مصرملفات وتقارير

اختبار حقيقي للإسكان: هل يخضع “حيتان العقارات” لسطوة القانون وحماية المواطن؟

أعلن وليد عباس، نائب وزير الإسكان للمجتمعات العمرانية، أن المشتري يمثل محور المراجعة الأساسي الذي تجريها الوزارة للمشروعات العقارية المختلفة، موضحًا أن التعامل مع حالات التأخير أو غياب الجدية لن يقتصر على توقيع إجراءات عقابية ضد المطور، بل يستهدف في المقام الأول ضمان حصول المشتري على الوحدة التي تعاقد عليها وسدد قيمتها بالكامل. وأوضح المسؤول الحكومي أن الوزارة قد تلجأ في بعض الحالات إلى سحب المشروع من المطور غير الجاد، مع إمكانية إسناد استكماله إلى كيان آخر أو تدخل الجهات الحكومية لاستكمال الأعمال وتسليم الوحدات للمشترين في المواعيد المحددة.

توجيهات الإسكان الصارمة تضع مطوري العقارات في مأزق رقابي حاسم

تتجسد المشكلة الرئيسية في كيفية تحويل هذه الإعلانات والشعارات إلى قواعد تنظيمية تطبق بصورة متساوية على السوق بأكمله دون استثناءات أو محاباة للشركات الكبرى. وتضم السوق العقارية المحلية مطورين بأحجام متفاوتة تتراوح بين شركات صغيرة ومتوسطة تتعرض لمشكلات تعثر ناتجة عن نقص التمويل أو ضعف الإدارة، وشركات كبرى تمتلك محفظة مشروعات ضخمة وقاعدة عملاء واسعة وثقلًا اقتصاديًا وإعلاميًا يجعلها قادرة على المناورة والضغط. ويبرز هنا التساؤل الأهم أمام الجهات الرقابية عما إذا كانت معايير تقييم المشروعات وسحبها ستكون واحدة بغض النظر عن اسم المطور وحجمه ونفوذه المالي والسياسي في السوق.

تمثل هذه التصريحات تحولًا محتملًا وهامًا في العلاقة بين الأجهزة الحكومية والمطورين والمشترين، بشرط أن يصبح معيار التدخل متعلقًا بمدى الالتزام بالتعاقد والتنفيذ الفعلي وحماية حقوق العملاء، وليس بقوة الشركة أو حجم استثماراتها وضخامة مشروعها. وتتطلب متابعة هذا الملف قدرا كبيرا من الشفافية والحذر، إذ لا توجد في التصريحات المعلنة أدلة قاطعة على وجود استثناءات مسبقة لصالح شركات بعينها، لكن التساؤل الرقابي يظل مشروعا ومنطقيا في قطاع تتداخل فيه استثمارات بمليارات الجنيهات وأموال طائلة تخص مواطنين أفنوا مدخراتهم من أجل امتلاك سكن مناسب.

يؤكد الخبراء أن الاختبار الحقيقي للسياسة الجديدة لن يتحقق عبر سحب مشروع محدود الحجم لشركات صغرى، بل في قدرة الوزارة على اتخاذ ذات الإجراءات الحاسمة عندما يتعلق الأمر بمشروع يتبع مطورًا عقاريًا عملاقًا أو شركة تمتلك شبكة مشروعات متعددة ووزنًا طاغيًا في السوق. وتتحول سياسة أولوية المشتري هنا من مجرد شعار للاستهلاك الإعلامي إلى معيار حقيقي يمكن قياسه من خلال الإجابة عن تساؤلات صارمة تتعلق بمدى تطبيق قواعد التقييم والمحاسبة على الجميع دون تمييز أو استثناءات طبقية أو مؤسسية.

تتأكد حقيقة أن سحب المشروع من المطور المتعثر يظل خطوة استثنائية ومعقدة، وليست حلاً سحرياً تلقائياً للأزمة القائمة برمتها، لأن المشتري الذي سدد مقدمات وأقساطاً مالية لسنوات طويلة لا يعنيه تغيير اسم الشركة المنفذة قدر ما يعنيه استلام وحدته السكنية بالمواصفات والمواعيد المتفق عليها وددون تحمل أي أعباء مالية إضافية ناتجة عن أخطاء الإدارة. وتستمر التساؤلات مطروحة حول مدى قدرة الأجهزة التنفيذية على فرض هيبتها وحماية حقوق الملايين في مواجهة تغلغل مصالح الحيتان وكبار المستثمرين في قطاع التشييد والبناء.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى