د. أيمن نور يكتب: الرجل الذي يريد بيع سقف بيته ليسدد فاتورة الكهرباء

أقدر محاولة المهندس أحمد هيكل البحث عن مخرج غير تقليدي لأزمة الدين العام المحلي، وأتفهم رغبته في تخفيف عبء الفوائد حتى تستعيد الدولة قدرتها على الإنفاق على الصحة والتعليم والحماية الاجتماعية. لكن اقتراحه يذكرني برجل باع سقف بيته ليسدد فاتورة الكهرباء. سدد فاتورة عابرة، لكنه ترك البيت كله مكشوفا.
يا ابن الأستاذ الكبير محمد حسنين هيكل، اسمح لي أن أخالفك الرأي. فما يصلح لتسوية مديونية ماسبيرو لا يصلح لتصفير ديون دولة كاملة. والفارق ليس في حجم المقايضة فقط، بل في طبيعة الدين، وهوية الدائنين، ووظيفة الأصول، وما يترتب على نقلها من مخاطر اقتصادية وسيادية.
وفي صفقة ماسبيرو، تبرز مسألة تتجاوز مجرد التسوية المحاسبية؛ إذ حصل على أراض من الدولة بهدف توسيع نشاطه الإعلامي، لكنه لم يوظفها لهذا الغرض، ولم يسدد مقابلا فعليا لها، ثم استخدمها ضمانا للحصول على قروض. واليوم، تستخدم الأراضي ذاتها في تسوية ديونه. وبذلك، تحولت أصول حصلت عليها جهة عامة من الدولة إلى ضمانات، ثم أعيدت إليها لإسقاط الدين، في حين يتحمل المواطن تبعات هذه الخسارة.
هذه ليست تصفية حقيقية للدين، بل تدوير له بين دفاتر الدولة. أما الدين العام المحلي فخلفه بنوك ومودعون وأذون خزانة وصناديق تأمينات ومعاشات ومؤسسات مالية. وكل جنيه يشطب يعني أن طرفا تحمل خسارته، أو أن نقودا جديدة صدرت لتعويضه، أو أن الدولة تنازلت عن أصل عام لا تملك حق التفريط فيه.
وقد يختفي الدين من دفتر، لكنه سيظهر في دفتر آخر، أو في صورة تضخم وغلاء وانخفاض في قيمة العملة والمدخرات. فإذا زاد الإنفاق من دون زيادة موازية في الإنتاج والإيرادات، حصل المواطن على دعم بيد، ثم سلبته الأسعار أضعافه باليد الأخرى.
كما أن البنك المركزي ليس صندوقا سياديا لإدارة المصانع والفنادق والموانئ والممرات البحرية. وظيفته حماية العملة واستقرار الأسعار وإدارة السيولة والسياسة النقدية. وتحميل ميزانيته بأصول ضخمة وغير سائلة، مقابل إلغاء ديون الحكومة، قد يفقده استقلاله ووظيفته، وربما يجعله لاحقا في حاجة إلى إعادة رسملة من الخزانة نفسها.
أما إدخال قناة السويس في هذا التصور فهو أخطر ما فيه. فالقناة ليست أرضا زائدة، ولا شركة متعثرة، ولا أصلا خاملا. إنها مرفق سيادي، وممر ملاحي دولي، ومصدر للعملة الأجنبية، وجزء أصيل من أمن مصر القومي. كما تلزم المادة الثالثة والأربعون من الدستور الدولة بحمايتها وتنميتها والحفاظ عليها باعتبارها ممرا مائيا دوليا مملوكا لها.
ولا يصبح نقل القناة آمنا لمجرد أن البنك المركزي مملوك للدولة. فالملكية السيادية المباشرة للمرفق العام تختلف قانونيا وسياسيا عن تحويله إلى أصل مالي داخل ميزانية مصرفية. وما يدخل الميزانية يصبح قابلا للتقييم والاستثمار، وربما للرهن أو التصرف. وهنا يفتح الاستثناء الصغير بابا لا نعرف أين ينتهي.
ومن واقع خمسة عشر عاما قضيتها نائبا في البرلمان أراجع الموازنات والحسابات الختامية وسياسات الاقتراض، تعلمت أن أخطر القرارات هي التي تبدأ كإجراء مؤقت ثم تتحول إلى قاعدة دائمة. وتعلمت أن الحكومات حين تعجز عن ضبط إنفاقها تنظر إلى الأصول العامة باعتبارها مخزونا نقديا جاهزا، مع أنها حقوق للمصريين ولأجيال لم تولد بعد.
قناة السويس ليست ملكا لوزارة المالية، ولا للبنك المركزي، ولا للحكومة القائمة. إنها ملك لمصر. دفع المصريون ثمنها عملا ودما وحربا. ولا يجوز تحويلها من مصدر دائم للدخل والسيادة إلى مقابل مؤقت لديون صنعتها سياسات قابلة للمراجعة. فلا نعالج إنفاقا يمكن وقفه بالتفريط في أصل لا يمكن تعويضه.
كما أن نقل الأصول لا يعالج المرض الذي صنع الدين. فإذا بقي العجز، واستمر الاقتراض، وارتفعت الفوائد، وتواصل الإنفاق على مشروعات متفاوتة الأولوية والعائد، فسوف يتكون دين جديد بعد استهلاك الأصول القديمة. وعندها نكون قد بعنا السقف، وسددنا فاتورة الكهرباء، ثم اكتشفنا أن الأسلاك نفسها ما زالت تحترق.
الحل يبدأ بإيقاف آلة إنتاج الدين، ومراجعة المشروعات الأقل أولوية، وخفض تكلفة الاقتراض، وإطالة آجال الاستحقاق، وإصلاح الشركات العامة، وزيادة الإنتاج والتصدير، وتوسيع القاعدة الضريبية بعدالة، وإخضاع الديون والضمانات السيادية والإنفاق العام لرقابة برلمانية حقيقية.
يمكن استثمار الأصول غير الاستراتيجية بكفاءة، وطرح حصص محدودة من بعض الشركات وفق تقييم مستقل ومنافسة شفافة، وتوجيه العائد إلى خفض حقيقي للدين. لكن هناك فارقا بين تعظيم عائد أصول الدولة وبين تصفية رأسمالها السيادي لسداد التزامات صنعتها إدارة مالية سيئة.
المواطن لن يرى الإنجاز لأننا نقلنا الدين من دفتر إلى آخر، ولن يرى إيجيبت إذا بعنا له مصر قطعة بعد أخرى. سيرى الإنجاز عندما تنتج الدولة أكثر مما تقترض، وعندما يتحول المال العام إلى علاج وتعليم وفرص عمل، وعندما تتوقف الحكومة عن تمويل الحاضر ببيع المستقبل.
المقايضة قد تصلح أداة فنية محدودة. أما قناة السويس فليست للمقايضة ولا للبيع. إنها خط أحمر دستوري واقتصادي وسيادي. ومن يريد إنقاذ الموازنة فعليه أن يغير السياسات التي صنعت الدين، لا أن يبيع سقف البيت كي يسدد فاتورة الكهرباء.







