حدث في مثل هذا اليوم

زي النهاردة.. «مذبحة القضاء» في 31 أغسطس 1969 وعزل أكثر من 200 قاضٍ في عهد عبدالناصر

0:00 / –:–

في مثل هذا اليوم، 31 أغسطس عام 1969، شهد القضاء المصري واحدة من أكثر محطاته إثارة للجدل في علاقته بالسلطة التنفيذية، فيما عُرف تاريخيًا باسم «مذبحة القضاء»، بعدما صدرت مجموعة من القوانين والقرارات التي ترتب عليها إعادة تشكيل الهيئات القضائية وخروج أكثر من 200 من رجال القضاء من مواقعهم.

وجاء المستشار عادل يونس، رئيس محكمة النقض ورئيس مجلس القضاء الأعلى آنذاك، في مقدمة القضاة الذين طالتهم الإجراءات، بالتزامن مع إلغاء مجلس القضاء الأعلى وإعادة تنظيم عدد من مؤسسات القضاء بموجب التشريعات التي صدرت في ذلك اليوم.

وتُعد أحداث أغسطس 1969 واحدة من أبرز محطات الشد والجذب بين السلطة التنفيذية والقضاء في تاريخ الجمهورية المصرية، في ظل جدل ممتد حول استقلال السلطة القضائية وحدود علاقتها بالنظام السياسي.

جذور الأزمة بين عبدالناصر والقضاة

بدأت الأزمة قبل أحداث أغسطس 1969، عندما ظهرت دعوات داخل نظام الرئيس جمال عبدالناصر لإشراك القضاة في التنظيم السياسي للدولة، ممثلًا في الاتحاد الاشتراكي العربي، في وقت تمسك فيه قطاع من رجال القضاء بمبدأ الفصل بين السلطات ورفض الانخراط في العمل السياسي والتنظيم الحزبي.

وفي عام 1968، تصاعد الجدل حول موقع القضاة من الاتحاد الاشتراكي، وظهرت انتقادات سياسية لمواقف عدد منهم، مقابل اتجاه داخل الوسط القضائي يؤكد ضرورة الحفاظ على استقلال القضاء وإبعاده عن التنظيمات السياسية.

وانقسمت الآراء بين من أيدوا انضمام القضاة إلى الاتحاد الاشتراكي، مع طرح فكرة إنشاء تنظيم خاص بهم داخله، وبين تيار آخر رفض الفكرة من أساسها وتمسك باستقلال السلطة القضائية والفصل بينها وبين السلطتين التنفيذية والتشريعية.

وانتقلت المناقشات إلى الصحف ونادي القضاة، قبل أن تزيد انتخابات النادي من حدة المواجهة، بعدما جاءت نتائجها لصالح الاتجاه المدافع عن استقلال القضاء والرافض لإدماج القضاة في التنظيم السياسي للدولة.

بيان مارس 1969

كان المستشار يحيى الرفاعي، الذي أصبح لاحقًا أحد أبرز رموز القضاء المصري ورئيسًا لنادي القضاة، من الأسماء البارزة في تلك المواجهة، وارتبط اسمه ببيان نادي القضاة في مارس 1969، الذي تضمن مطالب تتعلق باستقلال القضاء والحريات واحترام وتنفيذ أحكام المحاكم.

وأدت حدة الخلاف إلى توتر متزايد بين السلطة ونادي القضاة، وسط اتهامات للنادي آنذاك بأنه تحول إلى ساحة لمواقف سياسية معارضة للنظام، بينما تمسك القضاة بأن مواقفهم تستهدف حماية استقلال السلطة القضائية.

قوانين 31 أغسطس 1969

وفي 31 أغسطس 1969، أصدر الرئيس جمال عبدالناصر حزمة من التشريعات حملت أرقام 81 و82 و83 و84 لسنة 1969، وأحدثت تغييرات واسعة في بنية المؤسسات القضائية.

وتضمنت التشريعات إعادة تشكيل الهيئات القضائية، وتنظيمًا جديدًا لنادي القضاة، إلى جانب إنشاء «المحكمة العليا»، التي شكلت مرحلة سابقة على إنشاء المحكمة الدستورية العليا لاحقًا.

كما أعيد تنظيم نادي القضاة بطريقة جعلت تشكيل مجلس إدارته مرتبطًا بالمناصب القضائية، بدلًا من النظام الانتخابي الذي كان قائمًا، وجرى تقديم هذه التغييرات في إطار إبعاد القضاء عن الصراعات والمهاترات الانتخابية.

إلا أن أبرز ما ترتب على الإجراءات كان خروج أكثر من 200 من رجال القضاء، وهو ما رسخ تسمية «مذبحة القضاء» لوصف أحداث أغسطس 1969.

أسماء بارزة طالتها الإجراءات

شملت الإجراءات عددًا كبيرًا من الشخصيات التي أصبحت لاحقًا من أبرز رموز القضاء والقانون في مصر، وفي مقدمتهم المستشار عادل يونس، رئيس محكمة النقض ورئيس مجلس القضاء الأعلى، والمستشار ممتاز نصار، رئيس نادي قضاة مصر، والمستشار يحيى الرفاعي.

كما طالت الإجراءات المستشار محمد وجدي عبدالصمد، الذي تولى لاحقًا رئاسة محكمة النقض، والمستشار يحيى محمد صبري أبو علم، الذي أصبح فيما بعد رئيسًا لهيئة قضايا الدولة، وهو نجل وزير العدل والقانوني المعروف صبري أبو علم.

وضمت قائمة المتضررين كذلك أسماء أصبحت لاحقًا معروفة في الوسطين القضائي والقانوني، من بينها فريد الديب، والمستشار رفعت السيد الذي تولى لاحقًا رئاسة محكمة استئناف القاهرة، وبهاء أبو شقة، والمستشار مقبل شاكر الذي أصبح رئيسًا لمحكمة النقض، إلى جانب المستشار أحمد سميح طلعت، وزير العدل الأسبق.

السادات يعيد المفصولين إلى القضاء

بعد وفاة الرئيس جمال عبدالناصر وتولي الرئيس محمد أنور السادات الحكم عام 1970، بدأت معالجة آثار أزمة 1969، وأُعيد رجال القضاء الذين خرجوا بموجب الإجراءات السابقة مع الحفاظ على أقدمياتهم، فيما انتقل بعضهم إلى مواقع أخرى داخل مؤسسات الدولة أو عملوا في إعارات خارج مصر.

وفي نهاية عام 1971، شُكلت لجنة من رجال القضاء والقانون لإعداد تشريع جديد ينظم السلطة القضائية، وانتهى عملها إلى صدور القانون رقم 46 لسنة 1972 بشأن السلطة القضائية.

وظلت «مذبحة القضاء» محطة مركزية في تاريخ العلاقة بين القضاء والسلطة التنفيذية في مصر، واستُحضرت على مدار العقود التالية في النقاشات المتعلقة باستقلال القضاء، والفصل بين السلطات، وحدود تدخل السلطة التنفيذية في شؤون المؤسسات القضائية.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى