
حين يتحوّل “الصوت العالي” إلى ضجيج… قراءة في أداء بعض نجوم “الإعلام الموجّه” في مصر.
في المشهد الإعلامي المصري، حيث تتداخل السياسة بالإعلام، وتتشابك المصالح مع الخطاب الجماهيري، يبرز جيلٌ من الإعلاميين الذين تحوّلوا من مهنة “نقل الحقيقة” إلى صناعة “الضجيج”.
إنهم ليسوا مجرد مذيعين أو مقدمي برامج، بل صاروا ظاهرة تستحق الدراسة ظاهرة الإعلامي الذي يرى نفسه “حارساً للبوابة”، لكنه في العمق يمارس دور “البوّاب” الذي يفتح الباب لمن يدفع أكثر، ويغلقه في وجه من يخالف هواه.
من بين هؤلاء، تبرز أسماء مثل أحمد موسى، الذي تحوّل برنامجه “على مسؤوليتي” من نافذة إخبارية إلى منصّة لتصفية الحسابات السياسية، وتوجيه الرأي العام نحو أهداف بعينها، غالباً ما تكون بعيدة عن هموم المواطن البسيط.
موسى، الذي يرفع شعار “كشف الحقائق”، كثيراً ما يكتفي بتقديم “نسخته الخاصة” من الحقيقة، تلك التي لا تتعارض مع خط السلطة، ولا تزعج أصحاب النفوذ.
ولا يختلف الحال كثيراً مع نشأت الديهي، الذي يتنقل بين القنوات والمواقف بمرونة لافتة، وكأنه يبحث عن “الصوت الأعلى” لا عن “الكلمة الأصدق”.
الديهي، الذي يقدّم نفسه كصوت “المعارضة الوطنية”، يمارس في الواقع نوعاً من “المعارضة الآمنة”، تلك التي تنتقد التفاصيل الصغيرة، لكنها تتجنب بعناية المساس بالثوابت الكبرى التي تحكم المشهد.
أما مصطفى بكري، فهو نموذج آخر لظاهرة “الإعلامي النائب”، الذي يجمع بين عضوية البرلمان وتقديم البرامج التلفزيونية، في خليط غريب يجعل من الصعب التمييز بين “الخبر” و”الرأي”، وبين “المعلومة” و”الدعاية”.
بكري، الذي يصف نفسه بـ”المدافع عن الدولة”، كثيراً ما يخلط بين “الدولة” كمؤسسة مجردة، و”الحكومة” ككيان سياسي قابل للنقد، فيقع في فخ “الدفاع الأعمى” الذي يضر بمصداقية الإعلام قبل أن يضر بخصومه.
هؤلاء الإعلاميون، وغيرهم، يشتركون في خصائص محددة
منها القطيعة مع الموضوعية حيث يتحول البرنامج إلى منبر للرأي الواحد، وتغيب المساحات الحقيقية للرأي الآخر.
والاستخدام الانتقائي للمعلومات انتقاء ما يخدم السردية المطلوبة، وتجاهل ما يعارضها، حتى لو كان موثقاً.
وكذلك التضخيم والتهويل بتحويل الأحداث الصغيرة إلى قضايا كبرى إذا كانت تخدم الأجندة، وتجاهل القضايا الكبرى إذا كانت محرجة.
و غياب المساءلة فلا يوجد جهة تحاسب هؤلاء على ما يقولون، فالقنوات التي يعملون فيها إما مملوكة للدولة أو لأصحاب نفوذ، والجمهور في النهاية “متلقٍ” لا “شريك”.
لكن الأخطر من ذلك هو الأثر التراكمي لهذا الأداء على الوعي العام فالمشاهد المصري، الذي يعاني أصلاً من أزمة اقتصادية خانقة، وضغوط معيشية يومية، يجد نفسه أمام إعلام لا يقدم له تحليلاً موضوعياً يساعده على فهم واقعه، بل يغرق في معارك جانبية، ويهرب من الأسئلة الكبرى إلى تفاصيل هامشية.
إن الإشكالية هنا ليست في “الانحياز” بحد ذاته، فالإعلام في كل العالم له توجهات، لكن الإشكالية في غياب الحد الأدنى من المهنية، وفي الاستخفاف بعقل المشاهد، الذي أصبح يدرك جيداً أنه أمام “خطاب موجّه” لا “إعلام نزيه”.
في النهاية، يبقى السؤال المعلق هل يمكن لإعلام يمارس “الرقابة الذاتية” أن ينتج وعياً حقيقياً؟
وهل يمكن لمشاهد فقد ثقته في “الصوت العالي” أن يجد في الإعلام البديل مهما كانت محدوديته ملاذاً للحقيقة؟
الإجابة عن هذه الأسئلة ليست سهلة، لكنها تبدأ من لحظة الاعتراف بأن “الإعلام الفاسد” ليس مجرد أفراد، بل هو منظومة كاملة تحتاج إلى إصلاح جذري، يبدأ من حرية التعبير، ويمر بإعادة تعريف دور الإعلام كسلطة رابعة، وينتهي بمساءلة كل من عبث بعقول المصريين.







