مقالات وآراء

عمرو هاشم ربيع يكتب: كيف أصبح مجلس النواب بعد 30 يونيو ضعيفاً وهشا؟

كثير هو الجدل المثار منذ يونيو 2013 وتحديداً منذ برلمان 2015/ 2016 حتى اليوم حول مجلس النواب، وكيف يُدار؟ وسلطاته على الورق وعلى أرض الواقع، ومن يتحكم في عمله في الخفاء؟ ولماذا استحق أن يُقال عنه إنه خلال تلك الفترة كان أداؤه أكثر من ضعيف؟ لا شك لدى كثيرين أن عنصراً مهماً من العناصر التي جعلت المجلس يُوصم بتلك السمات السلبية هو أنه ضعيف الأداء أو “المُنتَج” مقارنة بما سبقه من مجالس، كما أنه ضعيف الأداء قياساً لعنصر آخر وهو الصلاحيات المقررة في الدستور.

مجلس اليوم خاسر في مواجهة مجالس مبارك

مهما قيل عن الحكم الفردي والاستبدادي للرئيس الأسبق حسني مبارك، الذي حكم البلاد خلال ثلاثة عقود، إلا أن مجلس الشعب “البرلمان” كان واحداً من الهيئات التي كان يُحسب لها حساب. فالتفاعلات الكثيفة التي كان محورها مجلس الشعب دلت على أنه كان رقماً من الأرقام المهمة في العملية السياسية.

فالمناقشات والسجالات التي ارتبطت بالنظام الانتخابي، والصولات والجولات بين السلطتين التنفيذية والتشريعية داخل البرلمان، ووجود جهابذة المشرعين من علوي حافظ وإبراهيم شكري وألفت كامل وأيمن نور وطلعت السادات وعصام العريان وضياء الدين داود ونوال عامر وياسين سراج الدين ومأمون الهضيبي والبدري فرغلي وغيرهم وغيرهم.

 كل ذلك جعل من السلطة التشريعية أحد أهم أعمدة النظام السياسي. علاوة على ذلك، فإن أساطين القضاء الدستوري الذين حكموا بعدم دستورية النظام الانتخابي فأسقطوا مجلسين لم يستكملا مدتهما الدستورية خلال الفترة من 1983- 1990 وحكموا بعدم دستورية مجلسين آخرين أكملوا مدتهم الدستورية 1990-2000، كل تلك الأمور ويزيد عليها قيادة البرلمان من د. رفعت المحجوب الذي وقف في وجه الدولة تحت القبة، وهو يعارض الجامعة الأهلية والجامعة الخاصة، ود. فتحي سرور صاحب الخبرة الواسعة في إدارة الجلسات وتناغم الإيقاع بين النواب من التيارات المختلفة، كل ما سبق جعل “برلمان مبارك” في موقع آخر، لا يمت بأية صلة لموقع برلمان اليوم، المُشكل بعد حركتين شعبيتين: الأولى في يناير 2011 وقد اختطفتها جماعة الإخوان المسلمين التي سعت إلى الاستبداد بالحكم، والحركة الثانية عقب يونيو 2013 وقد سلمت الحكم منذ العام 2016 إلى صندوق النقد الدولي مع الإمعان في عدم مدنية الدولة.

مجلس الشعب في حقبة السادات أقوى من مجلس النواب اليوم

ومهما قيل عن الحكم السلطوي للرئيس الأسبق أنور السادات الذي حكم البلاد طيلة عقد كامل من سلطات شبه مطلقة، واستغلال البرلمان لسن قوانين سيئة السمعة، وغيرها من أمور، لا يمكن للمرء في تلك الحقبة أن ينسى مجلس الشعب الذي حفر من خلال نواب كممتاز نصار والشيخ المحلاوي وأبو العز الحريري وصلاح أبو إسماعيل وحلمي مراد وخالد محيي الدين وغيرهم وغيرهم، أروع صفحات النضال واقتناص الصلاحيات رغماً عن السلطة المستبدة.

كل ذلك ويزيد لن يحول دون التأكيد على أن مجلس الشعب والتجربة الحزبية الثالثة الوليدة وقتئذ شكلا رقماً صعباً، وشوكة في حلق السادات وهو يقود الدولة المصرية في واحدة من أحلك الظروف الخارجية والداخلية التي مرت بها مصر.

 في تلك الفترة كان لدينا ستة أحزاب سياسية فقط وليس مائة حزب كما هو اليوم.

 وقد استطاعت تلك الأحزاب قليلة العدد أن تجعل من المعارضة داخل البرلمان وخارجه قيمة واعتباراً لكونها اختلفت مع النظام على قضايا جوهرية وحقيقية وليس قضايا تافهة وساذجة كما هو اليوم، كالسلام مع إسرائيل والدعم والانفتاح الاقتصادي وعروبة مصر.

مجلس الخديوي إسماعيل يرجح على مجلس النواب الحالي

ولو عدنا لعقود غابرة، وفي عهد الخديوي إسماعيل الذي ورط مصر في أزمة دين كبير، كان مجلس شورى النواب المنشأ عام 1866، واحداً من أعجب المجالس النيابية.

فرغم استبداد الخديوي إلا أنه استعان بالمجلس في مواجهة الدائنين الأجانب، وكان يذهب إليه ليستجدي منح موازنة مالية للجنود المصريين المحاربين خارج البلاد، وكان النواب يذهبون دون إنذار مسبق للتفتيش على الدفاتر داخل نظارة “وزارة” المالية.

والأغرب أن هذا العهد أُقر فيه أن يكون نائب البرلمان يجيد القراءة والكتابة، بل أن الناخب يُشترط بعد فترة محددة أن يجيد هو الآخر القراءة والكتابة، كي يكتسب صفة ناخب.

يكفي هنا أن ختام حكم إسماعيل وبداية حكم توفيق شهد واحدة من أكثر فترات الحكم استنارة، وهو صدور دستور شريف باشا، الذي ضارع دساتير النظم الغربية الليبرالية وقتئذ، بإقرار حق المسئولية الوزارية، وهو الأمر الذي كاد يقود البلاد إلى تنمية سياسية مرموقة لولا الاحتلال البريطاني في مايو 1882.

أداء مجلس نواب اليوم مقارنة بالدستور

وبمقارنة الصلاحيات الكبيرة التي أقرها دستور 2012 المعدل عامي 2014 و2019 لا تخطئ عين الباحث عندما يجد أن هناك صلاحيات كثيرة وُضعت للسلطة التشريعية وهي اليوم غير مفعلة، وكأنها مجرد حبر على ورق.

فسلطة التشريع المخولة للمجلس وحده، سبقها في الواقع- من حيث الشكل- إجماع على قيام الحكومة بتقديم تشريعات، وحُبست الغالبية العظمى من مشروعات القوانين المقدمة من الأعضاء كالمحليات، أو عدم قيام الحكومة بتنفيذ الدستور بالتقدم بتشريعات مهمة كمنع ندب القضاة سعياً لإفساد أهم سلطات الدولة.

من حيث الكيف أو المضمون أصدر المجلس تشريعات غريبة منها على سبيل المثال ما لا يمت لحقوق الإنسان بصلة كتشريع استثناء المتجاوزين بحق متظاهري حركة يناير 2011 من الملاحقة، وكذلك منح صلاحيات شبه مطلقة لما سُمي بجهاز مستقبل مصر، الذي نُقلت إليه اختصاصات الوزارة تقريباً، كما جُمد من خلال قانونه عشرات القوانين المعمول بها، ما جعل مجلس النواب بحق يقتل عن عمد مبدأ سيادة القانون، وسريانه على الكافة دون استثناء لمؤسسة أو شخص. ناهيك عن تعمد خرق الدستور جهاراً نهاراً بسن قانون يمنح الدولة تأسيس جامعة خاصة بمصروفات، تمتلكها الدولة وحدها، وفرض الدولة التزامات مالية على الناس دون المرور على مجلس النواب، ما يجعل منه مجلساً صورياً، ومن ذلك ليس فقط موجات رفع الأسعار المتتالية للسلع والخدمات، بل وكذلك منع مناقشة الاتفاقات العديدة التي جرت مع صندوق النقد الدولي.

تحجيم الرقابة البرلمانية واحد من أهم الأسس التي جعلت مجلس النواب اليوم غير مفعل الصلاحيات وجعلها رقابة تتم بوسائل مكسورة الأسنان، وذلك من خلال وسائل لينة وموضوعات تافهة. فالوسيلة الغالبة هي السؤال، وهو أخف وأبسط أدوات الرقابة. أما الموضوعات، فهي موضوعات تهم نجع كذا وكفر أو قرية كذا وحي أو شارع أو ميدان كذا.

 بعبارة أخرى، امتنع النواب أن يقوموا بمحاسبة الحكومة في قضايا السياسات العامة التي تهم كل المصريين، لصالح القضايا الخاصة التي تهم جماعة جغرافية أو جهوية.

لقد عانت الدولة المصرية خلال العقد الأخير من العديد من المشكلات التي ترتبط بالتصنيع وبالزراعة والضرائب والاستثمارات والطرق والمواصلات والتجارة الخارجية وشح المياه وارتفاع الأسعار والتضخم الكثيف وارتفاع معدلات الفقر والفقر المدقع وتدهور أحوال الطبقة الوسطى وفشل التعليم بدءاً من سوء أحوال المعلم إلى التقويم مروراً بالمنهج والإدارة والمبنى، وفشل الصحة، خاصة مع هروب الطواقم الطبية وتدهور عدد أسرة العناية المركزة واستفحال العلاج الخاص.. إلخ.

 السؤال الآن لِما لم تُفضِ مشكلة واحدة من تلك المشكلات إلى استجواب واحد للحكومة أو تشكيل لجنة تقصي حقائق؟!!!

أسباب التراجع اليوم

لا شك أن الخوف هو سيد الموقف في عدم تفعيل أداء مجلس النواب خلال العقد الحالي، فخشية النواب من عواقب الدور الدستوري الذي يمكن أن يلعبه النائب، جعلت الغالبية منهم في حالة استكانة شديدة، خاصة وأن المناخ أو البيئة أو ما بات يُعرف بالمجال العام هو اليوم في أصعب حالاته.

في بعض الأحيان يكون الطمع الشخصي والرغبة في تحقيق منافع واحداً من الأسباب التي تجعل النائب غير راغب في إثارة ما يعتبره قلاقل داخل المجلس، وقد رأينا في الانتخابات الأخيرة أن بعض الأعضاء قام بشراء العضوية لمجرد كتابة اسمه ضمن حصص القوائم المطلقة التي أعدتها الأحزاب المرتبطة بالأجهزة، وقد تم ذلك على مرأى ومسمع من الكافة.

يبدو أن النظام الانتخابي سيظل واحداً من أسوأ الأمور المتحكمة في أداء البرلمان ونوابه، لكونه أشبه بالتعيين، ما يجعله هو الأسوأ بين الأنظمة الانتخابية التي مرت بها مصر منذ 1866 حتى اليوم.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى