مقالات وآراء

محمد أبو عجور يكتب: من أزمة المصطلح إلى أزمة المشروع.. ماذا كشف سجال د. حلمي الجزار؟

0:00 / –:–

لم تكن أهمية التصريح في عباراته وحدها، وإنما فيما كشفه رد الفعل عليه من حالة أعمق داخل جماعة الإخوان وبيئتها التنظيمية والفكرية. فقد بدا أن الأزمة التي بدأت سياسية وأمنية قبل أكثر من عقد تحولت مع الزمن إلى أزمة فكر وقيادة ورؤية ومصطلحات ومناخ نفسي وأخلاقي.

أول ما كشفه السجال هو هشاشة البناء المفاهيمي. فمصطلح مثل «الخلاف السياسي» فجّر خلافًا واسعًا لأن الصف لا يمتلك فيما يبدو قاموسًا محررًا ومتفقًا عليه يفرق بين الصراع السياسي، والجريمة السياسية، والظلم، والبغي، والعدوان، والقصاص، والتسوية، والمصالحة، والمصلحة، والمآلات. وحين تغيب المصطلحات المنضبطة يصبح كل شخص أسير تجربته النفسية أو موقفه السياسي، ويصبح اللفظ الواحد قادرًا على إشعال معركة كاملة.

وكشف كذلك غياب المرجعية الشرعية الحاضرة في التفكير السياسي اليومي. فالقضايا الشرعية موجودة في الكتب والخطب، لكنها لا تظهر دائمًا باعتبارها منظومة تضبط القرار والموقف واللغة: متى يجوز الرد؟ وما حد المماثلة؟ من يملك العفو؟ ما الفرق بين الحق الخاص والحق العام؟ ما الذي يجوز للقيادة أن تتنازل عنه؟ وكيف تراعى المصلحة والمآلات دون تحويلهما إلى غطاء للتنازل؟ وهذه ليست مسائل هامشية؛ بل ينبغي أن تكون جزءًا من تكوين القيادة والصف قبل وقوع الأزمات لا بعدها.

والأخطر أن السجال كشف غياب رؤية سياسية جامعة لما بعد 2013. بعد ثلاثة عشر عامًا ما زالت الأسئلة الكبرى بلا إجابات متفق عليها: ماذا نريد الآن؟ هل الهدف استعادة وضع سابق أم بناء مشروع جديد؟ ما الموقف من النظام؟ ما تصور التغيير؟ ما موقع العمل السياسي؟ ما استراتيجية المعتقلين والمهجرين؟ ما العلاقة بالقوى الوطنية؟ وما السيناريو إذا استمر الوضع عشر سنوات أخرى؟ حين تغيب الإجابة تتحول التصريحات الفردية إلى بديل عن السياسة، وردود الأفعال إلى بديل عن الخطة.

كما كشف عن مشكلة قيادة لا تقتصر على الأشخاص، بل تتعلق بوظيفة القيادة نفسها. القيادة ليست فقط إصدار بيانات أو إدارة هياكل؛ وظيفتها بناء المعنى، وتفسير الواقع، وتحديد الاتجاه، وامتصاص الصدمات، وتوحيد الصف حول ما يمكن الاتفاق عليه. فإذا كان تصريح واحد قادرًا على إظهار هذا القدر من الاضطراب والتناقض، فإن السؤال يصبح: أين المؤسسة التي تسبق الأزمة بتحرير المفاهيم وإدارة الاختلاف وصناعة التوجه؟

وكشف السجال كذلك عمق الانقسام الداخلي. فالخلاف لم يعد مجرد اختلاف تنظيمي بين مراكز قيادة، بل أصبحت وراءه ذاكرات مختلفة للأزمة، وتفسيرات متعارضة لما وقع، وتقديرات متناقضة للمستقبل. فريق يرى أن المشكلة في عدم الواقعية، وفريق يرى أن المشكلة في التفريط، وفريق يريد التهدئة، وآخر يخشى أن تكون التهدئة إعلان هزيمة. وهذه الانقسامات إذا لم تتحول إلى حوار مؤسسي منضبط، فإنها تتحول إلى خصومات شخصية وتخوين وسوء ظن.

وهنا يظهر البعد النفسي بوضوح. ثلاثة عشر عامًا من القتل والسجون والمطاردة والمنفى والانقسام لم تمر بلا أثر نفسي عميق. هناك غضب مكبوت، وشعور بالخذلان، وإحساس بعدم الإنصاف، وذاكرة ثقيلة من الدماء والظلم. وحين لا توجد مؤسسات تستوعب هذه المشاعر وتعيد تحويلها إلى وعي ومشروع، فإنها تخرج في صورة صراخ وعنف لفظي واستدعاء مستمر للماضي. ومن الخطأ أن نتعامل مع ذلك كله باعتباره مجرد «سوء أخلاق»؛ فبعضه عرض لأزمة نفسية وتنظيمية لم تُعالج.

لكن تفسير العنف اللفظي نفسيًا لا يعني تبريره.

فقد كشف النقاش أيضًا عن خلل في الانضباط الأخلاقي للحوار: سرعة الاتهام، وسوء الظن، وتحويل الخلاف الفكري إلى حكم على النيات، وغياب المسافة بين نقد الفكرة وإسقاط صاحبها. وهذه بيئة لا تستطيع إنتاج شورى حقيقية ولا مراجعة علمية؛ لأنها تدفع الناس إلى الصمت أو الاصطفاف بدل التفكير.

وكشف الأمر عن ابتعاد قطاعات من الشباب، ليس بالضرورة بسبب ضعف التدين أو الالتزام، وإنما لأن كثيرًا منهم لا يرى أمامه مشروعًا واضحًا ولا طريقًا سياسيًا أو فكريًا يستطيع أن يشارك في صنعه. فالجيل الذي كان في العشرين عام 2013 أصبح اليوم في الثلاثينيات، ومن كان طفلًا أصبح شابًا. وإذا ظل الخطاب يعيد المعارك نفسها والمصطلحات نفسها دون تصور للمستقبل، فإن الانسحاب يصبح مفهومًا.

وأخطر ما كشفه السجال هو غياب آلية مؤسسية للتعلم من الكارثة. المؤسسات الحية تحول أزماتها إلى معرفة: ماذا أخطأنا؟ ما الافتراضات التي ثبت خطؤها؟ ما القرارات التي تحتاج مراجعة؟ كيف نبني القيادة؟ كيف ندير الخلاف؟ كيف نحمي الشورى؟ وكيف نصنع بدائل متعددة قبل الأزمات؟ أما إذا ظلت الأزمة مجرد مظلومية يتبادل الناس حولها الاتهامات، فإن الألم لا يتحول إلى خبرة.

ومن هنا فالقضية أكبر من تصريح فرد وأكبر من الرد عليه. التصريح كان أشبه بمرآة أظهرت مقدار ما يحتاجه الصف إلى إعادة بناء فكري واستراتيجي ونفسي وأخلاقي: تحرير المصطلحات، وبناء رؤية للمستقبل، واستعادة الشورى، وتحديد وظيفة القيادة، ووضع استراتيجية للتعامل مع النظام والواقع، ومعالجة آثار الصدمة، وإعادة الشباب إلى صناعة القرار، وتحويل الخلاف من صراع أشخاص إلى نقاش أفكار.

الخطر الحقيقي ليس أن نختلف في تفسير تصريح؛ فالاختلاف طبيعي. الخطر أن نكتشف بعد كل هذه السنوات أننا ما زلنا نختلف حول المفاهيم الأساسية، ولا نملك آلية متفقًا عليها لحسمها، ولا رؤية مشتركة لما نريد الوصول إليه.

فالأزمة التي كشفتها الواقعة ليست أزمة تصريح، بل أزمة مشروع: ماذا نفهم؟ ماذا نريد؟ من يقرر؟ كيف نختلف؟ وكيف نحول كل ما جرى من مأساة إلى معرفة وقدرة وطريق للمستقبل؟

هذه الصياغة تفصل بين التصريح نفسه وبين ما كشفه السجال المحيط به؛ وهذا أدق، لأن تحميل شخص واحد كل أزمات الجماعة سيكون أضعف علميًا من القول إن الواقعة كشفت مشكلات كانت موجودة أصلًا.

محمد أبو عجور

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى