مصرملفات وتقارير

تداعيات صراعات البحر الأسود تدق الأبواب.. هل ينجو “رغيف العيش” في مصر من براثن الغلاء العالمي؟

تجاوزت القفزات المتلاحقة لأسعار القمح في البورصات العالمية كونها مجرد مؤشرات اقتصادية صماء، لتتحول إلى هواجس يومية تؤرق المواطن المصري، لاسيما وأن الحبة الصفراء ترتبط ارتباطاً وثيقاً بأهم عنصر على مائدة الغذاء المحلية: رغيف الخبز.

على وقع التوترات المتصاعدة في حوض البحر الأسود، وما يرافقها من استهداف للموانئ ومراكز تخزين وتصدير الحبوب في روسيا وأوكرانيا، جنباً إلى جنب مع المكاسب القياسية التي حققتها عقود القمح الآجلة في بورصة شيكاغو، تتزايد المخاوف حيال انعكاسات هذه الأزمات الجيوسياسية على الأسواق الداخلية في مصر عاجلاً لا آجلاً.

وفي هذا السياق، أحرزت أسعار القمح ببورصة شيكاغو خلال شهر أغسطس الجاري قفزة نوعية بلغت نحو 19%، مسجلة أكبر صعود شهري لها منذ أعوام عدة وفقاً لتقديرات دولية، في وقت تظل فيه الدولة المصرية متكئة بشكل كبير على الأسواق الخارجية لتلبية القسم الأعظم من احتياجاتها السنوية.

وبينما تسارع الجهات الحكومية إلى طمأنة الشارع عبر التأكيد على وفرة المخزون الاستراتيجي للبلاد لفترة آمنة، يقرأ المواطن البسيط المشهد من نافذة مختلفة؛ فمع تفاقم تكاليف الشحن والتأمين والمادة الخام، تتنامى المخاوف من قدرة الميزانية الأسرية على استيعاب موجة تضخمية جديدة.

الخبز.. أبعد من مجرد وجبة يحظى الخبز بمكانة محورية في النمط الاستهلاكي للمجتمع المصري، ما يجعله سلعة ذات حساسية بالغة تتخطى أبعادها المادية لتلامس الأمن الاجتماعي والمعيشي للأسر.

وتشير البيانات الصادرة عن رئاسة مجلس الوزراء، ممثلة في تصريحات سابقة لرئيس الحكومة مصطفى مدبولي، إلى أن الاستهلاك اليومي للمصريين يحلق عند حاجز 270 مليون رغيف، وهو رقم يعكس ضخامة الطلب المرتفع على هذه السلعة الحيوية.

ولا يتلخص التحدي الحقيقي للشرائح الفقيرة ومتدنية الدخل في سعر الرغيف بمفرده، بل في تتابع الضربات التضخمية التي مست مختلف السلع والخدمات طوال الأعوام الماضية؛ إذ إن أي زيادة طفيفة في ثمن الخبز ستأتي في توقيت تحارب فيه الأسر لتوزيع دخلها المحدود بين إطعام أفرادها ومصاريف السكن والتعليم والمواصلات.

هذا الضغط المعيشي يعني بالضرورة لبعض العائلات اضطرارها للتخلي عن متطلبات أساسية أخرى، أو تقليص حصص الطعام اليومية، أو البحث عن بدائل زهيدة الثمن وأقل جودة.

هل ينعكس الغلاء فوراً على الخبز المدعوم؟ من جهته، استبعد عبد الله غراب، رئيس شعبة المخابز باتحاد الغرف التجارية، حدوث أي تأثير آني أو مباشر على أسعار الخبز جراء الهزات التي تلقتها سلاسل إمداد القمح العالمية.

وأوضح غراب في حديثه لصحيفة «الشرق الأوسط» أن الدولة تحتفظ باحتياطي استراتيجي وافر يغطي الاستهلاك لعدة أشهر قادمة، وهو صمام الأمان الذي يكفل حماية سعر ومواصفات الرغيف المدعوم في الوقت الراهن حسب تقييمه.

وبناءً على هذه المعطيات، فإن المستفيدين من منظومة الخبز المدعوم بالسعر الرسمي لا يواجهون خطراً قريباً بزيادة التكلفة بفعل الطפריة العالمية للقمح.

غير أن هذا الاستقرار الظاهري لا يلغي تماماً بصمات الأزمة الخارجية على الاقتصاد المصري؛ فالاحتياطي المتوافر يمنح الحكومة متسَعاً من الوقت لامتصاص الصدمات المؤقتة، لكنه يظل عاجزاً عن كبح جماح الأسعار للأبد إن استمر النزيف السعري العالمي لفترة أطول، خاصة مع استمرار الاعتماد الكثيف على الاستيراد.

الهاجس الأكبر.. مرحلة ما بعد نفاذ المخزون بدوره، يرى الدكتور شريف سمير فياض، أستاذ الاقتصاد الزراعي، أن المخزون الاستراتيجي ينجح في تحييد الصدمة وحماية السوق المحلي على المدى القصير، محذراً في الوقت ذاته من تداعيات أعمق في حال طال أمد الاضطراب في بورصات الحبوب.

ولفت فياض في تصريحاته صحفية إلى أن التأثيرات السلبية قد تطفو على السطح لا سيما في قطاع الخبز الحر (غير المدعم)، والذي يرتبط ارتباطاً وثيقاً بأسعار المدخلات ومتغيرات السوق الحرة، في حين تواصل الدولة تحمل العبء المالي لفروق تكلفة الإنتاج للخبز المدعم حمايةً للشرائح الأولى بالرعاية.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى