريًا خالصًا: نحن أمة عقدت مع “الثانوية العامة” ميثاقًا شبه مقدس، جعلت منها بوابة وحيدة تُحدَّد عندها مصائر ملايين الشباب في لحظة واحدة، بضع ساعات من عمر إنسان تختزل سنوات من قدراته المتعددة. فهل تنجح هذه البوابة فعلًا في اصطياد من سيقود المجتمع لاحقًا؟ أم أنها، كما يقترح بورديو، تصطاد من يجيد قواعد اللعبة المدرسية، لا بالضرورة من سيصنع تاريخًا؟

الدراسات القليلة الجادة التي حاولت الإجابة عن هذا السؤال – وأبرزها دراسة أمريكية تتبعت واحدًا وثمانين من أوائل الثانوية لأربعة عشر عامًا كاملة – توصلت إلى نتيجة تستحق التأمل: هؤلاء الأوائل واصلوا النجاح، نعم، لكن لم يظهر بينهم من غيّر قواعد اللعبة أو قاد تحولًا استثنائيًا. الباحثة التي أشرفت على الدراسة قالت عبارة تستحق أن تُكتب بماء الذهب: “الأوائل نادرًا ما يكونون رؤى المستقبل… إنهم يستقرّون داخل النظام، لا يهزّونه”. فمن يتفوق في تلبية توقعات الامتحان، يتقن الانصياع لقواعد وُضعت مسبقًا؛ ومن يغيّر مجرى التاريخ، غالبًا ما يكون قد كسر قاعدة ما، أو رفض أن يُقاس بمسطرة غيره.

ولا أزعم هنا أن التفوق عيب، أو أن الجهد المدرسي بلا قيمة – فالأمر أبعد من ذلك تبسيطًا وأخطر من أن يُختزل في خلاصة واحدة. لكنني أزعم أن المجتمع الذي يربط مصير أبنائه كله بامتحان واحد، في سن واحدة، بمعيار واحد، يخاطر بأن يُقصي من ملعبه أطفالًا قد يكونون قادة الغد الحقيقيين، لمجرد أنهم لم يُحسنوا آنذاك حفظ الإجابة النموذجية، أو لم تسعفهم ظروفهم، أو لأن موهبتهم لم تكن من النوع الذي يُقاس بورقة وقلم.

أطرح هذا السؤال اليوم لا لأجيب عليه – فالإجابة تحتاج بحثًا ميدانيًا صبورًا يتتبع مصائر الأوائل عبر عقود، ويقلّب سِيَر قادتنا الفعليين ليرى أين وقفوا في فصولهم الدراسية – بل لأفتح بابًا أظنه مغلقًا في وعينا الجمعي منذ زمن طويل: هل امتحاننا يفرز الكفاءة، أم يُقصي من لا يشبه صورته المسبقة عن النجاح؟

سؤال أتركه معلّقًا، على أمل أن أعود إليه قريبًا بشيء أقرب إلى الإجابة.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى