مقالات وآراء

د.عبد الفتاح طوقان يكتب: مطار جاتويك في بريطانيا.. حكاية هندسية بين الماضي والمستقبل

0:00 / –:–


في أواخر السبعينات، بين عامي 1978 و1979، كنت طالبًا في كلية الهندسة وسنحت لي فرصة للمشاركة في تدريب صيفي في مطار جاتويك البريطاني، ثاني أكبر مطار في بريطانيا بعد هيثرو.

كانت تلك الفترة مليئة بالذكريات الجميلة التي شكلت أساس مسيرتي الهندسية وأكسبتني خبرات ثمينة.

وعندما نتحدث عن البدايات لاي مهندس واهميتها فقد كنت من المحظوظين الذين عملوا وكانت تجربتهم في تطوير مطار جاتويك التى شكلت نقطة انطلاق هامة، حيث ساهمت في تطوير مهاراتي وأثرت بشكل إيجابي على مشاريعي المستقبلية.

والحقيقة ان كثير من مشاريع لاحقة كانت مستلهمة من جاتويك واقصد تطوير مطار العقبة في التسعينات حيث ساهمت في تمديد المدرج ووضع بلاطات خرسانية لاستقبال الطائرات الكبيرة مثل Airforce One وبعدها سنوات كان تطوير مطار القاهرة حيث عملت مع شركات مثل مجموعة بن لادن وأليكو الألمونيوم وأوراسكوم على تحديث البنية التحتية وتركيب الزجاج العازل و الواجهات الالمونيوم وغيرها بوجود شركة المطارات الفرنسية .

و رغم أن البداية في جاتويك كانت جيدة، إلا أنها لا تقارن بمطار جدة الدولي الجديد، حيث كنت مديرًا ومستشارًا هندسيًا لفريق ضخم بمشروع قيمته 12 مليار دولار. يُعتبر هذا المطار من أكبر وأحدث المطارات في العالم، ويضم محطة قطارات تنقل خمسة ملايين حاج.

ويتسائل البعض عن الهندسة والطب والفرح و السعاده بما يتم من أعمال حيث تشبه الهندسة الطب في فرحة الإنجاز مع فارق بين المهندس وجراح النسائية والتوليد يكمن في نوع العمل، لكن كلاهما يسعد برؤية “مولوده” يزدهر وينجح. الطبيب يرى الطفل ينمو ليصبح شابًا، والمهندس يرى مشروعه يتحقق ويزدهر.

وفي دول العالم المتقدم لا يقتصر تخليد اسماء بعض الروساء بوضعها على مشاريع تخلد أسماءهم بل تمتد لتشمل المهندسين.
واقول في العالم المتقدم، تُكرم أسماء المهندسين من خلال مشاريع كبرى، لان دول العالم الثالث جل اهتمامها بالحاكم الاوحد و الحاكم الاول في كل شيء و اود هنا ذكر بعض امثلة :
مطار روما يحمل اسم المهندس ليوناردو دافينشي، و برج إيفل في باريس يحمل اسم من صممه جوستاف إيفل.
كذلك عجلة فيريسفي شيكاغو، من تصميم جورج واشنطن جيل فيريس جونيور وقناة بنما سُميت أقفال جاتون باسم المهندس هاري ف. هودجز جاتون اما ابراج بودين في تسمانيا فهي تكريمًا لنيكولاس بودين المهندس المرموق.
وفي مجال الجسور نجد جسر بيلي وجسر كالندر-هاميلتون ، كأمثلة على الإبداع الهندسي في الأزمات. ولقد قدمت مشروعا في عام ٢٠٠٧ لبناء جسر يربط القارة الإفريقية بالأوروبية يمر عبر مضيق جبل طارق و يحمل اسم ” جسر طوقان ” The T bridge ,وكان ذلك في باليرمو بإيطاليا لدى اجتماع الشراكة الأوروبية المتوسطية بحضور رئيس وزراء إيطاليا و المغرب و اكثر من ٣٥٠ وزيرا و رييس بلدية و بحضور سيدة مصر الاولى سوزان مبارك و بتكلفه خمس مليارات وهو لازال مطروحا ضمن تحذيرات من هجرات معاكسة يخشاها الأوروبيين .

وعوده الي الرحلة إلى إسلام آباد فقد اخترت مطار جاتويك مع شركة الطيران البريطانية للانضمام إلى فريق العمل كمستشار لسبع شركات عالمية في تصميم وتنفيذ ثالث أكبر سد في العالم. هذا السد يولد كهرباء بقدرة 800 ميجاوات، وتقترب طاقته التخزينية من 1.29 مليون فدان، بارتفاع 218 مترًا وطول 1.8 كيلومتر، وبتكلفة تصل إلى خمسة مليارات دولار أمريكي. كان اختياري للرحلة مرتبطًا بالذكريات والهندسة وليس فقط لأن شركة الطيران البريطانية تُسير رحلات إلى باكستان من هناك. لقد كان الاختيار هندسيًا وروحيًا، ينبع من ذكريات أيام الدراسة.

واقصد كانت تجربتي في مطار جاتويك بداية رحلة مليئة بالشغف والحب للهندسة. تبقى هذه الذكريات محفورة في قلبي، تلهمني في كل مشروع جديد أسعى لتحقيقه.

على الدول في العالم الثالث الاهتمام بالمهندسين والذي تاتي انجازاتهم اهم و اكبر من كثير من رؤوساء حكومات اتوا و رحلوا و لم يفعلوا شيئا .

وللحديث الهندسي بقية و تاريخ طويل
[email protected]

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى