
دراسة سياسية شرعية لتأصيل طبيعة العلاقة مع السلطة، وهل هي صراع صفري أم خلاف سياسي، وأشكال التعامل معها للباحث والناشر محمد أبو عجور.. أدعوكم لقراءتها والتفاعل معها بهدوء وعقل بارد.
حدثت في الآونة الأخيرة سجالات وتجاوزات أرى أن سببًا مهمًا منها هو عدم دقة فهم وتحرير المصطلحات السياسية والشرعية، ولذلك انتظرت بعض الوقت للتعليق حتى تهدأ النفوس وتخف حدة الحوار، ويصبح من الممكن مناقشة الأفكار بعيدًا عن الأشخاص، وتحرير محل النزاع بعيدًا عن الاتهام والتخوين والمزايدة. فالمشكلة في تقديري ليست مجرد خلاف حول لفظ: هل ما بين السلطة المصرية ومعارضيها «خلاف سياسي» أم ليس كذلك؟ وإنما المشكلة أعمق: ما المقصود بالخلاف السياسي؟ وهل كل فعل غايته الوصول إلى السلطة أو الاحتفاظ بها يصبح أداة سياسية مشروعة؟ وهل القتل والتعذيب والسجن والإخفاء القسري يمكن اختزالها في وصف «الصراع السياسي»؟ وهل الاعتراف بأن أصل النزاع سياسي يعني إسقاط الدماء والحقوق؟ وفي الاتجاه المقابل: هل وقوع الدماء يغلق باب السياسة والتفاوض والمراجعة والتسوية إلى الأبد؟ هذه الأسئلة لا تجيب عنها الشعارات، وإنما تحتاج إلى التفريق بين منشأ الصراع وموضوعه، ووسائله، والأوصاف الشرعية للأفعال الواقعة فيه، والحقوق الناشئة عنها، ثم كيفية إدارة الواقع بعد وقوعها.
أصل الصراع سياسي.. لكن ليس كل ما وقع خلافًا سياسيًا
الخلاف السياسي في معناه الطبيعي هو اختلاف في إدارة الشأن العام: من يحكم؟ وكيف يحكم؟ وما حدود السلطة؟ وكيف تُراقب؟ وما السياسات العامة؟ وكيف تنتقل السلطة؟ وتدور أدواته المشروعة حول الشورى والحوار والانتخابات والمشاركة والنقد والتظاهر السلمي والتفاوض والوساطة والمصالحة وغير ذلك من الوسائل التي لا تتضمن في ذاتها محرمًا شرعيًا أو اعتداءً على حق معتبر. قال الله تعالى: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ﴾ [الشورى: 38]، وقال سبحانه: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ [آل عمران: 159].
لكن السياسة أوسع من «الخلاف السياسي المشروع». فقد يقع صراع على السلطة تستخدم فيه وسائل محرمة وقسرية. فالانقلاب العسكري فعل سياسي من حيث غايته؛ لأنه يتعلق بتغيير من يملك السلطة، والقمع قد يكون قمعًا سياسيًا من حيث دوافعه، لكن وصف الفعل بأنه «سياسي» لا يجعله مشروعًا شرعًا أو قانونًا. وهنا يجب التفريق بين عبارتين: «أصل الصراع سياسي من حيث تعلقه بالسلطة والشرعية» وبين «ما وقع مجرد خلاف سياسي». الأولى يمكن أن تكون وصفًا صحيحًا، أما الثانية إذا أريد بها تسوية الانقلاب والقتل والتعذيب والسجون والإخفاء والتهجير بالخلاف الطبيعي بين حكومة ومعارضة فهي عبارة قاصرة لا تستوعب حقيقة ما وقع. فالسياسة تصف ميدان الصراع وموضوعه، لكنها لا تمحو الحكم الشرعي المستقل للأفعال التي تقع داخله.
الجريمة السياسية تبقى جريمة
حين يقع قتل بغير حق فهو قتل محرم ولو كانت غايته سياسية، وحين يقع التعذيب فهو ظلم وعدوان ولو مورس لحماية نظام حكم، وحين يُعتقل إنسان بغير حق فذلك اعتداء ولو كان المعتقل خصمًا سياسيًا، وحين يُقذف الناس أو تُنتهك أعراضهم فإن الفعل لا يصبح مباحًا لأنه جرى في معركة إعلامية. قال تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ [الإسراء: 33]، وقال سبحانه: ﴿وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [البقرة: 190]، وقال تعالى: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ﴾ [المائدة: 8]. فلا يجوز أن تتحول عبارة «الصراع السياسي» إلى مظلة تلغي الأسماء الشرعية للأفعال: ظلم، وعدوان، وقتل محرم، وتعذيب، وغصب للحقوق.
الدماء ليست ورقة سياسية
من أهم ما يجب تثبيته أن الدماء في الشريعة ليست ملكًا للأحزاب والجماعات والقيادات السياسية تتصرف فيها كيف تشاء. قال الله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: 179]. وروي عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما عن النبي ﷺ: «لَزَوَالُ الدُّنْيَا أَهْوَنُ عَلَى اللَّهِ مِنْ قَتْلِ رَجُلٍ مُسْلِمٍ». أخرجه الترمذي في السنن، كتاب الديات، رقم (1395)، والنسائي في السنن، كتاب تحريم الدم، رقم (3987)، وقد بيّن الترمذي أن الموقوف على عبد الله بن عمرو أصح من بعض طرق الرفع، بينما صحح بعض المتأخرين المرفوع بالشواهد، ومن ثم فالأولى عند الاستشهاد العلمي الإشارة إلى هذا الخلاف وعدم الجزم بنسبة الرفع من غير تنبيه.
ومن هنا يجب التمييز بين الحقوق العامة التي يمكن للقيادات السياسية أن تجتهد في ترتيبها وبين الحقوق الخاصة التي لا تملك إسقاطها دون أصحابها. فالقيادة تستطيع أن تفاوض في شكل النظام وآليات المشاركة والفترات الانتقالية والضمانات السياسية والانتخابات وأولويات المرحلة، لكنها لا تملك من تلقاء نفسها أن تقول لمن قُتل ابنه أو عُذب أو صودر ماله أو انتهكت حرمته: لقد أسقطنا حقك ضمن التسوية السياسية. وهذا التفريق له أصل فقهي معتبر، فالسلطة لا تتصرف في حقوق الرعية تشهيًا، وإنما بالمصلحة والعدل، ومن القواعد الفقهية المشهورة: «تصرف الإمام على الرعية منوط بالمصلحة»، وقد نص عليها السيوطي في الأشباه والنظائر، كما ذكرها ابن نجيم.
التسوية السياسية لا تعني إسقاط العدالة
من الخطأ تصور أن الاعتراف بالطبيعة السياسية للصراع يعني الدعوة إلى مصالحة بلا شروط أو نسيان الماضي، كما أن من الخطأ المقابل أن تتحول المطالبة بالعدالة إلى منع دائم لكل تفاوض أو هدنة أو تسوية. فالصلح مشروع، والهدنة مشروعة، والمفاوضة مشروعة، وقبول بعض الممكن عند العجز عن جميع المطلوب قد يكون مشروعًا، وتأجيل بعض المطالب لمصلحة راجحة قد يكون مشروعًا. قال تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: 16]، وقال سبحانه: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: 286].
لكن يوجد فارق جوهري بين تأجيل المطالبة بالحق وإسقاط الحق نفسه، وبين قبول تسوية مرحلية وإعادة تعريف الجريمة كأنها لم تكن جريمة. وقد تعجز قوة سياسية عن تحقيق العدالة كاملة في مرحلة ما، فتقبل بوقف الظلم القائم وإطلاق المعتقلين وفتح المجال العام وضمان حد أدنى من الحريات، مع بقاء مطالب العدالة قائمة. وهذا من حيث الأصل يمكن أن يدخل في السياسة الشرعية بحسب المصلحة والقدرة والمآل.
فقه المآلات أساس في السياسة الشرعية
لا يكفي في القرار السياسي أن تكون النية حسنة أو الغاية مشروعة، بل يجب النظر فيما يترتب على الفعل. قال الإمام الشاطبي: «النظر في مآلات الأفعال معتبر مقصود شرعًا»، وبيّن أن المجتهد لا يحكم على الفعل بالإقدام أو الإحجام إلا بعد النظر في ما يؤول إليه، فقد تكون الوسيلة مشروعة في أصلها ثم تؤدي إلى مفسدة تساوي مصلحتها أو تزيد عليها. انظر: الشاطبي، الموافقات، كتاب الاجتهاد، المسألة العاشرة، ج5. ومن هنا فإن السؤال ليس فقط: هل الموقف حق؟ بل أيضًا: هل الوسيلة مناسبة؟ وهل نملك القدرة عليها؟ وماذا سيترتب عليها؟ وهل تحفظ القضية أم تستنزفها؟
فقه الموازنات ليس فقه الهزيمة
كثيرًا ما يُساء استخدام مفهوم «فقه الموازنات». فريق يرفض كل تنازل مرحلي ويعده خيانة، وفريق يستخدم «المصلحة» لتسويغ التراجع المستمر، وكلاهما يخطئ. فقه الموازنات يعني الموازنة بين المصلحة والمفسدة، والقدرة والعجز، والأولوية وما دونها، والمكسب الآني والمآل البعيد. وقد يكون الثبات هو المصلحة، وقد تكون الهدنة هي المصلحة، وقد يكون الانسحاب التكتيكي هو الصواب، وقد يكون التنازل ممنوعًا إذا كان يهدم أصل القضية ولا يحقق مصلحة معتبرة. فالسياسة الشرعية ليست تقدمًا دائمًا ولا تراجعًا دائمًا، وإنما حفظ المقاصد بأقصى ما تسمح به الاستطاعة.
الحديبية: دليل على التفاوض لا تفويض مفتوح للتنازل
يكثر الاستشهاد بصلح الحديبية في مثل هذه القضايا، والاستدلال به صحيح من حيث إثبات جواز التفاوض والهدنة وقبول شروط شاقة في بعض الظروف، لكن الحديبية لا تصلح دليلًا عامًا على صحة كل تسوية. فالنبي ﷺ لم يتخل عن أصل الرسالة، ولم يعترف بصحة باطل قريش، وإنما قبل ترتيبًا مرحليًا رأى فيه مصلحة راجحة. ولهذا فالسؤال الشرعي ليس: هل تفاوضت؟ بل: على ماذا تفاوضت؟ وماذا حفظت؟ وماذا قدمت؟ وما المقابل؟ وما المآل المتوقع؟ فقد يكون الاتفاق فتحًا لباب أوسع من الحرية والعدل، وقد يكون غطاءً لتفكيك ما تبقى من القوة، والتفريق بينهما هو جوهر الاجتهاد السياسي.
ليس كل رفض للتسوية ثباتًا
قد يكون رفض التسوية شجاعة وثباتًا إذا كانت التسوية استسلامًا أو تنازلًا مجانيًا عن أصل الحق، لكن رفضها قد يكون أحيانًا عجزًا عن قراءة الواقع. ليس الوفاء للشهداء أن نضيف شهداء جددا في طريق لا أفق له، وليس الوفاء للمعتقلين أن نكتفي بخطاب شديد لا يفتح سبيلًا إلى إخراجهم. بل الواجب أن نسأل: ماذا نستطيع؟ ما موازين القوى؟ ما المكسب الممكن؟ ما تكلفة الرفض؟ ما تكلفة القبول؟ وهل نشتري بالتسوية وقتًا لاستعادة القدرة أم نعطي الخصم وقتًا لتصفية ما بقي منها؟ وهذه كلها أسئلة من صميم السياسة الشرعية؛ لأنها تدخل في باب المآلات.
وليس كل دعوة للتسوية حكمة
في المقابل، ينبغي الحذر من تحويل العجز المرحلي إلى عقيدة عجز. هناك فرق بين أن تدرك ضعفك وبين أن تُقنع نفسك بأنك عاجز دائمًا، وبين أن تهدأ لاستعادة القدرة وبين أن تجعل التراجع سياسة دائمة، وبين الواقعية وبين إقناع المظلوم بأن مجرد مطالبته بحقه تطرف. فالحقوق التي يفقد أصحابها الإيمان بها يصعب استعادتها حتى لو تغير ميزان القوة. ومن واجب القيادة أن تجمع بين الحقيقة والأمل: تعترف بحدود القدرة، لكنها لا تمحو حق الناس ولا تكسر إرادتهم.
الصراع السياسي لا يتحول تلقائيًا إلى صراع عقدي
ومن الأخطاء الخطيرة تحويل الخصومة السياسية إلى مفاصلة إيمانية مطلقة. ليس كل ظالم كافرًا، وليس كل مستبد خارجًا من الملة، وليس كل من يفاوضه مواليًا له موالاة عقدية، وليس كل خلاف سياسي خلافًا في أصول الإيمان. قال تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا ۖ فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَىٰ فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّىٰ تَفِيءَ إِلَىٰ أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الحجرات: 9]. فالآية أثبتت وصف الإيمان للطائفتين مع وقوع الاقتتال، وفي الوقت نفسه وصفت إحداهما عند تحقق العدوان بأنها باغية، وأمرت بردها إلى العدل. وهذا يؤكد إمكان اجتماع أمرين: بقاء الخصومة داخل الدائرة الإسلامية، ووجود وصف شرعي شديد على الفعل المعتدي.
مفهوم «البغي» أدق من التوصيفات المسطحة.. لكنه يحتاج إلى شروطه
من المفيد التذكير بأن الفقه الإسلامي لم يحصر النزاعات العامة بين «خلاف سياسي عادي» و«حرب عقدية»، بل عرف أوصافًا مثل الظلم والعدوان والغصب والبغي ونقض العهد والقتل المحرم. لكن ينبغي الحذر من إسقاط مصطلح «البغي» على أي واقعة معاصرة تلقائيًا؛ لأن الفقهاء جعلوا له شروطًا وأحكامًا خاصة. والأصح أن يقال: وجود باب «أحكام البغاة» في الفقه يكشف أن الشريعة لا تضطرنا إلى أحد طرفين: إما اعتبار كل شيء خلافًا عاديًا، أو تحويل النزاع إلى حرب دينية. وقد روي عن علي رضي الله عنه في شأن بعض مخالفيه قوله: «إخواننا بغوا علينا»، وهو أثر مشهور في كتب الفقه والتفسير، لكن طرقه متفاوتة، ولذلك يستأنس به ولا يقدم على النصوص القطعية أو الأحاديث الصحيحة.
القصاص عدالة لا ثأر
من الأخطاء كذلك أن تتحول المطالبة بالعدالة إلى خطاب انتقام. فالقصاص في الإسلام لم يشرع لتوسيع الثأر، وإنما لضبطه وإخراجه من الانتقام الأهلي إلى القضاء والعدل. قال تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [البقرة: 179]. وهناك فرق هائل بين أن نقول: «نريد محاسبة عادلة أمام قضاء مستقل بضمانات كاملة» وبين أن نقول: «سننتقم حين نصل إلى السلطة». الأولى دولة وعدل، والثانية قد تفتح دورة جديدة من الدماء، والعدل لا يعني أن يفعل المظلوم بخصمه كل ما فعله الخصم به.
ضبط اللغة جزء من ضبط الصراع
ولا يجوز أن يتحول رفض الظلم إلى فحش دائم في الخطاب. فليس معنى أن خصمك ظلمك أن يصبح كل سب مشروعًا، ولا يعني رفض الشتيمة أنك تبرئ الظالم. يمكن أن نصف الانقلاب بأنه انقلاب، والقتل بأنه قتل، والتعذيب بأنه تعذيب، والظلم بأنه ظلم، والجريمة بأنها جريمة، وهذه ألفاظ أدق وأشد أثرًا من السباب؛ لأنها تحمل وصفًا أخلاقيًا وشرعيًا وقانونيًا، لا مجرد انفجار غضب. والسياسة الحكيمة لا تمنح خصمها مجانًا فرصة تحويل صورته من سلطة متهمة بالظلم إلى دولة تدّعي مواجهة خطاب انتقام وفوضى.
ما الذي تملكه القيادة السياسية؟
تملك القيادة أن تجتهد في التفاوض أو المقاطعة، والتصعيد أو التهدئة، والمشاركة أو الانسحاب، والتحالف السياسي المشروع، وترتيب الأولويات، وقبول مراحل انتقالية، وتأجيل بعض المطالب بحسب القدرة والمصلحة، لكنها لا تملك تحويل الباطل إلى حق، أو إنكار جريمة ثبتت، أو إسقاط حقوق خاصة لا تملكها، أو إعادة كتابة التاريخ من أجل تسهيل اتفاق سياسي. وهنا تعود قاعدة «تصرف الإمام على الرعية منوط بالمصلحة»، وهي ليست بابًا لإطلاق يد القيادة، بل العكس؛ هي قيد عليها، فلا تتصرف تشهيًا، وإنما بما يحقق المصلحة المعتبرة ويحفظ حقوق الناس.
هل رسائل التهدئة مشروعة؟
نعم، من حيث الأصل. فقد تكون رسالة التهدئة مدخلًا إلى إطلاق معتقلين، أو وقف تصعيد، أو فتح وساطة، أو اختبار جدية الطرف الآخر، لكن السياسة لا تقاس بالنوايا وحدها. فإذا خفّض طرف سقفه مرة بعد مرة ولم يتلق أي خطوة مقابلة، فقد يقرأ الطرف الأقوى ذلك باعتباره ضعفًا لا رغبة متبادلة في الحل. أما التهدئة السياسية الرشيدة فالأصل أن تبحث عن مسار تبادلي: خفض للتصعيد يقابله إجراء حقيقي، وفتح للحوار يقابله إفراج أو وقف انتهاك، وخطوات لبناء الثقة يقابلها التزام من الطرفين. أما التنازل الأحادي المتكرر فليس بالضرورة «فقه موازنات».
التوصيف الجامع
بعد تحرير هذه المعاني، أرى أن الصياغة الأقرب للدقة هي: ما جرى في مصر صراع سياسي على الشرعية والسلطة في منشئه وموضوعه، لكنه لم يبق في حدود الخلاف السياسي المشروع، بل اقترن بانقلاب وقمع ومظالم ودماء وانتهاكات لها أوصاف وأحكام شرعية وقانونية مستقلة. ولذلك لا يجوز محو هذه الحقوق تحت عنوان السياسة، كما لا يجوز أن تتحول المطالبة بها إلى مشروع ثأري أو عقدي يغلق أبواب السياسة والتفاوض وفقه الاستطاعة والمصلحة والمآلات.
وهذا يخرجنا من الثنائية المختلة: ليس «مجرد خلاف سياسي»، وليس «معركة عقدية لا مكان فيها للسياسة»، بل هناك نزاع على الشرعية، وظلم يجب وصفه باسمه، وحقوق يجب حفظها، وواقع قوة يجب قراءته، وسياسة يجب ألا تُقتل، وعدالة يجب ألا تُمحى.
لا نهرول.. ولا نجمد
ليست الحكمة أن تهرول القيادة إلى خصمها كلما اشتد عليها الواقع فتتنازل في كل مرحلة حتى لا يبقى شيء، وليست الحكمة كذلك أن تجعل كل تفاوض خيانة، وكل مراجعة ضعفًا، وكل تسوية استسلامًا. السياسة الشرعية تجمع بين ثبات المقصد ومرونة الوسيلة. المقصد هو العدل ورفع الظلم وحماية الكرامة وصيانة الحقوق ومنع الاستبداد، أما الوسائل فتتغير بتغير القدرة والظروف والمآلات. قد تقبل خطوة ناقصة لأنها تقربك من الحق، لكن لا تعيد تعريف الباطل حقًا حتى تبرر هذه الخطوة. قد تؤجل المطالبة بحق لعجز مؤقت، لكن لا تقل إن الحق نفسه سقط. قد تصالح خصمًا، لكن لا يلزم أن تنكر ما وقع حتى تصالحه.
في النهاية
نحن بحاجة إلى تصحيح خطابنا في الاتجاهين. لا يجوز تحويل الصراع السياسي إلى معركة عقدية يوزع فيها الإيمان والكفر على أساس الموقف من السلطة، ولا يجوز تحويل القتل والتعذيب والاعتقال والإخفاء والتهجير إلى مجرد «تكلفة سياسية» يمكن تجاوزها بقرار من قيادة. لا يجوز استخدام الشهداء لمنع كل اجتهاد جديد، ولا يجوز استخدام «فقه الموازنات» لمحو قضية الشهداء والمعتقلين والمظلومين. لا يجوز دفع الناس إلى مواجهة فوق طاقتهم باسم الثبات، ولا يجوز تربيتهم على الاستسلام باسم الواقعية. لا يجوز أن تكون المصالحة اسمًا للتنازل المجاني، ولا يجوز أن تصبح العدالة اسمًا للثأر.
والقاعدة التي ينبغي أن تحكمنا هي: نثبت على الحق ونراجع الوسائل، نحفظ الدماء ولا نتاجر بها، نطالب بالعدل ولا نتحول إلى مشروع انتقام، نتفاوض حين تكون المصلحة في التفاوض ونرفض حين يصبح التفاوض تفريطًا، نراعي موازين القوى دون أن نجعل القوة مصدرًا للحق، نؤجل ما نعجز عنه دون أن نسقطه، ونفرّق بين ما يجوز للقيادة الاجتهاد فيه وبين حقوق الناس التي ليست ملكًا لها.
وبعبارة جامعة: لا ننسى الدماء باسم السياسة، ولا نقتل السياسة باسم الدماء؛ ولا نهرول تحت ضغط الضعف، ولا نكابر على الضعف حتى نهلك ما بقي من القوة. وبين الحق والاستطاعة والمآل تتحرك السياسة الشرعية الرشيدة.
المصادر والمراجع
القرآن الكريم: سورة البقرة، الآيات 179، 190، 286؛ سورة آل عمران، الآية 159؛ سورة المائدة، الآية 8؛ سورة الإسراء، الآية 33؛ سورة الشورى، الآية 38؛ سورة الحجرات، الآية 9؛ سورة التغابن، الآية 16.
الترمذي، محمد بن عيسى، سنن الترمذي، كتاب الديات، حديث رقم (1395)، في حديث: «لزوال الدنيا أهون على الله من قتل رجل مسلم»، مع التنبيه إلى كلام الترمذي في ترجيح الوقف في بعض طرقه.
النسائي، أحمد بن شعيب، سنن النسائي، كتاب تحريم الدم، حديث رقم (3987).
الشاطبي، إبراهيم بن موسى، الموافقات، كتاب الاجتهاد، المسألة العاشرة، في قاعدة: «النظر في مآلات الأفعال معتبر مقصود شرعًا»، ج5، ص177-178 بحسب بعض الطبعات.
السيوطي، جلال الدين، الأشباه والنظائر، قاعدة: «تصرف الإمام على الرعية منوط بالمصلحة».
ابن نجيم، زين الدين بن إبراهيم، القاعدة نفسها في تصرف الإمام بالمصلحة.
البغوي، الحسين بن مسعود، معالم التنزيل، تفسير سورة الحجرات، الآية 9، في أحكام الإصلاح بين الطائفتين ووصف البغي.
ويروى عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه في بعض وقائع الفتنة قوله: «إخواننا بغوا علينا»، وهو أثر مشهور في كتب الفقه والتفسير، إلا أن طرقه متفاوتة.
محمد أبو عجور







