شباك نورمقالات وآراء

الدكتور أيمن نور يكتب: مصر أمام نظام جديد للنيل

0:00 / –:–

في الأيام الأخيرة من أغسطس عام ألفين وستة وعشرين، بدا ملف النيل وكأنه يتحرك في اتجاهين متعاكسين. ففي ستوكهولم، شاركت مصر والسودان في الحوار الاستراتيجي لمبادرة حوض النيل، وأيد المشاركون استمرار التخطيط المشترك لما بعد عام ألفين وسبعة وعشرين، مع إبقاء باب التشاور مفتوحا بشأن الاتفاقية الإطارية والتحول إلى مفوضية دائمة لحوض النيل. وفي الوقت نفسه، تصاعد الخطاب الإثيوبي بشأن بناء سدود جديدة على النيل الأزرق، ووصل الأمر بوزير مياه إثيوبي سابق إلى مطالبة مصر بتعويضات عن استخدام مياه النهر.

صحيح أن هذا الكلام الأخير لا يمثل قرارا رسميا ملزما، لكنه لا يجوز أن يمر باعتباره مجرد تصريح عابر. فهو يكشف عن مناخ سياسي جديد، لم تعد فيه القضية محصورة في سد النهضة، بل امتدت إلى محاولة إعادة تعريف ملكية النهر، وقواعد استخدامه، وموقع كل دولة في النظام الإقليمي الذي يتشكل حول مياهه.

سد النهضة نفسه لم يعد مشروعا تحت الإنشاء يمكن تعطيله أو تعديل تصميمه، بل أصبح واقعا تشغيليا. افتتح رسميا في سبتمبر عام ألفين وخمسة وعشرين، ووصلت قدرته المعلنة إلى خمسة آلاف ومائة وخمسين ميغاوات، بينما تبلغ سعة خزانه نحو أربعة وسبعين مليار متر مكعب. ومع ذلك، لم يصاحب اكتماله اتفاق قانوني ملزم ينظم التشغيل في سنوات الجفاف، أو يضمن تبادل البيانات، أو يحدد قواعد التصريف، أو يضع آلية واضحة لتسوية النزاع عند وقوع الضرر.

لهذا، لم تنته الأزمة باكتمال السد، بل بدأت مرحلتها الأخطر. فقد انتقل السؤال من حق إثيوبيا في البناء إلى حدود سلطتها في التشغيل. ومن حجم الخزان إلى قواعد استخدامه. ومن سد واحد إلى احتمال قيام منظومة كاملة من السدود المتتابعة، تستطيع، إذا أديرت منفردة، أن تعيد رسم حركة النيل الأزرق من المنبع إلى المصب.
تقول أديس أبابا إن السدود الجديدة ستكون مخصصة أساسا لتوليد الكهرباء، وإن المياه ستتحرك من سد إلى آخر من دون استهلاك كبير. وهذه حجة يجب فحصها علميا، لا رفضها بالشعارات. فالسد الكهرومائي لا يبتلع النهر بالضرورة، لكن الخطر يكمن في سنوات الملء، وفواقد التبخر، وتزامن تشغيل عدة خزانات، وما قد يحدث خلال الجفاف الممتد، أو عند الأعطال، أو بسبب التصريفات المفاجئة. المشكلة ليست دائما في جسم السد، بل في اليد التي تديره، والقاعدة التي تلزمها، والمعلومة التي تحتفظ بها لنفسها.

وقد ردت القاهرة خلال أغسطس بأكثر من تحذير، مؤكدة أنها لن تسمح بفرض السيطرة على تدفقات النيل باعتبارها أمرا واقعا. وأتفهم تماما ضرورة أن يكون للدولة صوت حازم في قضية تمس وجودها. لكنني تعلمت، خلال أكثر من أربعة عقود في العمل العام، وخمسة عشر عاما في البرلمان، أن قوة الموقف الوطني لا تقاس بارتفاع نبرة التصريح، بل بما يستند إليه من أوراق قانونية، وتحالفات إقليمية، ومعلومات فنية، وخيارات قابلة للتنفيذ. فالعبارات الغاضبة قد تطمئن الناس ساعات، لكنها لا تعيد قطرة ماء، ولا تكتب قاعدة تشغيل ملزمة.

أما التحول المؤسسي في حوض النيل، فهو الجبهة الأقل ضجيجا، وربما الأكثر تأثيرا. فقد دخلت الاتفاقية الإطارية التعاونية حيز النفاذ في أكتوبر عام ألفين وأربعة وعشرين، وأصبحت تمهد لإنشاء مفوضية دائمة لحوض النيل. ومصر والسودان ليستا ملزمتين قانونا باتفاقية لم توقعا عليها، لكن بقاءهما خارج المؤسسة الجديدة، إذا اكتمل بناؤها، قد يتركهما في موقع من يملك الاعتراض ولا يشارك في صناعة القواعد.

لهذا، فإن مشاركة مصر في حوار ستوكهولم ليست تنازلا، بل نافذة ينبغي توسيعها. فقد تقرر استمرار التشاور مع مصر والسودان وكينيا والكونغو، وجرى الحديث عن تبادل البيانات، وسلامة السدود، وتحديث دراسات الحوض، وإنشاء نموذج رقمي لمحاكاة حركة المياه. وهذه ليست تفاصيل فنية هامشية، بل أدوات نفوذ حقيقية، شريطة أن تحضر مصر بعلمائها وخبرائها، وبمبادراتها ومصالحها المشتركة، لا بوفود موسمية وخطب محفوظة.

وفوق الخلاف السياسي تقف الطبيعة، وهي لا تفاوض أحدا. فالتوقع الهيدرولوجي الرسمي لحوض النيل لموسم يونيو إلى سبتمبر عام ألفين وستة وعشرين يرجح أمطارا أقل من المعتاد أو قريبة منه في مناطق واسعة، مع ارتفاع درجات الحرارة وزيادة فواقد التبخر، وتراجع محتمل في تدفقات النيلين الأزرق والأبيض ونهر عطبرة. ويضع التقرير مصر والسودان في مقدمة الدول التي قد تتحمل الأثر التراكمي للعجز المائي في المنابع. وما يمكن احتماله في عام ممطر، قد يتحول إلى خطر مباشر إذا تتابعت سنوات الجفاف في غياب اتفاق ملزم.

وفي الداخل، لا يصح أن تختبئ الحكومة خلف سد النهضة لتبرير كل عجز، كما لا يصح أن تتعامل المعارضة مع كل مشروع مائي باعتباره دعاية فارغة. فقد توسعت مصر في إعادة استخدام مياه الصرف الزراعي، وتقول وزارة الري إن ثلاثة مشروعات كبرى أضافت طاقة تقترب من أربعة مليارات وثمانمائة مليون متر مكعب سنويا. لكن التقارير الدولية تؤكد في الوقت نفسه استمرار تراجع نصيب الفرد من المياه، واقتراب مصر من الندرة المطلقة، بينما تستهلك الزراعة نحو ثمانين في المائة من المياه العذبة. المطلوب إذن ليس إنكار ما تحقق، بل قياس كلفته وعائده وعدالته وقدرته على الاستمرار.

ومن دون تعال أو ادعاء امتلاك وصفة سحرية، أظن أن مصر تحتاج إلى مائدة وطنية دائمة للأمن المائي، تضم مؤسسات الدولة والخبراء والجامعات والقوى السياسية والمجتمع المدني. وتحتاج إلى ميزان مائي سنوي معلن، يفصل بين الحقائق والدعاية. كما تحتاج إلى تحويل وجودها داخل مؤسسات الحوض إلى استراتيجية، هدفها اتفاق لتبادل البيانات، وقواعد واضحة للتشغيل في سنوات الجفاف، ونظام للتعامل مع التصريفات الطارئة، وتقييم تراكمي لأي سلسلة سدود جديدة، بدلا من دراسة كل سد بمعزل عن الآخر.

وفي الداخل أيضا، ينبغي ربط التوسع الزراعي بميزانية المياه الحقيقية، وتوجيه التحلية أساسا إلى المدن الساحلية، وإصلاح الشبكات، وتشجيع المحاصيل الأقل استهلاكا، وتسعير الهدر لا الفقر، وضمان ألا تتحول مشاركة القطاع الخاص إلى خصخصة لحق الإنسان في الماء. كما يجب استعادة العلاقة الوثيقة مع السودان، لا باعتباره مجرد حليف تفاوضي، بل شريكا أصيلا في إدارة مجرى واحد ومصير متصل.

هذه ليست قضية نظام ندافع عنه، ولا معارضة نكايد بها النظام. إنها قضية وطن سيبقى بعد الجميع. وقد نختلف على الحكم والدستور والاقتصاد والسياسة، لكن النيل لا يعرف موالاة ومعارضة، ولا يميز بين بيت مؤيد وبيت معارض. الأمن المائي المصري قضية وجودية، والوطنية فيها ليست صمتا على الأخطاء، ولا مزايدة فوقها، بل شجاعة في قول الحقيقة، وحكمة في إدارة القوة، وإرادة تحول ما بقي من أبواب مفتوحة إلى اتفاق يحمي حق مصر في الحياة.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى