فكري مكرم عبيد.. أول أمين عام للحزب الوطني ورفيق السادات الذي عاش السياسة حتى رحيله

يُعد فكري مكرم عبيد واحدًا من الشخصيات السياسية المصرية التي امتدت تجربتها عبر مراحل شديدة التنوع من تاريخ مصر الحديث، بدءًا من أجواء ثورة 1919 والحركة الوطنية المصرية، مرورًا بثورة يوليو 1952، وصولًا إلى عهدي الرئيسين أنور السادات وحسني مبارك، وتولى خلال مسيرته عددًا من المواقع السياسية والتنفيذية البارزة، بينها منصب أول أمين عام للحزب الوطني الديمقراطي عند تأسيسه، ونائب رئيس مجلس الوزراء لشؤون مجلسي الشعب والشورى.
ولد فكري مكرم عبيد في 16 فبراير 1919 بمحافظة قنا، قبل اندلاع ثورة 1919 بنحو شهر، ونشأ في أسرة ارتبط اسمها بالحركة الوطنية المصرية، وتأثر بصورة خاصة بشقيقه الأكبر الزعيم مكرم عبيد، الذي سبقه في الميلاد بنحو 26 عامًا، وكان بالنسبة إليه بمثابة الأخ والمعلم والمرشد السياسي.
نشأ فكري في أجواء حملت تأثيرات ثورة 1919 وشعاراتها الوطنية، وتلقى تعليمه الأول في قنا، قبل أن ينتقل إلى القاهرة ويلتحق بكلية الحقوق بجامعة فؤاد الأول، جامعة القاهرة حاليًا، ويتخرج فيها عام 1937، ثم يعمل بالمحاماة إلى جانب شقيقه مكرم عبيد.
مكرم عبيد.. الأخ والمعلم
ارتبط فكري مكرم عبيد بشقيقه ارتباطًا وثيقًا، ورافقه في مراحل مهمة من نشاطه السياسي والمهني، حتى قبل تخرجه في كلية الحقوق، ثم عمل معه في مكتبه للمحاماة وشارك عن قرب في الحياة السياسية.
وكان مكرم عبيد أحد أبرز رموز الحركة الوطنية المصرية في النصف الأول من القرن العشرين، وتولى منصب سكرتير عام حزب الوفد ووزارة المالية، كما كان عضوًا بمجلس النواب ونقيبًا للمحامين، وترك حضوره السياسي والفكري أثرًا كبيرًا في تكوين شقيقه الأصغر.
وعاصر فكري مكرم عبيد عددًا من الأحداث الكبرى التي شهدتها مصر خلال تلك المرحلة، ومن بينها حادث 4 فبراير 1942، كما كان قريبًا من تفاصيل الخلاف السياسي الكبير بين مكرم عبيد من ناحية، ومصطفى النحاس وفؤاد سراج الدين من ناحية أخرى، وهو الخلاف الذي ارتبط لاحقًا بما عُرف بـ«الكتاب الأسود».
وشارك فكري شقيقه في نشاطه السياسي، وظل متمسكًا بكثير من المبادئ التي تبناها مكرم عبيد، وكان من المشاركين في توزيع «الكتاب الأسود» الذي أثار وقتها أزمة سياسية واسعة.
الليبرالية والوحدة الوطنية
حافظ فكري مكرم عبيد على توجهاته الليبرالية رغم التحولات الكبيرة التي طرأت على النظام السياسي المصري بعد ثورة يوليو 1952، وظل ينظر إلى هويته السياسية والوطنية باعتبارها قائمة أساسًا على المواطنة المصرية.
وكان نموذج فكري، وقبله شقيقه مكرم، جزءًا من تجربة سياسية مصرية جمعت المسلمين والأقباط داخل الحركة الوطنية، وهي التجربة التي تناولها عدد من الباحثين والمفكرين، ومن بينهم الدكتور مصطفى الفقي في دراساته المتعلقة بالأقباط والحياة السياسية المصرية.
وعكست شخصيته السياسية جانبًا من مرحلة تاريخية تمتعت فيها مصر بحضور قوي للأفكار الليبرالية والوطنية، وأسهمت في تشكيل حركة سياسية ضمت المصريين بمختلف انتماءاتهم الدينية والاجتماعية.
من هيئة التحرير إلى العمل مع ثورة يوليو
بعد ثورة يوليو 1952، بدأت قيادة الثورة التفكير في إنشاء تنظيم سياسي جماهيري، فكانت «هيئة التحرير»، التي تشكلت لها أمانة عامة برئاسة عبد اللطيف البغدادي.
وفي إطار نشاط الهيئة، توجه وفد إلى محافظة قنا ضم عددًا من الضباط برئاسة أنور السادات، وكان فكري مكرم عبيد العضو المدني الوحيد في البعثة.
وساعدت المكانة التي تمتعت بها عائلة مكرم عبيد في قنا على نجاح المهمة، كما شكلت تلك المرحلة بداية جديدة في مسيرة فكري السياسية وعلاقته برجال ثورة يوليو.
صداقة مبكرة مع أنور السادات
لم تبدأ علاقة فكري مكرم عبيد بالرئيس الراحل أنور السادات داخل مؤسسات الدولة، بل تعود جذورها إلى سنوات مبكرة من حياتهما، عندما جمعتهما أنشطة الكشافة ومعسكرات العمل، قبل أن تتحول العلاقة لاحقًا إلى صداقة سياسية وشخصية وثيقة.
وكان مكتب فكري مكرم عبيد في شارع قصر النيل بالقاهرة واحدًا من الأماكن التي شهدت لقاءات سياسية وفكرية عديدة، إذ جمع بين مكتب المحاماة والمكتبة والصالون السياسي، واستقبل عددًا من الشخصيات العامة والعسكرية والسياسية.
وظلت علاقته بالسادات تتطور مع مرور السنوات، حتى أصبح واحدًا من الشخصيات التي حظيت بثقة الرئيس الراحل في مرحلة إعادة تشكيل الحياة الحزبية المصرية خلال سبعينيات القرن الماضي.
أول أمين عام للحزب الوطني الديمقراطي
بعد تجربة المنابر السياسية وتأسيس الأحزاب، اتجه الرئيس أنور السادات إلى إنشاء الحزب الوطني الديمقراطي عام 1978، وأسند إلى فكري مكرم عبيد دورًا أساسيًا في عملية التأسيس.
وشهد مكتب فكري مكرم عبيد جانبًا من الاجتماعات والترتيبات المرتبطة بتشكيل الحزب الجديد وهياكله، قبل أن يتولى منصب أول أمين عام للحزب الوطني الديمقراطي.
وأصبح بذلك الرجل الثاني في الحزب بعد رئيسه أنور السادات، وتمتع بمكانة خاصة لدى الرئيس وثقة كبيرة في عدد من الملفات السياسية.
كما تولى منصب نائب رئيس مجلس الوزراء لشؤون مجلسي الشعب والشورى، ليجمع بين موقعه الحزبي البارز ودوره داخل السلطة التنفيذية.
مهمة أسيوط
استعان السادات بفكري مكرم عبيد في التعامل مع بعض الملفات الداخلية الحساسة، وفي مقدمتها التوترات التي شهدتها محافظة أسيوط في ظل تصاعد نشاط التيارات الإسلامية والتوترات الطائفية.
وتوجه فكري إلى المحافظة مستندًا إلى رصيده السياسي وعلاقاته الوطنية، وعمل على احتواء التوتر وإعادة الهدوء بين المسلمين والأقباط، في واحدة من المهام التي عكست ثقة السادات فيه وقدرته على التعامل مع الملفات السياسية والمجتمعية المعقدة.
شاهد على اغتيال السادات
ظل فكري مكرم عبيد قريبًا من الرئيس أنور السادات حتى اللحظات الأخيرة من حياته.
وفي 6 أكتوبر 1981، كان حاضرًا في المنصة خلال العرض العسكري الذي شهد اغتيال السادات، وجلس بالقرب من الرئيس والمشير عبد الحليم أبو غزالة.
وتركت واقعة اغتيال السادات أثرًا نفسيًا عميقًا في حياة فكري مكرم عبيد، خصوصًا في ظل الصداقة الطويلة التي جمعتهما، وكان يتجنب لاحقًا استعادة تفاصيل ذلك اليوم أو الحديث المطول عنه.
استمرار العمل السياسي في عهد مبارك
لم تتوقف مسيرة فكري مكرم عبيد السياسية بعد رحيل السادات، إذ واصل العمل العام خلال عهد الرئيس حسني مبارك، وشارك وزيرًا في أول حكومة خلال المرحلة الجديدة.
كما استمر عضوًا في مجلس الشورى لسنوات طويلة، وظل حاضرًا في الحياة السياسية حتى سنواته الأخيرة، محتفظًا بعلاقاته الواسعة وخبرته الممتدة عبر عهود سياسية مختلفة.
وإلى جانب نشاطه السياسي، ارتبط فكري مكرم عبيد بعدد من المؤسسات الاجتماعية، وتولى الرئاسة الشرفية لنادي هليوبوليس.
وامتدت رحلة فكري مكرم عبيد لنحو تسعة عقود، عاصر خلالها تحولات كبرى في التاريخ المصري، من ثورة 1919 إلى حقبة الوفد والملكية، ثم ثورة يوليو والجمهورية وعهدي السادات ومبارك، ليبقى اسمه مرتبطًا بمرحلة مهمة من تاريخ الحياة الحزبية والسياسية المصرية، وبصفة خاصة تأسيس الحزب الوطني الديمقراطي وتوليه منصب أول أمين عام له.







