تقارب مصري كوري شمالي مفاجئ.. مناورة سياسية أم قطيعة مع واشنطن

تتجه الأنظار نحو العاصمة الإدارية في ظل تحولات إقليمية ودولية عاصفة ومتسارعة تطال الشرق الأوسط والقرن الأفريقي، حيث برزت مؤخراً خطوة دبلوماسية تمثلت في رسالة تهنئة بعث بها عبد الفتاح السيسي إلى الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون بمناسبة ذكرى تأسيس جمهورية كوريا الديمقراطية الشعبية، لتشكل أحدث مؤشر على استمرار القاهرة في توسيع شبكة علاقاتها مع قوى تقع في موقع متباين، وأحياناً متعارض، مع الولايات المتحدة وحلفائها الغربيين في المشهد الدولي المعاصر.
أعلنت بيونغ يانغ أن كيم جونغ أون تلقى رسالة السيسي، التي تضمنت تأكيداً على تقدير مصر للعلاقات الودية مع كوريا الشمالية، والتطلع إلى توسيع التعاون بين البلدين ليشمل مجالات أخرى ذات اهتمام مشترك. كما تضمنت الرسالة تمنيات الرئيس المصري للزعيم الكوري والشعب الكوري بالتقدم والازدهار. ورغم أن رسالة التهنئة في حد ذاتها لا تعني تحولاً جذرياً في التحالفات المصرية التقليدية، فإن توقيتها يلفت الانتباه إلى مسار أوسع في السياسة الخارجية المصرية، يقوم على تنويع الشركاء وعدم حصر الخيارات الاستراتيجية في العلاقة المعتادة مع الولايات المتحدة والغرب.
تحولات كبرى من بيونغ يانغ إلى بكين
تأتي الرسالة المثيرة للاهتمام بعد أيام فقط من زيارة الرئيس الصيني شي جين بينغ إلى القاهرة، وهي الزيارة التي حرصت القيادة السياسية على تقديمها باعتبارها حدثاً استثنائياً في العلاقات بين البلدين. استقبل السيسي الرئيس الصيني في مطار القاهرة، فيما وصفت الرئاسة مراسم الاستقبال بأنها اتسمت بالحفاوة البالغة، قبل أن تتبعها مراسم رسمية في قصر الاتحادية تضمنت الخيول وإطلاق 21 طلقة مدفعية وحرس الشرف وعزف السلامين الوطنيين للبلدين الكبيرين.
لم يكن الاحتفاء ببكين منفصلاً عن مضمون الزيارة السياسية؛ فقد أكد السيسي أن العلاقات المصرية الصينية ارتقت إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية الشاملة منذ عام 2014، فيما شدد البلدان في بيانهما المشترك على مواصلة تعميق هذه الشراكة في المجالات السياسية والاقتصادية والأمنية وغيرها من القطاعات الحيوية. والأهم أن الزيارة جاءت في لحظة إقليمية شديدة الحساسية. وفي وقت تشهد فيه المنطقة إعادة تقييم شاملة للتحالفات التقليدية وتراجعاً واضحاً في اليقين بشأن شكل الدور الأميركي مستقبلاً.
استخدام سياسة التوازن الاستراتيجي وتنويع الشراكات الكبرى
تستخدم القاهرة توسيع علاقاتها المتنامية مع الصين إلى جانب قوى دولية أخرى ضمن سياسة استراتيجية يمكن وصفها بـ”التوازن الاستراتيجي” وتنويع الشراكات، وذلك بحسب قراءة وكالة رويترز التي سلطت الضوء على هذه الأبعاد الجيوسياسية المعقدة. وفي المقابل، تبدو إثيوبيا في قلب تحرك أميركي متزايد وملاحظ في منطقة القرن الأفريقي الحساسة للأمن القومي العربي والمائي.
وقّعت واشنطن وأديس أبابا في مايو الماضي إطاراً للحوار الثنائي المنظم، شمل ثلاثة محاور رئيسية تمثلت في الازدهار الاقتصادي والتجارة والاستثمار، والدفاع والأمن، والسلام والاستقرار الإقليمي. وفي الرابع من سبتمبر الجاري، بحث وزير الخارجية الإثيوبي مع مساعد وزير الخارجية الأميركي للشؤون الأفريقية سبل توسيع العلاقات التجارية والاستثمارية والتنسيق المشترك بشأن قضايا الأمن والسلام الإقليمي في القارة الأفريقية.
تقاطعات ملف سد النهضة والوساطة الأميركية المرتقبة
يكتسب هذا التقارب المحموم حساسية خاصة بالنسبة إلى القاهرة بسبب ملف سد النهضة العالق وتداعياته الخطيرة. فواشنطن أعادت خلال العام الحالي طرح نفسها كوسيط محتمل بين مصر وإثيوبيا لحل الأزمة المزمنة. فيما أكد مستشار الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية أن دونالد ترامب مستعد تماماً لاستئناف الوساطة بين القاهرة وأديس أبابا بشأن النزاع المستمر على مياه النيل.
يمكن قراءة التحرك الأميركي المزدوج في اتجاهين متوازيين ومحسوبين بعناية؛ الأول هو الحفاظ على قنوات الشراكة الاستراتيجية مع مصر، وفي الوقت نفسه عدم ترك إثيوبيا خارج الحسابات والدوائر الأميركية الاستراتيجية في منطقة القرن الأفريقي، مما يضع الدبلوماسية المصرية أمام تحديات جديدة تتطلب مرونة فائقة وإدارة حكيمة للملفات الإقليمية والدولية المتشابكة خلال المرحلة المقبلة.







