أخبار العالممصرملفات وتقارير

هل يعيد الرد الأمريكي على التقارب المصري الصيني رسم خريطة القرن الأفريقي؟

انتقلت العلاقات بين الولايات المتحدة وإثيوبيا إلى مرحلة جديدة من التعاون العسكري المشترك عبر توقيع اتفاق دفاعي في الحادي والعشرين من أغسطس الماضي، وهو ما تامن زمنيا مع زيارة الرئيس الصيني شي جينبينغ إلى العاصمة المصرية لحضور فعاليات ومناورات جوية مشتركة وتوقيع مذكرات تفاهم متعددة، مما أثار تكهنات حول طبيعة التحركات الأمريكية في منطقة القرن الأفريقي وتفسيرها كرسائل سياسية غير مباشرة لطرف إقليمي بارز، أو كخطوة ضمن استراتيجية واشنطن الشاملة لتثبيت النفوذ في مواجهة النفوذ الصيني والروسي المتصاعد، لا سيما مع تنامي الشراكة الاستراتيجية بين بكين وأديس أبابا في يناير الفائت، ووجود تقاطعات كبرى تتعلق بأمن البحر الأحمر وطرق التجارة الدولية ومكافحة الجماعات المسلحة.

أفرزت زيارة الوفد العسكري الإثيوبي إلى واشنطن توقيع اتفاق يستهدف وضع إطار استراتيجي لتعزيز الشراكة الأمنية والدفاعية وحماية المصالح المتبادلة بين الطرفين، وبرز البعد الزمني للاتفاق كعنصر حاسم لفت انتباه المحللين بالنظر إلى توقينه المتزامن مع الاستقبال الرسمي للرئيس الصيني في القاهرة وترقية أواصر الشراكة بين الجانبين إلى مستويات استراتيجية رفيعة، الأمر الذي يعكس محاولات أمريكية جادة للحد من التوغل الصيني في القارة الأفريقية ومنع انفراد بكين بالنفوذ الاستراتيجي في القرن الأفريقي، في ظل سعي إثيوبيا المستمر لتوثيق تحالفاتها الدولية وتأمين مصالحها الإقليمية، وهو ما يجعل القيمة الجيوسياسية لدول المنطقة ترتفع بشكل ملحوظ في حسابات التنافس الدولي بين القوى الكبرى العظمى.

استبعدت التحليلات الدبلوماسية أن يكون الاتفاق أداة ضغط مباشرة أو عقوبة موجهة ضد القاهرة، حيث تؤكد التقديرات الصادرة عن شخصيات بارزة مثل المساعد السابق لوزير الخارجية الأميركي هنري إنشر أن واشنطن تركز أساساً على إيجاد شريك أمني فعال في القرن الأفريقي نظراً للثقل السكاني والسياسي والعسكري الذي تتمتع به أديس أبابا، فضلاً عن أن العلاقات الاستراتيجية الراسخة بين واشنطن والقاهرة في ملفات مكافحة الإرهاب وأمن البحر الأحمر وقضايا الشرق الأوسط تجعل من المبالغة وصف الخطوة بمثابة صدام أو خصومة استراتيجية مباشرة، ومع ذلك تدرك الإدارة الأمريكية تماماً أن تعزيز التعاون مع الجانب الإثيوبي يلقي بظلاله على الحسابات الإقليمية للقاهرة، خصوصاً في ظل الخلافات المستمرة حول ملفات مياه النيل وسد النهضة وسعي أديس أبابا الدائم للحصول على منفذ بحري على البحر الأحمر.

شهدت الفترة الأخيرة تصاعداً لافتاً في وتيرة التنافس الدولي والإقليمي داخل القارة الأفريقية، مما دفع الأطراف المعنية إلى إعادة صياغة تحالفاتها الاستراتيجية بما يضمن حماية مصالحها الحيوية في الممرات المائية الحساسة، وجاء التحرك الدبلوماسي والعسكري الأمريكي ليعكس رغبة واشنطن في الحفاظ على موطئ قدم قوي يوازن الحضور الآسيوي المتنامي، بينما تواصل القوى الإقليمية الكبرى تعزيز استقرارها وتأمين حدودها ومجالها الحيوي في بيئة إقليمية بالغة التعقيد والتداخل بين الملفات الأمنية والاقتصادية والسياسية المتباينة.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى