مقالات وآراء

د. عدنان منصور يكتب: شبح الحرب الثالثة يخيّم مجدّداً على إيران!

مع اقتراب موعد الانتخابات النصفية الأميركية التي ستجري يوم 3 تشرين الثاني/ نوفمبر المقبل، يبدو أنّ الرئيس الأميركي دونالد ترامب في وضع حرج وحسّاس أمام احتمال كبير لتراجع الأكثرية الجمهورية في الكونغرس، وذلك نتيجة تورّطه في الحرب على إيران وفشله في تحقيق أهدافه منها، ما أدّى إلى تراجع شعبيته؛ نظراً لتداعيات الحرب السلبيّة على الاقتصاد العالمي والتجارة الدولية، وما سبّبته من ارتفاع في أسعار السلع والتضخم داخل الولايات المتحدة وخارجها.

بدوره، نتنياهو يواجه معارضة قوية لسياساته؛ إذ تشير استطلاعات الرأي العام في “إسرائيل” إلى تقدّم المعارضة في انتخابات الكنيست التي ستجري يوم 27 تشرين الأول/ أكتوبر المقبل، والمرجّح لها إبعاده عن الحكم.

ترامب ونتنياهو يبحث كلّ منهما عن مخرج يرفع من أسهمه داخل الولايات المتحدة و”إسرائيل”، بعد أن هبطت شعبية ترامب لتصل إلى 33%، وهذا ما يقلقه جداً. واقع الحال يعزّز توجه ترامب كما نتنياهو للذهاب إلى حرب ثالثة على إيران قبل الانتخابات النصفية، تكون بمثابة تعويم وحبل نجاة لكليهما، وستكون الحرب مغامرة سياسية وعسكرية خطيرة، لا أحد يستطيع مسبقاً أن يجزم بنتائجها. مع العلم أنّ هناك من المسؤولين داخل الإدارة الأميركية من يدركون خطورة الانزلاق في حرب جديدة، وينبّهون من نتائج وتداعيات خطيرة لا تصبّ في صالح الولايات المتحدة، لا سيما بعد الحرب التي أشعلها ترامب ونتنياهو عام 2026، والتي كان يُفترض منها أن تكون قصيرة وتحقق غايتها، إلا أنها تحوّلت إلى مواجهة طويلة، بحيث لم يعُد يؤيد العمل العسكري ضدّ إيران سوى 31% من الأميركيين وفق الاستطلاع الأخير لـ Reuters/Ipsos، كما أنّ قادة عسكريين أميركيين، وفقاً لصحيفة “واشنطن بوست”، حذروا وزير الحرب من توسيع العمليات العسكرية على إيران.

رغم أنّ الحرب الأميركية ـ “الإسرائيلية” الأخيرة على إيران أصيبت بالفشل، ولم تحقق أهدافها، بل أدّت إلى تراجع تأييد الأميركيين لسياسة ترامب، وإلى ارتفاع أسعار البنزين، واضطراب أسواق الطاقة، بالإضافة إلى ما يشكله الملف النووي الإيراني من عبء انتخابيّ ثقيل على الجمهوريين، رغم ذلك يجنح ترامب إلى حرب جديدة يحتاج إليها لغسل ماء وجهه، تكون سريعة ومكثفة وحاسمة قبل 3 تشرين الثاني/ نوفمبر المقبل، ليطلّ بعدها على الأميركيين بإنجازات حققها بإعادة فتح مضيق هرمز، وإعلان تدميره للبرنامج النووي الإيراني، وإجبار إيران على القبول بالشروط الأميركية، أو في الحدّ الأدنى التوصل إلى وقف إطلاق نار يجيّره ترامب لنفسه مدّعياً أنه انتصار لأميركا.

العمليات العسكرية التي بدأت بها القوات الأميركية في الأيام الأخيرة، والاشتباكات التي دارت مع الحرس الثوري والجيش الإيراني، ليست سوى عمليات تحضّرها واشنطن لحرب واسعة، بعد أن تشعل اضطرابات مسلحة وتحقق خروقات داخل إيران لزعزعة استقرارها، كي تتزامن مع العملية العسكريّة الكبيرة التي ترصدها طهران بكلّ دقة وتستعدّ لها.

ظنّ ترامب أنّ العقوبات الاقتصادية القاسية التي فرضها مؤخراً على إيران ستجبرها على الرضوخ والموافقة على الشروط الأميركية، لكن مع فشل العقوبات واحتواء طهران لها، والتي عرفت كيف تتعاطى معها منذ 47 عاماً وحتى اليوم، ستضع ترامب أمام مأزق وحرَج شديد مع اقتراب موعد الانتخابات، ما سيدفعه مجدّداً للعودة إلى الخيار العسكري كفرصة أخيرة له، خاصة إذا وصل إلى أيلول/ سبتمبر أو اقترب من تشرين الأول/ أكتوبر ورأى أنّ إيران صامدة ولم تستسلم، ولم تفتح مضيق هرمز، وأنّ أسعار النفط لا تزال مرتفعة، وشعبيته في تراجع، وأنّ الأكثرية الجمهورية في وضع حرج؛ عندئذ سيكون ترامب جاهزاً للتصعيد بضربات مركزة ضخمة يريد منها إنهاء المواجهة سريعاً للخروج من ورطته بتحقيق “نصر” أو إنجاز يستطيع تسويقه في الداخل الأميركي! لكن ماذا لو أنّ حربه الجديدة ستؤدّي مجدّداً إلى ارتفاع كبير في الأسعار، لا سيما البنزين، وتدفع بإيران إلى تكثيف هجماتها على القواعد الأميركية وقتل أعداد كبيرة من الجنود الأميركيين، أو توسيع نطاق الحرب إلى العراق ولبنان واليمن والخليج، وإغلاق أطوَل لمضيق هرمز الذي كان يعبره يومياً بين 129 و138 باخرة، في حين سجل مركز عمليات التجارة البحرية في بريطانيا (UKMTO) متوسط عبور 29 سفينة شحن يومياً خلال الأسبوع الماضي من 21 إلى 27 آب/ أغسطس!

كيف سيذهب ترامب إلى الانتخابات النصفيّة متحمّلاً مسؤولية حرب فاشلة ومكلفة إذا شنها على إيران دون أن يحقق أهدافه منها؟ إنه اليوم أمام الناخب الأميركي الذي يهتمّ بسعر البنزين وبمعيشته أكثر من اهتمامه بالملفات السياسية الخارجية، فعندما يرتفع سعر غالون البنزين إلى أكثر من 4 دولارات، كما هو الحال الآن، فإنّ تأثيره الحادّ سيقع على كاهل المواطن الأميركي. لذلك طلب ترامب من شركات التكرير وتوزيع الوقود تخفيض الأسعار قبل الانتخابات النصفية!

الولايات المتحدة تعاني في الوقت الحاضر من دَين ضخم وصل إلى 40 تريليون دولار، مع فوائد مرتفعة، وعجز ماليّ، وضغط على البنك المركزي، فكيف سيصبح وضعها إذا دخلت حرباً جديدة مع إيران؟ المسألة لم تعُد مشكلة عسكرية فقط، بل مشكلة النفط والتضخم والعجز وسندات الخزينة والدولار، مما يزعزع في نهاية المطاف ثقة العالم والمستثمرين بالاقتصاد الأميركي.

يبقى ترامب بين فكّي كماشة؛ إذا شنّ حرباً على إيران سيرتفع سعر النفط، وإنْ لم يضربها ستوجه إليه التهم بعدم تحقيق الأهداف من حربه، وهنا يكمن مأزق الرئيس الأميركي، حيث عينه على ثروات العالم، وبالذات على الثروات النفطية والغازية لإيران والعراق ودول الخليج، وعلى الثروات الضخمة في المنطقة الاقتصادية الحصرية للبنان وسورية. ترامب يريد أن يفعل بدول المنطقة مثلما فعل مع مادورو في فنزويلا؛ لا الحرية ولا الديمقراطية ولا حقوق الشعوب تعنيه، ما يعنيه هو استغلال ثروات الدول. اليوم بدا واضحاً لدول العالم وشعوبها الحقيقة الدامغة والسبب الذي أدّى إلى الإطاحة برئيس فنزويلا مادورو، ليعلن ترامب في ما بعد عن أكبر صفقة مجحفة في التاريخ، ليستولي على 65 مليار برميل من النفط الفنزويلي، وهي كمية تشكل 22% من احتياطي النفط الفنزويلي البالغ 303 مليارات برميل، وما تبقى من الاحتياطي سيكون لاحقاً في القبضة الأميركية؛ إذا أنتجت الشركات الأميركية يومياً 3 ملايين برميل من النفط الفنزويلي، فهذا يعني أنها بحاجة إلى 60 سنة كي تنتهي من إنتاج الـ65 مليار برميل.

كان رهان ترامب في حربه الثانية يتركز على سقوط النظام الإيراني من الداخل قبل الخارج، وهذا لم يتحقق، لكن إيران ستظلّ الشغل الشاغل لترامب حتى تمسك الولايات المتحدة بنفط دول المنطقة وغازها دون استثناء، كي تتحكم في ما بعد بالطاقة العالمية وتسيطر عليها أميركا لعقود طويلة، تحدّد أسعارها وتتحكم بصادراتها، وتحاصر وتستغلّ دولاً. هذا ما تدركه جيداً الصين وروسيا والبرازيل وغيرها من الدول.

فلتأخذ دول المنطقة العبرة مما حصل لفنزويلا. إنّ احتياطات ثروات المنطقة من نفط وغاز ومعادن في المرمى الأميركي، حيث لن تتوقف واشنطن عن العمل للسيطرة عليها واستغلالها والتحكم بأسعارها. من هنا يتحتم على دول المنطقة الوقوف إلى جانب إيران ورفض أيّ حرب يشنّها عليها الأميركي، لأنّ إفشال الحرب على إيران إنْ وقعت سيحصن دول المنطقة مستقبلاً حتى لا تسقط لاحقاً الواحدة تلو الأخرى في يد واشنطن، وتصبح ثرواتها بين أنياب الشركات الأميركية. أميركا لا تأخذ ولا تكترث بـ“الأصدقاء” أو “الحلفاء” في المنطقة والعالم، إنما تأخذ بمصالحها قبل أيّ شيء، وبحماية الدولار من أيّ تهديد! مقولة ترامب “أميركا أولاً” تختزل مبادئ الحرية والعدل وحقوق الشعوب وسيادة الدول التي تذكّر بها واشنطن العالم على الدوام.

إذا كانت الحرب تقترب اليوم سريعاً من إيران، فإنّ لهيبها لن يقتصر على دولة واحدة، وإنما سيطال المنطقة كلها، فهل من موقف موحّد شجاع لقادتها يكون على مستوى المسؤولية، يقول بصوت عالٍ للولايات المتحدة: كفى حروباً، ونهباً، واستغلالاً، واستبداداً، وقتلاً، وخرقاً للقوانين الأممية، وعبثاً بالمجتمع الدولي ومبادئ الأمم المتحدة؟

ليس من خيار أمام إيران سوى مواجهة مدمني الحروب ومستغلي ثروات الشعوب. ترامب يريد إنهاء الحروب في العالم بمعادلة عجيبة: إنهاء الحروب بالحروب، وعلى طريقة فلّ الحديد بالحديد! معادلة لا شبيه لها في العالم كله، يريد ترامب من خلالها سيطرة أميركا دون منازع على ثروات العالم، وتحكّم الدولار بتجارته واقتصاداته!

كم كان الأديب الروسي الكبير مكسيم غوركي محقاً عندما زار الولايات المتحدة عام 1906، وشاهد تمثال الحرية، وقال بمعنى عبارته: “بدأت أفكر أنّ الذي يشتعل في تمثال بارتولدي (الحرية) ليس شعلة الحرية بل الدولار”.

لو كان مكسيم غوركي حياً اليوم لن يتردّد في القول: “إنّ الذي يشتعل في تمثال الحرية هو حروب أميركا في العالم وسفك دماء شعوبه!”.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى