مقالات وآراء

فرج المجبري يكتب: بولس يعود من الباب الخلفي: هل تصبح «4+4» بوابة لتمرير الصفقة؟

لم يكن رفض مسار المبعوث الأميركي مسعد بولس نهاية للفكرة التي طرحها، بل كان فشلًا في تمريرها بصيغتها المباشرة. فقد واجه المسار اعتراضًا سياسيًا ومؤسسيًا واضحًا، خصوصًا من مؤسسات ليبية رأت فيه تجاوزًا لترتيبات الشرعية القائمة ومحاولة لإعادة تشكيل السلطة من خلال تفاهم بين مراكز القوة الفعلية. لكن ما يجري اليوم يستحق التوقف عنده بجدية، لأن الفكرة نفسها تبدو وكأنها تعود من بوابة أخرى: مسار «4+4»، وبرعاية بعثة الأمم المتحدة للدعم

المسألة ليست في اجتماع أربعة من هنا وأربعة من هناك، ولا في التوقيع على تفاهمات تتعلق بالانتخابات. المسألة في ما سيأتي بعد التوقيع. فإذا كانت مخرجات هذا المسار ستتجاوز الملف الانتخابي إلى تشكيل سلطة تنفيذية واحدة وإعادة ترتيب مؤسسات الحكم، فنحن أمام مسار سياسي يعيد توزيع السلطة في ليبيا، وليس مجرد آلية فنية لتسهيل الانتخابات.

وهنا يجب أن يكون السؤال مباشرًا: من أعطى «4+4» حق إعادة تشكيل السلطة الليبية؟ اللجنة ليست مؤسسة دستورية، وأعضاؤها لا يملكون، بمجرد مشاركتهم في هذا المسار، تفويضًا بإعادة بناء النظام السياسي أو اختيار السلطة التي ستدير البلاد. وإذا كانت البعثة الأممية ستتولى رعاية مخرجات هذا المسار، فعليها أن توضح بجلاء حدود هذه الرعاية: هل هي مساعدة على الحوار، أم اعتماد سياسي لمخرجات ستُستخدم لاحقًا لإعادة تشكيل الدولة؟

المخاطر تبدأ عندما يجري ربط القوانين والمواعيد الانتخابية بتشكيل سلطة جديدة. فالانتخابات ليست مجرد تاريخ يحدد في وثيقة، وإنما عملية تحتاج إلى مؤسسات وقواعد وضمانات وسلطة لا تستطيع استخدام أجهزة الدولة ومواردها لمصلحة طرف سياسي. لذلك فإن تشكيل سلطة تنفيذية جديدة قبل الانتخابات ليس تفصيلًا إداريًا؛ إنه جزء من المعادلة الانتخابية نفسها. ومن يحدد شكل السلطة التي ستدير المرحلة الانتقالية يحدد إلى حد كبير البيئة التي ستجري فيها الانتخابات.

وهنا تعود روح مبادرة بولس بوضوح. فجوهر تلك المبادرة كان يقوم على تجاوز الصيغة التقليدية للمؤسسات السياسية والذهاب مباشرة إلى مراكز القوة الأساسية، ثم بناء تفاهم بينها يقود إلى سلطة موحدة. وإذا انتقل هذا المنطق إلى مسار «4+4»، ثم حصل على رعاية أممية، فإن تغيير اسم المسار لا يعني تغيير جوهره. ما لم تستطع مبادرة بولس تمريره مباشرة، يمكن أن يجري تمريره هذه المرة عبر صيغة تبدو ليبية أكثر، وتحظى في الوقت نفسه بغطاء الأمم المتحدة.

وهذا هو مصدر القلق الحقيقي

فالرعاية الأممية لا ينبغي أن تتحول إلى ختم شرعية على تفاهمات تتجاوز المؤسسات الدستورية. البعثة تستطيع أن ترعى الحوار، وأن تقرب وجهات النظر، وأن تساعد الليبيين على الوصول إلى اتفاق، لكنها لا تستطيع أن تمنح لجنة تفاوضية اختصاصًا دستوريًا لا تملكه. التوقيع السياسي لا يصبح قانونًا بمجرد أن يحظى بترحيب دولي، كما أن التوافق بين عدد محدود من الأطراف لا يتحول تلقائيًا إلى شرعية وطنية.

والأخطر من ذلك أن الحديث عن الانتخابات قد يتحول إلى غطاء سياسي لتشكيل سلطة جديدة. فإذا اتفق «4+4» على القوانين والمواعيد، ثم أصبح الاتفاق مدخلًا لتشكيل سلطة تنفيذية واحدة، فإن السؤال لن يكون فقط: متى ستجري الانتخابات؟ بل: من سيحكم ليبيا حتى موعد الانتخابات، وكيف اختير، ومن منحه شرعيته، وما حدود صلاحياته؟

هذه الأسئلة تصبح أكثر إلحاحًا إذا كانت الصيغة التي يجري الدفع نحوها تقوم على إعادة تشكيل المجلس الرئاسي بما يفتح الطريق أمام صدام حفتر رئيسًا للمجلس الرئاسي وقائدًا أعلى للقوات المسلحة، مقابل الإبقاء على عبد الحميد الدبيبة رئيسًا للحكومة. فإذا كانت هذه هي النتيجة التي ستصل إليها الترتيبات الجديدة، فإننا لا نتحدث عن مجرد تسوية انتخابية، بل عن إعادة توزيع جوهر السلطة بين مراكز النفوذ الرئيسية، ثم وضع الانتخابات في نهاية الطريق باعتبارها خطوة لإضفاء الشرعية على النظام الجديد.

وهنا تحديدًا يجب ألا تنخدع الأطراف الليبية بعنوان «توحيد السلطة». توحيد السلطة مطلب وطني، لكن السؤال هو: كيف توحد؟ ولصالح أي صيغة؟ وبأي أساس قانوني؟ ومن يختار رأس السلطة؟ ومن يضمن عدم تحول السلطة الموحدة إلى سلطة أمر واقع جديدة؟ فليبيا عاشت طوال السنوات الماضية سلسلة من السلطات المؤقتة التي بدأت بوصفها جسورًا نحو الانتخابات وانتهت إلى كيانات تتمسك ببقائها وتبحث عن شرعية جديدة.

المطلوب اليوم ليس سلطة جديدة تضاف إلى قائمة السلطات الانتقالية، وإنما قواعد واضحة تمنع أي سلطة من تحويل المرحلة الانتقالية إلى مشروع بقاء. ولا يمكن الوصول إلى ذلك عبر اختزال الدولة في مراكز القوة، ولا عبر تجاوز المؤسسات الدستورية، ولا عبر تحويل لجنة تفاوضية إلى مرجعية سياسية تتولى تحديد مستقبل البلاد.

ولهذا فإن رعاية البعثة الأممية لمراسم التوقيع يجب أن تكون محل تدقيق سياسي وقانوني، لا مجرد مناسبة للاحتفال بتقدم جديد في المسار السياسي. السؤال ليس لماذا ترعى البعثة التوقيع، وإنما ماذا يعني هذا التوقيع بالنسبة للخطوة التالية؟ هل سيكون مجرد اتفاق على إجراءات انتخابية، أم سيكون الأساس الذي ستبنى عليه سلطة جديدة، ثم يجري التعامل معها لاحقًا باعتبارها واقعًا سياسيًا حظي بالقبول الدولي؟

إذا كان السيناريو الثاني هو المطروح، فإن المسألة تصبح في غاية الخطورة. لأن ما لم تستطع مبادرة بولس تمريره باعتباره مشروعًا أميركيًا مباشرًا قد يجد طريقه الآن من خلال مسار «4+4»، ثم يحصل على الغطاء الأممي الذي يمنحه وزنًا سياسيًا أكبر ويصعب على المؤسسات الليبية الاعتراض عليه بعد اكتماله.

وهنا يجب أن يكون التحذير واضحًا: لا يجوز استخدام الانتخابات كذريعة لإعادة تشكيل السلطة بعيدًا عن المؤسسات، ولا يجوز استخدام الرعاية الأممية لتحويل اتفاق سياسي إلى مصدر شرعية دستورية.

لقد أخطأت ليبيا مرارًا عندما بدأت بالسؤال: من سيحكم؟ بدل أن تبدأ بالسؤال: ما القواعد التي سيحكم بموجبها؟ وإذا تكرر الخطأ نفسه اليوم، فلن يكون «4+4» طريقًا للخروج من الأزمة، بل طريقًا لإعادة إنتاجها في صورة جديدة.!!

إذا كانت هذه هي النتيجة التي يجري إعداد الطريق لها، فإن ما يحدث ليس مجرد مسار انتخابي، بل إعادة تأسيس للسلطة الليبية من خارج القواعد الدستورية، ثم استخدام الانتخابات لإضفاء الشرعية عليها.

وهنا لا يعود السؤال: هل ستنجح الانتخابات؟

بل يصبح السؤال الأخطر: من اختار السلطة التي ستصل بالبلاد إليها؟

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى