شباك نورمقالات وآراء

د. أيمن نور يكتب: تفصيل دستور للوريث

لكل أمة لحظة تولد فيها السياسة من جديد، وتتجدد في عروقها دماء الديمقراطية. لكن انتخابات مصر عام ألفين وخمسة لم تكن ولادة طبيعية، بل عملية قيصرية خشنة، أُجريت في جسد الوطن بيد سلطة لم تكن تريد ميلاد وطن حر، بل تمهيد الطريق لابنها وحده.

التزوير في الانتخابات لا يبدأ عند الصندوق، بل ينتهي عنده. أما بدايته الحقيقية، فتكون عند كتابة الدستور والقانون، حين تُصاغ النصوص أقفاصًا محكمة، ثم يُطلب من الناخب أن يتوهم أنه يمارس حريته داخلها.

لا أنسى غلاف مجلة «الأهرام الاقتصادي»، حين نسبت إلى مبارك عبارته القاطعة بأن التفكير في تعديل الدستور خيانة. لم تمض أسابيع حتى أعلن الرجل نفسه تعديل المادة السادسة والسبعين. لم يكن ذلك التناقض عابرًا، بل ستارًا من الدخان يسبق ترتيب المشهد المطلوب.

بدا التعديل انتقالًا من الاستفتاء إلى الانتخاب، لكنه كان، في جوهره، التفافًا جديدًا على حلم المصريين، وتحصينًا لمستقبل رُسم لجمال مبارك تحت ضغط مشروع توريث لم يُعلن رسميًا، لكنه كان حاضرًا في كل تفصيل من تفاصيل السلطة.

لم أكن قارئًا بعيدًا، ولا متفرجًا خلف شاشة. كنت نائبًا وزعيمًا للمعارضة داخل قاعة البرلمان. رأيت بعيني كيف تحول النقاش من كتابة دستور لأمة، إلى تفصيل بدلة لرجل، مع ترك اتساع خفي فيها، كي يرتديها الابن من بعده.

قلت يومها إن الدساتير لا تُخاط كما تُخاط الثياب، وإن الأمة ليست جسدًا صغيرًا يرتدي ما يُفصل له. لكن صوتي كان يتبدد بين تصفيق المصفقين، وضجيج من اختصروا دور النائب في أداء واجب الطاعة.

كانت المادة السادسة والسبعون من أسوأ عمليات التفصيل الدستوري في تاريخ مصر حتى ذلك الوقت. كُتبت على مقاس الأب، بينما ظل وجه الابن ظاهرًا في مرآتها. كان الشعار هو التعددية، أما الحقيقة فكانت إغلاق أبوابها إلا أمام من تختاره السلطة.

في إحدى الجلسات، طرحت سؤالًا بسيطًا في ظاهره: ماذا لو أُغلق باب الترشح، ثم توفي أحد المرشحين قبل إجراء الانتخابات؟ هل تستكمل العملية بين من بقي؟

وقع السؤال عليهم كالصاعقة. رفع الدكتور فتحي سرور الجلسة، واجتمعت قيادات النظام في مكتبه، واتصلوا بمبارك، ثم عادوا بتعديل يجيز فتح باب الترشح من جديد إذا توفي أحد المرشحين أثناء العملية الانتخابية.

لم يكن قلقهم على العدالة أو تكافؤ الفرص. كان خوفهم أن يغيب مبارك نفسه أثناء السباق، فلا يجد النظام بابًا يعيد منه مرشحه إلى القائمة. سؤال واحد كشف أن النص الذي قدموه لم يكن يُكتب لمصر، بل لشخص واحد.

منذ تلك اللحظة، كان الطريق إلى سبتمبر مرسومًا. مشهد محسوم، ونتيجة معلومة قبل أن يُفتح أول صندوق. دخلت مصر نفقًا مظلمًا باسم الديمقراطية، وصارت الكلمة الجميلة غطاءً لنص مسموم.

ومع ذلك، خضنا التجربة. لم نفعل لأننا صدقنا نزاهة قواعدها، بل لأن الباطل يحتاج إلى شاهد. ولأن التاريخ لا يكتفي بأن تقول إن اللعبة كانت مغشوشة، بل يطلب منك أن تدخلها، وتكشف أمام الناس أين أُخفي الغش، وكيف صُنع.

لم تكن معركتي مع مبارك الأب وحده، بل مع نص دستوري كتبه الاستبداد بمداد التوريث. ومع ذلك، حللت ثانيًا بين عشرة مرشحين، وتحول حزب وليد، لم يمض على ميلاده سوى شهور، إلى مركز حقيقي للمعارضة. وعرف المصريون، للمرة الأولى، أن الصوت الواحد ليس قدرًا، وأن البديل يمكن أن يولد حتى من قلب الحصار.

اليوم، وبعد واحد وعشرين عامًا، لا أستعيد تلك الواقعة لأفتح جرحًا قديمًا، بل لأضع درسها أمام جيل جديد: من يبدأ بتفصيل الدستور على مقاسه، لن يترك صندوقًا إلا وفصّله على المقاس ذاته.

هذه الورقة الثانية شهادة على بداية زائفة. وشهادة على أن الحرية لا تبدأ من نص يكتبه الخائفون من الشعب، بل من شجاعة الذين يفضحون زيفه.

وفي الورقة الثالثة، أروي كيف فاز مبارك بالمركز الأول ورمز الهلال، مع أن أوراق ترشحه لم تُقدم أمامي، وكيف انقلب ترتيب المرشحين قبل أن تبدأ الانتخابات.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى