مصر

«المقايضة الكبرى» تثير الغضب.. دعوة لوضع قناة السويس وأصول الدولة في مواجهة الديون تعيد أسئلة الفشل الاقتصادي والسيادة المصرية

أعاد مقترح المصرفي حسن هيكل بشأن ما يسميه «المقايضة الكبرى» فتح واحد من أكثر الملفات الاقتصادية حساسية في مصر، بعدما دعا إلى توسيع فكرة مبادلة الديون بالأصول لتشمل الدولة نفسها، وصولًا إلى استخدام أصول سيادية واستراتيجية، من بينها قناة السويس وحصص الدولة في الشركات العامة، في عملية تستهدف معالجة أو تصفير جانب كبير من الدين المحلي.

ويأتي طرح هيكل في وقت تواجه فيه الحكومة ضغوطًا متزايدة بسبب ارتفاع الدين العام وتضخم فاتورة الفوائد، ما أثار موجة من التساؤلات والانتقادات حول الطريقة التي تُدار بها الأزمة الاقتصادية، وما إذا كان المواطن المصري سيجد نفسه، مرة أخرى، أمام حل يقوم على التخلي عن أصول تراكمت ملكيتها عبر أجيال، بدلًا من محاسبة السياسات التي أوصلت الموازنة العامة إلى هذا المستوى من المديونية.

وتزداد حساسية المقترح مع إدخال قناة السويس ضمن الأصول التي يمكن استخدامها في عملية المقايضة، باعتبارها ليست مجرد شركة أو قطعة أرض أو أصلًا عقاريًا قابلًا للبيع والتقييم، وإنما أحد أهم الأصول السيادية المصرية، وممرًا استراتيجيًا ارتبط بتاريخ مصر الحديث وكفاح المصريين وسيادتهم على أراضيهم.

قناة السويس.. ليست مجرد رقم في ميزانية

وتحتل قناة السويس مكانة استثنائية في الوعي المصري، ليس فقط لما تمثله من مصدر رئيسي للعملة الأجنبية وعصب مهم للتجارة العالمية، وإنما أيضًا للتكلفة الإنسانية الهائلة التي دفعها المصريون خلال حفر القناة في القرن التاسع عشر.

وتشير روايات وتقديرات تاريخية متداولة إلى وفاة عشرات الآلاف من العمال المصريين خلال أعمال الحفر، فيما تذهب بعض الروايات إلى أرقام تقترب من 120 ألف شخص، وسط اختلاف بين المؤرخين بشأن الرقم الدقيق.

ولهذا فإن التعامل مع القناة باعتبارها أصلًا يمكن تقييمه ماليًا ثم استخدام قيمته في تسوية ديون الحكومة يفتح بابًا يتجاوز الحسابات الاقتصادية إلى أسئلة تتعلق بطبيعة الملكية العامة وحدود التصرف في الأصول الاستراتيجية للدولة.

فالقناة التي خاضت مصر معركة تأميمها عام 1956، وتحولت إلى رمز للسيادة الوطنية، لا ينظر إليها قطاع واسع من المصريين باعتبارها أصلًا تجاريًا تقليديًا يمكن وضعه على إحدى كفتي ميزان الديون.

من يتحمل مسؤولية الدين؟

ويضع المقترح سؤالًا آخر أكثر إلحاحًا أمام الحكومة: كيف وصلت مصر إلى مرحلة يُطرح فيها استخدام أصول بهذه الأهمية لمعالجة الدين المحلي؟

فعلى مدار السنوات الماضية، شهدت مصر توسعًا كبيرًا في الاقتراض المحلي والخارجي، بالتوازي مع إنفاق ضخم على مشروعات بنية تحتية وعمرانية، بينما ارتفعت أسعار الفائدة وتزايدت تكلفة خدمة الدين بصورة استحوذت معها الفوائد على نسبة ضخمة من الإيرادات العامة.

ومع استمرار هذه الضغوط، بات جزء كبير من موارد الدولة يذهب إلى فوائد وأقساط الديون قبل الوصول إلى قطاعات التعليم والصحة والأجور والحماية الاجتماعية.

وهنا يتركز جانب كبير من الانتقادات الموجهة إلى السياسات الحكومية؛ إذ يعتبر منتقدون أن اللجوء إلى الأصول العامة لسداد آثار المديونية يعني تحميل الممتلكات العامة نتيجة اختيارات وسياسات اقتصادية لم يكن المواطن شريكًا في اتخاذها.

وتتمثل المخاوف في أن تتحول الأزمة من سؤال يتعلق بكيفية خفض الاقتراض والعجز وتحسين الإنتاج والصادرات، إلى سباق للعثور على أصول جديدة يمكن تقييمها أو بيعها أو نقل ملكيتها لتخفيف أرقام الدين.

من ماسبيرو إلى قناة السويس

وجاءت عودة هيكل لطرح «المقايضة الكبرى» بعد تسوية المديونيات التاريخية للهيئة الوطنية للإعلام «ماسبيرو» مع بنك الاستثمار القومي.

وشملت التسوية إسقاط فوائد وغرامات تأخير متراكمة بقيمة 51.4 مليار جنيه، واستقرار إجمالي المديونية بعد التسوية عند 88.3 مليار جنيه، إلى جانب نقل ملكية 44 أصلًا غير مستغل من أراضي ومبانٍ بقيمة 18.06 مليار جنيه إلى بنك الاستثمار القومي مقابل جزء من مستحقاته.

كما تضمنت التسوية استخدام أراضٍ من أملاك الدولة لتغطية الجزء المتبقي من المديونية وإنهاء التشابكات المالية الممتدة منذ عقود.

واعتبر حسن هيكل ما جرى نموذجًا مصغرًا لما يمكن تطبيقه على مستوى الدولة كلها، وقدم الفكرة ببساطة تقوم على استبدال «ماسبيرو» بالدولة، وبنك الاستثمار القومي بالبنك المركزي، والأراضي بأصول الدولة وحصصها في الشركات، ومن بينها قناة السويس.

لكن هذا التشبيه أثار إشكالية أساسية؛ لأن تسوية مديونية هيئة حكومية مع مؤسسة مالية حكومية باستخدام أراضٍ ومبانٍ غير مستغلة تختلف جذريًا عن وضع أصل سيادي بحجم قناة السويس داخل معادلة لإطفاء تريليونات الجنيهات من الدين العام.

من «المقايضة الصغرى» إلى «المقايضة الكبرى»

ويسمي هيكل تسوية ماسبيرو «المقايضة الصغرى»، بينما يطرح «المقايضة الكبرى» بوصفها عملية أوسع يمكن خلالها نقل ملكية أصول الدولة إلى البنك المركزي مقابل الدين المستحق على الحكومة.

ومن الناحية المحاسبية، تقوم الفكرة على استبدال التزام مالي بأصل له قيمة اقتصادية.

لكن المشكلة التي يطرحها منتقدو هذا التصور هي أن الأصول العامة ليست كلها متشابهة، وأن نقل أرض غير مستغلة لا يساوي سياسيًا أو اقتصاديًا نقل ملكية قناة السويس، حتى إذا ظلت الملكية داخل مؤسسات الدولة.

كما أن نقل أصل من وزارة أو هيئة إلى البنك المركزي لا يعني بالضرورة اختفاء الالتزام الاقتصادي للدولة، وإنما قد يعني إعادة توزيع الأصول والخصوم داخل القطاع العام.

أزمة ديون أم أزمة إدارة؟

وتدفع «المقايضة الكبرى» إلى طرح سؤال أوسع بشأن طبيعة الأزمة المصرية: هل المشكلة أن الدولة لا تمتلك أصولًا تكفي لمواجهة الدين، أم أن المشكلة تكمن أصلًا في طريقة إدارة المالية العامة؟

فإذا تمت مقايضة جزء كبير من الدين بأصول اليوم، ثم استمرت معدلات العجز والاقتراض نفسها في السنوات التالية، فقد تجد الدولة نفسها أمام ديون جديدة بعدما تكون قد نقلت أو استنفدت جانبًا من أصولها.

ومن هنا يحذر اقتصاديون من أن أي معالجة لا تتضمن وقف أسباب تراكم الدين ستكون مجرد ترحيل للأزمة.

فالمديونية لم تتكون في عام واحد، وإنما تراكمت نتيجة سنوات من العجز والاقتراض وارتفاع تكلفة الفائدة، إلى جانب اختيارات في الإنفاق والاستثمار تحتاج إلى تقييم شامل.

وتتحول المسألة في هذه الحالة من البحث عن أصل مقابل الدين إلى سؤال حول الإنتاج والتصدير والاستثمار الصناعي والزراعي، وكفاءة الإنفاق العام، وقدرة الاقتصاد على توليد موارد حقيقية ومستدامة.

أصول المصريين أمام فاتورة السياسات

ويثير استمرار الحديث عن بيع أو نقل ملكية الأصول العامة مخاوف اجتماعية وسياسية، خاصة في ظل صفقات شهدتها السنوات الأخيرة لدخول مستثمرين في شركات وأصول مصرية، ضمن برامج الطروحات الحكومية وجذب العملة الأجنبية.

وعلى الرغم من أن طرح هيكل الخاص بقناة السويس لا يتحدث عن بيعها لمستثمر أجنبي، وإنما نقل ملكيتها إلى البنك المركزي، فإن مجرد إدخال القناة في منطق تقييم الأصول مقابل الدين يثير مخاوف من تحويل الممتلكات السيادية إلى بنود مالية قابلة للتداول عند كل أزمة.

ويطرح ذلك تساؤلًا جوهريًا حول الحد الفاصل بين «إدارة أصول الدولة» والتصرف في ثروة عامة لا تملكها حكومة بعينها، وإنما تخص الدولة المصرية وأجيالها الحالية والقادمة.

فالطرق والكباري والأراضي والشركات والموانئ وقناة السويس لم تُنشأ باعتبارها مخزونًا احتياطيًا لسداد أخطاء السياسات الاقتصادية، وإنما باعتبارها جزءًا من قاعدة الدولة الاقتصادية.

ولهذا تبدو المخاوف مفهومة من أن يصبح العلاج الدائم لأزمات الموازنة هو فتح دفتر الأصول، بدلًا من فتح ملف المسؤولية عن تضخم الدين.

هل يصبح البنك المركزي مالكًا لقناة السويس؟

ووفق التصور الذي سبق أن قدمه هيكل، يمكن تقييم قناة السويس ماليًا ثم نقل ملكيتها إلى البنك المركزي في مقابل جزء من الدين الحكومي المحلي.

وسبق أن استخدم هيكل رقمًا افتراضيًا يصل إلى نحو 200 مليار دولار لتقييم القناة، استنادًا إلى قدرتها على توليد تدفقات نقدية دولارية كبيرة في الظروف الطبيعية.

لكن تقييم أصل مثل قناة السويس ليس عملية محاسبية بسيطة؛ فالقناة تتمتع بأهمية أمنية وسياسية وجيوسياسية تتجاوز إيرادات رسوم المرور السنوية.

كما أنها ترتبط بقوانين واتفاقيات والتزامات دولية وبالأمن القومي وحركة التجارة العالمية، ما يجعل اختزال قيمتها في رقم مالي محل جدل واسع.

ويقول المدافعون عن الفكرة إن الملكية ستظل مصرية بالكامل، وإن الأمر لن يتجاوز إعادة ترتيب العلاقة بين وزارة المالية والبنك المركزي.

إلا أن المعترضين يرون أن المشكلة لا تتعلق فقط بجنسية المالك، وإنما بطبيعة الأصل نفسه وبسابقة إدخاله في معادلات الدين.

من سيدفع الثمن؟

ويكتسب الجدل بعدًا اجتماعيًا أكثر حدة في ظل استمرار ارتفاع الأسعار وتراجع القوة الشرائية للجنيه، بينما تتحمل الأسر المصرية تكاليف متزايدة للغذاء والسكن والتعليم والصحة.

وخلال السنوات الماضية، صاحبت برامج الإصلاح الاقتصادي موجات من خفض قيمة العملة وزيادة أسعار الوقود والكهرباء والخدمات، فيما ظلت أزمة الدين قائمة.

وبالنسبة إلى منتقدي السياسات الحكومية، فإن المواطن تحمل بالفعل جانبًا كبيرًا من تكلفة الأزمة من خلال التضخم وارتفاع الأسعار والضرائب والرسوم، وبالتالي فإن مطالبة الدولة الآن باستخدام أصول عامة يملكها المصريون جميعًا لمعالجة الدين تعني أن المواطن قد يدفع ثمن الأزمة مرتين: مرة من مستوى معيشته، ومرة من ممتلكاته العامة.

ويزداد هذا الشعور كلما تعلق الأمر بأصل تاريخي وسيادي بحجم قناة السويس.

الفوائد تلتهم الموازنة

وفي المقابل، فإن المشكلة التي يحاول مقترح هيكل التعامل معها حقيقية وشديدة التعقيد.

ففاتورة فوائد الدين أصبحت واحدة من أكبر بنود الإنفاق في الموازنة المصرية، وتحد بشدة من قدرة الحكومة على زيادة الإنفاق على الخدمات العامة.

ويرى هيكل أن التخلص من كتلة ضخمة من الدين المحلي سيؤدي إلى تحرير موارد مالية هائلة يمكن توجيهها إلى الأجور والتعليم والصحة والتأمين الصحي والدعم والاستثمار.

ومن هذه الزاوية، يقدم مؤيدو المقترح «المقايضة الكبرى» باعتبارها جراحة مالية استثنائية لمعالجة أزمة استثنائية.

لكن السؤال الذي لا يجيب عنه نقل الأصول وحده هو: ماذا يحدث في اليوم التالي للمقايضة؟

فإذا لم تتغير بنية الإنفاق والإيرادات والسياسة الاقتصادية، فقد تبدأ دورة جديدة من الاقتراض.

البنوك والمودعون يدخلون المعادلة

ولا يتوقف ملف الدين المحلي عند الحكومة والبنك المركزي.

فجزء كبير من أدوات الدين الحكومية تحتفظ به البنوك التي تستخدم جزءًا من ودائع المواطنين والشركات في شراء أذون وسندات الخزانة.

ولهذا فإن أي إعادة هيكلة واسعة للدين يجب أن تراعي حقوق المودعين وسيولة البنوك والاستقرار المالي.

ولا يمكن ببساطة إلغاء أذون وسندات الخزانة دون التعامل مع المؤسسات التي تمتلكها والالتزامات المقابلة لها.

ومن هنا يرى منتقدون أن وصف العملية بـ«تصفير الدين» قد يبدو أبسط كثيرًا من الواقع الاقتصادي والمحاسبي المعقد.

مخاوف من طباعة النقود والتضخم

كما تظهر إشكالية أخرى تتعلق بدور البنك المركزي.

فإذا تحمل البنك المركزي جانبًا كبيرًا من الدين الحكومي مقابل أصول، فإن الطريقة التي ستتم بها تسوية حقوق البنوك وتوفير السيولة ستكون عنصرًا حاسمًا في نجاح العملية أو فشلها.

وأي توسع غير منضبط في إصدار النقود قد يؤدي إلى ارتفاع التضخم وانخفاض قيمة العملة، بما يعيد المواطن مرة أخرى إلى تحمل التكلفة.

ولهذا يحذر معارضو الطرح من التعامل مع ميزانية البنك المركزي باعتبارها مساحة يمكن نقل المشكلة إليها دون آثار جانبية.

بين إنقاذ الموازنة وإنقاذ السياسة الاقتصادية

ويكشف الجدل حول «المقايضة الكبرى» عن مأزق أعمق من تفاصيل المقترح نفسه.

فمصر تمتلك أصولًا ضخمة وأراضي وشركات وموانئ وقناة استراتيجية وموقعًا جغرافيًا استثنائيًا، ومع ذلك تواجه مستوى مرتفعًا من الدين وخدمة الدين.

وبالتالي، فإن السؤال الذي يطرح نفسه ليس فقط: كيف تستخدم الدولة هذه الأصول لسداد الديون؟ وإنما: كيف وصلت دولة تمتلك كل هذه الأصول إلى حاجتها للتفكير في استخدامها لمواجهة المديونية؟

ويطالب منتقدو السياسات الاقتصادية بأن يسبق أي حديث عن التصرف في الأصول كشف حساب واضحًا للسنوات الماضية: حجم ما تم اقتراضه، وأوجه إنفاقه، وعائد المشروعات التي مُولت بالديون، ومدى مساهمتها في زيادة الإنتاج والصادرات والدخل القومي.

كما يطالبون بأن تكون هناك أولوية لإصلاح إدارة المالية العامة قبل المساس بالأصول الاستراتيجية.

قناة السويس خط أحمر في الوعي الشعبي

وتظل قناة السويس تحديدًا مختلفة عن بقية الأصول.

فهي جزء من الذاكرة السياسية المصرية، من سنوات السخرة أثناء الحفر إلى قرار التأميم في عهد جمال عبد الناصر، ثم العدوان الثلاثي عام 1956، والحروب التي دارت على ضفتيها، وإغلاقها لسنوات ثم إعادة افتتاحها.

ولهذا فإن اسم قناة السويس يستحضر لدى المصريين معنى السيادة بقدر ما يستحضر الإيرادات الدولارية.

وأي مقترح يضعها في معادلة تسوية الديون، حتى وإن كان المقصود نقلها من مؤسسة حكومية إلى أخرى، سيكون بالضرورة محل حساسية شديدة.

فالاعتراض هنا لا يتعلق فقط بالخوف من «بيع القناة»، وهو أمر لا يتضمنه مقترح هيكل بصيغته المعلنة، وإنما بالخوف من تحول الأصول السيادية إلى أدوات لتغطية فشل مالي متراكم.

الأزمة أكبر من حسن هيكل

ومع ذلك، فإن اختزال القضية في شخص حسن هيكل أو مقترحه وحده قد يحجب المشكلة الأساسية.

فهيكل يقدم تصورًا اقتصاديًا لحل أزمة موجودة بالفعل، ويمكن قبوله أو رفضه.

أما المسؤولية السياسية والاقتصادية الأكبر فتتعلق بالسياسات التي قادت إلى تضخم الدين وارتفاع فوائد الاقتراض وتحول خدمة الدين إلى العبء الأكبر على الموازنة.

فلو كانت المالية العامة في وضع أكثر استقرارًا، لما أصبحت قناة السويس أو الشركات العامة أو الأراضي محل نقاش بشأن استخدامها لتسوية التزامات الحكومة.

ومن هنا تصبح «المقايضة الكبرى» جرس إنذار قبل أن تكون مجرد مقترح مالي.

المصريون أمام سؤال الملكية

ويعيد النقاش طرح السؤال القديم المتجدد: لمن تعود أصول الدولة؟

قانونيًا، تديرها مؤسسات الدولة، لكن اقتصاديًا وسياسيًا هي ملك عام للشعب المصري، جرى بناؤها أو شراؤها أو تطويرها بأموال وموارد أجيال متعاقبة.

ولهذا فإن القرارات المتعلقة بالأصول السيادية لا يمكن التعامل معها باعتبارها إجراءات محاسبية فقط.

وتزداد أهمية هذا المبدأ عندما تكون الدولة تحت ضغط مالي، لأن الأزمات قد تدفع الحكومات إلى قبول ترتيبات لم تكن لتقبل بها في الظروف الطبيعية.

هل تكون ماسبيرو البداية؟

وتبقى المخاوف الرئيسية مرتبطة بما إذا كانت تسوية ماسبيرو ستظل حالة محدودة لإنهاء تشابك مالي مزمن، أم ستصبح نموذجًا تتوسع الحكومة في تطبيقه مع مؤسسات أخرى.

فالتخلص من أراضٍ غير مستغلة مقابل إنهاء ديون هيئة خاسرة يمكن الدفاع عنه اقتصاديًا وفق ظروف محددة.

لكن الانتقال من هذا المستوى إلى الأصول الاستراتيجية والسيادية يغير طبيعة القضية بالكامل.

وفي الوقت الذي يعتبر فيه حسن هيكل أن تسوية ماسبيرو أثبتت صلاحية مبدأ المقايضة، فإن المعارضين يرون أن نجاح عملية صغيرة نسبيًا لا يعني تلقائيًا إمكانية تطبيقها على الدين العام للدولة.

فارق الحجم وحده كفيل بتغيير النتائج والمخاطر.

بيع الأصول ليس إصلاحًا اقتصاديًا

وتبقى القضية الأساسية أن الدولة لا تستطيع الاعتماد إلى ما لا نهاية على ما تملكه من أصول.

فالأصل الذي يتم بيعه أو نقل عائده اليوم لن يكون متاحًا بالطريقة نفسها غدًا.

أما الاقتصاد المستدام فيعتمد على إنتاج متجدد وصادرات وصناعة وزراعة وسياحة واستثمارات حقيقية وقدرة على خلق الوظائف.

ولهذا فإن استخدام الأصول يمكن أن يكون أداة مالية في ظروف معينة، لكنه لا يمكن أن يحل محل السياسة الاقتصادية.

كما أن تخفيض الدين لا يصبح إنجازًا طويل الأجل إذا أعقبه تكوين دين جديد.

من يحاسب على فاتورة السنوات الماضية؟

ومع عودة مقترح «المقايضة الكبرى»، يعود السؤال الذي يسبق كل الحلول المقترحة: من يتحمل المسؤولية عن وصول الدين إلى هذه المستويات؟

فإذا كانت الدولة ستستخدم أراضيها وشركاتها وأصولها وربما قناة السويس لتقليل الدين، فإن المصريين من حقهم معرفة كيف تراكمت هذه المديونية، وما العائد الذي حصلوا عليه في مقابلها.

ومن حقهم أيضًا أن يعرفوا ما الضمانة بألا تعود الحكومة إلى الاقتراض مرة أخرى بعد استهلاك جزء من الأصول العامة.

وفي غياب إجابات واضحة، سيظل أي حديث عن قناة السويس أو أصول الدولة في سياق تسوية الديون يواجه استياءً ورفضًا واسعًا، لأن القضية بالنسبة إلى قطاعات من المصريين لم تعد مسألة أرقام في دفاتر وزارة المالية، وإنما سؤالًا يتعلق بحق أجيال كاملة في ثروة وطنية دفع المصريون ثمنها من أموالهم وجهدهم، وفي حالة قناة السويس، دفع آلاف منهم حياتهم خلال حفرها.

وبينما يقدم حسن هيكل «المقايضة الكبرى» باعتبارها مخرجًا جريئًا من دائرة الدين والفوائد، يرى منتقدو السياسات الحكومية أن الحل الحقيقي يبدأ من وقف أسباب الأزمة ومحاسبة من صنعها، لا من البحث كلما ارتفعت الديون عن أصل جديد من أصول المصريين لوضعه على مائدة التسوية.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى