د. أيمن نور يكتب: أنا وسبتمبر (٧/٤) 21 عامًا على أول انتخابات رئاسية قطار الأمل… واغتيال أبي… وأحباء في الذاكرة

في سبتمبر عام ٢٠٠٥، لم تكن الحملة الانتخابية مجرد جولات بين مدن وقرى. كانت سفرًا طويلًا على قطار من الحلم؛ قطارًا يتحرك من محطة إلى أخرى، لا يحمل مرشحًا وحده، بل يحمل كل من ركب معه أملًا في أن تكون لمصر بداية أخرى.
لم يكن معي مال الدولة ولا إعلامها، ولم تكن خلفي جيوش الموظفين وأجهزة السلطة. كان أمامي، ومن حولي، الناس البسطاء: شباب يركضون إلى جوار السيارة، ونساء يلوّحن من الشرفات، وعمال يوقفون آلاتهم دقائق كي يهتفوا، وطلاب يكتبون اسمي على الجدران كأنهم يكتبون وعدًا جديدًا لمصر.
كان عمري يومها أربعين عامًا وبضعة أشهر. خلعت ربطة العنق، وتركت البدلة الرسمية، واخترت هيئة أقرب إلى الشباب الذين أردت أن أخاطبهم لا من فوق منصة، بل من داخل جيلهم. كانت الرسالة بسيطة: أنا واحد منكم. أما الرئيس الراحل مبارك، الذي كان يقترب من الثمانين، فقد حاول تقليد الصورة نفسها، فبدا المشهد مرتبكًا؛ لأن رجلًا من الماضي لا تصنع منه الألوان وجهًا للمستقبل.
خلال ثمانية عشر يومًا، هي مدة الدعاية الرسمية، زرت قرابة عشرين محافظة، ومررت بمئات القرى والمراكز. لم تعرف عيناي النوم إلا قليلًا. كنت أتنقل بين الناس ليلًا ونهارًا، بينما لم تملك حملات مبارك وسائر المرشحين تلك اللياقة البدنية والسياسية التي امتازت بها حملتنا، بفضل الله، ثم بجهد رفاق آمنوا بأن الطريق إلى الناس لا يُقطع من خلف المكاتب.
أذكر منهم الراحل ناجي الغطريفي، مساعد وزير الخارجية الأسبق، الذي تولى رئاسة الحزب فور اعتقالي، بتفويض مني، والمبدع المهندس وائل نوّارة، سكرتير عام الحزب، ونائب رئيس الحزب هشام قاسم، الصحفي والناشر، وتوأمي ورفيق العمر إيهاب الخولي، والفاضلة جميلة إسماعيل، والدكتورة منى مكرم عبيد، والمناضل أيمن بركات، وأحمد غنيم، وإسراء عبد الفتاح، والمحترم المهندس ياسر عبد الحميد، ومحمد إيهاب، والمهندس حسام علي، والصحفي عصام الشريف، وشادي العدل، وأحمد ماهر، وعامر أبو الليل، وباسل عادل، وآخرين.
وتبقى الصدارة دائمًا للوالدين الغاليين، أمد الله في عمرهما ومتعهما بالصحة، النائب عبد المنعم التونسي، نائب ديروط، والنائب عبد الفتاح الشافعي، نائب زفتى… وآخرين…
في الإسكندرية، كان لي سند في صديق العمر مؤمن رشاد والمهندس سيد بسيوني، ونجلاء فوزي، وشاهيناز، ومحمد تمالدو، وألف من الشباب الرائع.
في البحيرة، أذكر أحمد ميلاد، وبلال حبيب، وسيد عصمت، والتيتي. ومئات من أخلص وأنقى الشباب الذي صادفته في حياتي.
وفي المنيا الحبيب تامر أبو الليل.
وأسوان والنوبة، كان النائب محمد العمدة، والأستاذ أحمد كاجوج، وهاني يوسف، وعبد الصبور عبد الصبور، ومئات الوجوه المضيئة في كوم أمبو وبلّانة ونصر النوبة.
ومن إذاعة الغد، أذكر الإعلامية الكبيرة الراحلة ملك إسماعيل، والإعلامية الكبيرة جيداء بلبع، والأستاذ هيثم إمام، ومحمد قطب، ومحمد عبد الحي، والمهندس أحمد بدوي.
ومن جريدة الغد، لا أنسى ما حييت دور الصديق العزيز إبراهيم عيسى، الذي تولى تأسيس الصحيفة وتم عزله من رئاسة تحريرها فور اعتقالي بطلب من الجهات الأمنية، وتولى خلفًا له الإشراف على التحرير في مدة ثلاثة أشهر، هي مدة اعتقالي قبل الأخير، الأستاذ محمد الباز، ثم تولى رئاسة التحرير إبان معركة الانتخابات الرئاسية للعدد اليومي من جريدة الغد الصديق الحبيب والمفكر محمد القدوسي.
ولا أنسى مساندة الكاتب الصحفي سليم عزوز بمقالاته على صفحات الغد.
وكان في كتيبة الغد لفيف من الشباب المصري الوطني، مثل الأستاذ أحمد فكري، والأستاذ إيهاب البدوي، والأستاذ عصام الشريف، وهيثم الغيتاوي، وعلي الفيل، وحسام الدين شحاتة، وكريم الشاعر. لكل اسم من هذه الأسماء سهم في ذاكرة الحملة، ولكل وجه حكاية لا تتسع لها السطور.
ولا أنسى مؤتمر باب الشعرية، الذي شرّفه بالحضور النائب الشجاع الراحل طلعت السادات. وعلى ذكر باب الشعرية، أذكر أسماء لها في القلب والذاكرة مكانًا لا يُمحى، في مقدمتهم الصديق العزيز الدكتور عادل الركيب، والأخ الحبيب يحيى الطلياوي، والنائب الراحل عبده جابر.
وكيف لا أذكر فريال، وانشراح، وأحمد السحرتي، ومحمود ونبيل النحاس، والحاج فؤاد، ونجله محمد فؤاد، ومحمد شعبان، ونصر مطر، وسناء حسن، وابني محمد برتقالة، والحاجة ناهد، وغيرهم كثيرين.
وأذكر أيضًا المهندس المحترم مازن مصطفى وأسرته، ووليد رياض، ومحمود موسى.
في أسيوط ومنفلوط، كان النائب عبد المنعم التونسي. وفي بورسعيد، ارتفعت أصوات الشباب، وبينهم حسام علي ومحمد إيهاب. وفي السويس، لم يغب أبطالها: النائب طلعت خليل، والدكتورة عزة داود، والشيخ حافظ سلامة، الذي رافقني إلى الأزهر الشريف، إلى جوار مفتي الديار المصرية الأسبق الدكتور نصر فريد واصل.
كانت المؤتمرات مفعمة بالروح، لكن الشوارع نفسها صارت منصة أوسع. الأسواق والحقول ومحطات القطار تحولت إلى مسارح للحرية. كنت أشعر أن صوت الناس أقوى من مكبرات الصوت، وأن المسافة بين الحلم والوطن يمكن أن تُختصر بخطوة صادقة في شارع مفتوح.
كان النظام يراقب، ووجه مبارك لم يعد يخفي قلقه. أدرك أن المنافسة خرجت من شاشات التلفزيون إلى الشوارع، وأن اللعبة لم تعد أرقامًا مكتوبة سلفًا على ورق. وحين تخرج السياسة من الاستوديو إلى الناس، يصبح التزوير قادرًا على سرقة صندوق، لكنه يعجز عن محو صورة سكنت الذاكرة.
حاول الأمن أن يوقف قطار الأمل. لاحقنا، وأغلق القاعات، وقطع الكهرباء عن مكبرات الصوت. لكن الناس كانوا الميكروفون الحقيقي. كل كلمة مني كانت تولد عشرات الهتافات منهم، وكل باب أُغلق كان يفتح أمامنا شارعًا جديدًا.
في المحلة، كنت على المنصة وإلى جواري عبد الفتاح الشافعي وأحمد غنيم، وأمامنا آلاف العمال. حاولوا إسقاط المنصة فوقنا، لكن المنصة لم تسقط. ارتفعت معها الأصوات، وسقطت هيبة نظام ظن أن الخشب إذا انكسر انكسر ما فوقه. كان مشهدًا مدويًا نقلته شاشات العالم، وعلّق عليه محمد حسنين هيكل. يومها بدا النظام ساقطًا أخلاقيًا وسياسيًا، قبل أن يسقط فوق المنصات بسنوات.
في نبروه، كان المشهد أعظم من الكلمات. وفي الإسكندرية، مسقط رأسي، وفي دمنهور، وكوم أمبو، ومنفلوط، والمنيا، وبورسعيد، والسويس، وباب الشعرية، والموسكي، دائرتي التي تشرفت بتمثيلها، كان كل مؤتمر شهادة جديدة على أن مصر ليست ساكنة، وأن تحت سطح الصمت وطنًا يتحرك.
وفي ميدان التحرير، الذي نجح هشام قاسم في انتزاع موافقة لإقامة مؤتمرنا فيه، رأيت مصر كلها في ميدان واحد. لم يكن الميدان يملؤه الحديد ولا الجنود، بل الأمل. هناك قلت: سنعود يومًا إلى هذا الميدان لنحتفل بالحرية. وبعد خمسة أعوام وأشهر عدت إليه فعلًا، في ثورة يناير، فوق المنصة ذاتها، ونحن نحتفل بسقوط الرئيس نفسه. كانت الجملة يومًا وعدًا يبدو بعيدًا، ثم صارت حقيقة أقرب من كل حسابات السلطة.
وصفتنا الدعاية الرسمية بالمغامرين. لكن المغامرة الحقيقية كانت أن نصمت، وأن نترك مصر لعقود أخرى من الركود والتوريث. لم تكن جرأتنا أننا خضنا انتخابات مختلة الموازين، بل أننا عاملنا حق المصريين في الاختيار كحقيقة، بينما كانت السلطة تتعامل معه كديكور.
ولضيق الوقت، استأجرنا قطارًا سمّيته «قطار الأمل والتغيير». في كل محطة كان يتوقف عندها، كنا نعقد مؤتمرًا خاطفًا يحضره الآلاف. وكان القطار يترك خلفه أثرًا لا يُمحى: يدًا تمتد للمصافحة، ودمعة تسيل على وجه رجل، وطفلًا يرفع لافتة أكبر من قامته، وأمًّا تدعو لنا كأنها ترسل أبناءها إلى معركة لا إلى انتخابات.
لم تكن الحملة أرقامًا في دفاتر، بل دمًا يجري في عروق وطن. ولم يكن المؤيدون مجرد ناخبين، بل شهودًا على لحظة تحوّل. في عيون النساء رأيت القوة، وفي هتافات الشباب رأيت الجرأة، وفي وجوه الفقراء رأيت الحلم بأن العدالة ليست كلمة في الكتب، بل حقًا ينبغي أن يُنتزع على الأرض.
فزعت السلطة من كل صورة التقطتها عدسة صحفي، ومن كل مقال في صحيفة عربية أو أجنبية، ومن كل هتاف خرج عن النصوص المقررة. وحين عجزت عن منع الصورة، حاولت تلويثها.
في المحافظات ذات الكثافة القبطية، قالوا إنني متطرف إسلامي. وفي المحافظات ذات المزاج السلفي، قالوا إنني من أصول مسيحية. وفي عموم البلاد، زعموا أنني مبعوث من الولايات المتحدة وأنني أحمل جنسيتها، مع أنني لم أكن قد زرتها يومًا. لم تكن الأكاذيب متماسكة؛ كان يكفي أن تكون كثيرة، وأن تملك السلطة الشاشات التي تكررها.
لكن الكذبة التي قتلت حقًا كانت ما بثه وزير إعلام الأسرة الحاكمة آنذاك، أنس الفقي، على شاشة القناة الأولى: خبر كاذب عن القبض عليّ في قضية رشوة. وحين قرأ والدي الخبر على شريط التلفزيون، سقط قلبه قبل جسده، ودخل المستشفى. لم تمض أيام حتى رحل. اغتالوه بالكذب لا بالرصاص، وكان سلاح الجريمة شريط أخبار باردًا يمر أسفل الشاشة كأن شيئًا لم يحدث.
اتصلت بأنس الفقي يوم إذاعة الخبر. لم ينكر كذبه، بل قال، بوقاحة لا أنساها، إنه يعلم أن الخبر غير صحيح، وإنه سيحذفه لاحقًا من شريط الأخبار. لكنه لم يفعل. عرفت يومها، لا مجازًا بل وجعًا، أن الإعلام حين يفقد ضميره يصبح قاتلًا، وأن الكلمة قد تقتل كما تقتل الرصاصة، وربما تمضي بعد جريمتها بلا محضر ولا شاهد.
وهو نفسه الذي حصل على قيمة إعلان حملتي، بصوت أسامة منير، وغناء محمد منير، وألحان هاني شنودة، ثم رفض إذاعة الإعلان أو رد قيمته. لم تكن المسألة إعلانًا محجوبًا فحسب، بل صورة مصغّرة لنظام يستولي على حقك، ثم يمنعك حتى من الاعتراض على سرقته.
ومع ذلك، ظل قلبي ممتلئًا بإيمان الناس. تعلمت أن المنصات ليست خشبًا يُقام، بل قلوبًا تُفتح؛ وأن الانتخابات ليست سباق أسماء، بل مواجهة بين الخوف والأمل. كانت ثمانية عشر يومًا فقط، لكنها اتسعت في الذاكرة حتى صارت بعمر سنوات، وكتبت فصلًا جديدًا في كتاب مصر.
لم تكن المؤتمرات خطبًا ألقيها، بل رسائل يكتبها الناس في عيونهم. لم أكن أخاطبهم بقدر ما كانوا يخاطبونني: اثبت… نحن معك. لذلك لم تكن تلك الحملة مجرد خطوة انتخابية، بل صحوة وطنية، وإعلانًا مبكرًا أن مصر ليست رهينة الأرقام الرسمية، وأن لها روحًا لا تُزوّر.
واليوم، بعد واحد وعشرين عامًا، ما زلت أسمع هتاف المحلة، وأرى ميدان التحرير، وأشعر بارتباك السلطة كأن اللحظة لم تمض. بعض الأيام تنتهي في التقويم، لكنها تظل مفتوحة في العمر. وسبتمبر، في حياتي، واحد من تلك الأزمنة التي لا تمر، بل تعود كل عام لتسألني: ماذا بقي من الحلم، وماذا بقي فينا له؟
هذه الورقة الرابعة ليست عن مؤتمرات انتخابية فحسب. إنها عن الأمل حين يتجسد قطارًا يمضي من محطة إلى أخرى، وعن وطن اكتشف صوته قبل أن يُسمح له بالاختيار، وعن أب حنون اغتاله الإعلام بلا دم ولا ضمير.
وفي الورقة الخامسة، سأترك صخب المؤتمرات وأدخل إلى صمت الزنازين؛ حيث تحولت أصوات الناس في الخارج إلى جدران وسلاسل في الداخل. هناك تبدأ الحكاية من جديد: زنازين ما بعد الصندوق، حين دفعت السلطة بالمرشح المنافس إلى السجن، وظنت أنها باعتقال الجسد تستطيع أن تعتقل الحقيقة.







