في ذكرى «مذبحة القضاء».. قرارات 31 أغسطس 1969 أطاحت بأكثر من 200 قاضٍ وأعادت تشكيل الهيئات القضائية

شهد يوم 31 أغسطس 1969 واحدة من أكثر المحطات إثارة للجدل في تاريخ العلاقة بين السلطة التنفيذية والقضاء في مصر، بعدما أصدر الرئيس جمال عبد الناصر حزمة من القوانين أعادت تشكيل الهيئات القضائية، وترتب عليها استبعاد أكثر من 200 من رجال القضاء والنيابة، في واقعة عُرفت تاريخيًا باسم «مذبحة القضاء».
وجاءت القرارات في ذروة أزمة سياسية وقضائية تصاعدت خلال السنوات الأخيرة من حكم عبد الناصر، على خلفية الخلاف حول استقلال القضاء ومحاولات ضم القضاة إلى التنظيم السياسي للدولة، فضلًا عن التوتر الذي أعقب انتخابات نادي القضاة ومواقف عدد من رموزه المطالبة بالفصل بين السلطات وتعزيز استقلال السلطة القضائية.
وكان في مقدمة المستبعدين المستشار عادل يونس، رئيس محكمة النقض ورئيس مجلس القضاء الأعلى آنذاك، إلى جانب عدد من الأسماء التي أصبحت لاحقًا من أبرز رموز القضاء والقانون في مصر.
وشملت قائمة المتضررين من قرارات إعادة تشكيل الهيئات القضائية عددًا من الشخصيات القضائية والقانونية البارزة، من بينهم المستشار ممتاز نصار، أحد أبرز رموز نادي القضاة، والمستشار يحيى الرفاعي، الذي تولى لاحقًا رئاسة نادي القضاة وأصبح من أبرز المدافعين عن استقلال القضاء.
كما ارتبطت تلك المرحلة بأسماء عدد من رجال القضاء والقانون الذين شغلوا لاحقًا مناصب رفيعة، من بينهم المستشار محمد وجدي عبد الصمد، الذي أصبح رئيسًا لمحكمة النقض، والمستشار يحيى محمد صبري أبو علم، الذي تولى لاحقًا رئاسة هيئة قضايا الدولة، وهو نجل صبري أبو علم، وزير العدل وأحد أبرز رجال القانون في مصر.
وضمت الأسماء المرتبطة بأحداث تلك المرحلة كذلك فريد الديب، الذي أصبح لاحقًا أحد أشهر المحامين في مصر، إلى جانب المستشار رفعت السيد، الذي تولى لاحقًا رئاسة محكمة استئناف القاهرة، والمستشار بهاء أبو شقة، والمستشار مقبل شاكر الذي أصبح فيما بعد رئيسًا لمحكمة النقض ورئيسًا لمجلس القضاء الأعلى، فضلًا عن المستشار أحمد سميح طلعت، الذي تولى منصب وزير العدل.
جذور الأزمة بين القضاء ونظام عبد الناصر
لم تبدأ أزمة أغسطس 1969 بصورة مفاجئة، إذ سبقتها خلافات متصاعدة بشأن موقع السلطة القضائية من النظام السياسي الذي تشكل بعد ثورة يوليو 1952.
وتفاقم الخلاف مع الاتجاه نحو إدخال القضاة ضمن الإطار السياسي للاتحاد الاشتراكي العربي، التنظيم السياسي الحاكم آنذاك، وسط تمسك قطاع من رجال القضاء بضرورة استقلال السلطة القضائية وعدم انخراط القضاة في التنظيمات السياسية.
وخلال عام 1968 احتدم النقاش بشأن علاقة القضاة بالاتحاد الاشتراكي، وظهرت دعوات لدمجهم في التنظيم السياسي باعتبارهم جزءًا من «قوى الشعب العاملة»، بينما رفض اتجاه آخر داخل القضاء تلك الدعوات، مؤكدًا ضرورة الحفاظ على مبدأ الفصل بين السلطات واستقلال القاضي عن العمل السياسي والتنظيمي.
وانتقلت المواجهة إلى الصحف والاجتماعات داخل نادي القضاة، وتحولت قضية استقلال القضاء إلى واحدة من أبرز نقاط الخلاف بين عدد من رجال القضاء والسلطة التنفيذية.
وفي مارس 1969 برز موقف المستشار يحيى الرفاعي، الذي ارتبط اسمه ببيان طالب باستقلال القضاء، وتعزيز الحريات، واحترام وتنفيذ أحكام المحاكم، في وقت كانت فيه حدة الخلاف بين السلطة ونادي القضاة تتصاعد.
انتخابات نادي القضاة تزيد حدة المواجهة
دخلت الأزمة مرحلة أكثر حدة مع انتخابات نادي القضاة عام 1969، بعدما جاءت النتائج لصالح الاتجاه الرافض لإدخال القضاة في التنظيم السياسي، واعتُبرت حينها انتصارًا للتيار المطالب باستقلال القضاء.
وتزامن ذلك مع اتهامات بأن نادي القضاة تجاوز دوره المهني وتحول إلى ساحة لمعارضة سياسات النظام، فيما تمسك قضاة بأن نشاطهم يستهدف الدفاع عن استقلال السلطة القضائية وضمان عدم خضوعها للسلطة التنفيذية.
وفي ظل هذا المناخ المتوتر، وصلت المواجهة إلى ذروتها في 31 أغسطس 1969، عندما صدرت مجموعة من التشريعات التي أحدثت تغييرات واسعة في بنية المؤسسات القضائية.
قوانين 31 أغسطس 1969
صدرت في ذلك اليوم القوانين أرقام 81 و82 و83 و84 لسنة 1969، وتناولت إعادة تنظيم عدد من المؤسسات والهيئات القضائية.
وشملت التشريعات إنشاء المحكمة العليا، التي مثلت مرحلة سابقة على إنشاء المحكمة الدستورية العليا بصورتها الحالية، إلى جانب إعادة تشكيل الهيئات القضائية وإدخال تغييرات على تنظيم نادي القضاة.
كما أعيد تشكيل مجلس إدارة نادي القضاة وفق نظام قلّص الاعتماد على الانتخابات في تشكيله، وربط عضوية عدد من أعضائه بالمناصب القضائية التي يشغلونها، بحيث تنتهي العضوية بزوال الصفة الوظيفية المرتبطة بها.
وكان من بين أبرز نتائج تلك الإجراءات إعادة تشكيل الهيئات القضائية وعدم إعادة تعيين أكثر من 200 من القضاة وأعضاء النيابة في مواقعهم، وهو ما اعتبره الوسط القضائي عزلًا جماعيًا لعدد كبير من رجاله، لترسخ منذ ذلك الوقت تسمية «مذبحة القضاء» في الكتابات القانونية والتاريخية التي تناولت الواقعة.
كما أُلغي مجلس القضاء الأعلى بتشكيله القائم آنذاك ضمن إعادة تنظيم المؤسسات القضائية، بينما بررت السلطة الإجراءات باعتبارها تستهدف إعادة تنظيم القضاء وإبعاده عن الصراعات والمهاترات السياسية والانتخابية.
السادات يعيد القضاة المستبعدين
بدأ التعامل مع آثار قرارات 1969 يتغير بعد تولي الرئيس محمد أنور السادات الحكم في أكتوبر 1970.
واتخذ السادات خطوات لإعادة رجال القضاء الذين أبعدتهم قرارات إعادة تشكيل الهيئات القضائية، مع تسوية أوضاعهم وحفظ أقدمياتهم، فيما انتقل بعض المتضررين خلال تلك المرحلة إلى وظائف أخرى في مؤسسات الدولة أو عملوا خارج مصر.
ومثلت إعادة القضاة خطوة باتجاه إنهاء أحد أكثر الملفات حساسية التي ورثها السادات عن السنوات الأخيرة من حكم عبد الناصر.
وفي نهاية عام 1971، بدأ إعداد تشريع جديد لتنظيم السلطة القضائية بمشاركة رجال من القضاء والقانون، وانتهت هذه الجهود إلى إصدار قانون السلطة القضائية رقم 46 لسنة 1972.
وظلت أحداث 31 أغسطس 1969 حاضرة في تاريخ القضاء المصري باعتبارها محطة مفصلية في الجدل الممتد حول استقلال السلطة القضائية وحدود العلاقة بينها وبين السلطتين التنفيذية والتشريعية، كما أصبحت الواقعة مرجعًا متكررًا في النقاشات المتعلقة بضمانات استقلال القضاة ومبدأ الفصل بين السلطات في مصر.






