مقالات وآراء

د. أيمن نور يكتب: حجر «سيتزن لاب» الرشيد

في يوليو عام ألف وسبعمائة وتسعة وتسعين، وبينما كان جنود الحملة الفرنسية يقومون بأعمال تحصين قرب مدينة رشيد، عثر أحدهم على حجر أسود لم يكن في ظاهره أكثر من قطعة قديمة من صخر الجرانوديوريت.

كان ارتفاع الحجر يزيد قليلًا على المتر، وعرضه نحو خمسة وسبعين سنتيمترًا، وسمكه قرابة ثمانية وعشرين سنتيمترًا.

لم تكن قيمته في حجمه، ولا في لونه، بل فيما حُفر على وجهه.

نص واحد كُتب بثلاثة خطوط: الهيروغليفية، والديموطيقية، واليونانية القديمة.

وكان النص مرسومًا في عهد الملك البطلمي بطليموس الخامس، قبل الميلاد بنحو قرنين.

انتقل الحجر بعد ذلك إلى أيدي البريطانيين، واستقر في المتحف البريطاني، لكن صوره ونسخه وصلت إلى علماء أوروبا.

ومن بينها نسخة وقعت بين يدي الشاب الفرنسي جان فرانسوا شامبليون.

لم يكن شامبليون هو مكتشف الحجر، كما شاع أحيانًا، لكنه كان الرجل الذي أدرك أن الحجر ليس مجرد أثر.

إنه مفتاح.

ومن خلال اللغة اليونانية المعروفة، والمقارنة الدقيقة بين النصوص، استطاع بعد سنوات من البحث أن يفتح الباب المغلق أمام قراءة الهيروغليفية.

لم يخبرنا حجر رشيد بكل شيء عن مصر القديمة.

لكنه أعطانا المفتاح الذي جعل بقية الأشياء قابلة للقراءة.

تذكرت هذه الحكاية وأنا أقرأ تقريرًا أصدره مختبر «سيتزن لاب» في جامعة تورونتو الكندية عن لغز تليفوني.

لم أكن أقرأ تقريرًا عن شخص مجهول، ولا دراسة عامة عن التجسس الإلكتروني.

كنت أقرأ تقريرًا عن هاتفي أنا.

عن ذلك الجهاز الصغير الذي ظل سنوات في جيبي، وعلى مكتبي، وبجواري في اجتماعاتي، وفي منزلي، وفي أسفاري، وفي أكثر المساحات خصوصية في حياتي.

كان هاتفي هو «الحجر» هذه المرة.

وكان تقرير «سيتزن لاب» هو المفتاح.

أكثر من أربعة عقود قضيتها في العمل العام وأنا أشعر أنني أعيش على الهواء.

منذ أن كنت طالبًا ناشطًا، ثم كاتبًا صحفيًا، ثم نائبًا في البرلمان، ومرشحًا للرئاسة، ثم سجينًا سياسيًا، وأخيرًا منفيًا قسريًا.

طوال هذه الرحلة كان هناك إحساس لا يفارقني بأن أحدًا يسمع ويرى ويتابع.

كانت للمراقبة قديمًا أدوات نعرفها.

مخبر يقف عند باب البيت.

رجل يحمل صحيفة مثقوبة في المقهى.

ميكروفون خلف مرآة.

كاميرا في مكان لا يخطر لك أن تبحث فيه.

وكنت أعيش ذلك الخليط المرهق بين اليقين والشك، وبين ما أعرفه وما لا أملك عليه دليلًا.

ثم جاء «سيتزن لاب» ليقول لي إن كل هذه الصورة القديمة أصبحت من الماضي.

فالمخبر الذي كان يمشي خلفك أصبح في جيبك.

والكاميرا التي كانوا يبحثون عن مكان لإخفائها أصبحت في يدك.

والميكروفون الذي كان زرعه يحتاج إلى اقتحام بيتك، صرت أنت من يشتريه من حر ماله، ويشحن بطاريته كل ليلة، ويضعه بجوار رأسه قبل أن ينام!

إنه الهاتف المحمول.

أذكى مخبر عرفته أنظمة المراقبة.

يدخل غرفة نومك كما يدخل اجتماعك.

يعرف أين ذهبت، ومع من تحدثت، وماذا كتبت، وماذا قرأت، وربما ما لم تكن تتصور أن أحدًا يستطيع الوصول إليه.

المفاجأة التي كشفها التقرير لم تكن أن هاتفي تعرض لمحاولة تجسس واحدة.

بل إن هاتفي وجد نفسه، دون إرادته أو إرادتي، ساحة تنافس بين اثنين من أخطر برامج التجسس في العالم: «بيغاسوس» و«بريداتور».

«بيغاسوس» ارتبط باسم شركة «إن إس أو» الإسرائيلية.

أما «بريداتور» فكان آنذاك اسمًا أقل شهرة، مرتبطًا بشركة «سايتروكس»، قبل أن يصبح لاحقًا أحد أشهر الأسماء في سوق التجسس الرقمي.

والأكثر إثارة أن تقرير «سيتزن لاب» لم يكن يتحدث عن احتمالات نظرية.

كان يفحص آثارًا رقمية مرتبطة بهاتفي أنا، ويعيد بناء ما جرى له.

ومن بين الأيام التي اكتسبت دلالة خاصة في التقرير يوم انعقاد اجتماع كنت قد دعوت إليه عشرات الشخصيات العربية والدولية لتشكيل لجنة دولية لمناهضة أحكام الإعدام.

والمفارقة الساخرة أن الاجتماع نفسه لم يكن اجتماعًا سريًا.

انعقد عبر الإنترنت، وكان متاحًا للمتابعة، ثم أذيعت أجزاء منه ونُشرت على وسائل التواصل.

أي أن أحدًا لم يكن يحتاج إلى اختراق هاتف لمعرفة ما قلناه علنًا.

لكن الاستبداد لا يكتفي عادة بما تقوله.

إنه يريد أن يعرف من اتصل بك قبله.

ومن تحدث معك بعده.

وماذا قلت بعيدًا عن الكاميرا.

وربما ماذا تنوي أن تقول غدًا.

وأذكر أن هاتفي في بعض تلك الأيام كان يسخن بصورة جنونية.

ترتفع حرارته حتى يكاد يتوقف.

ولم أجد، في لحظة يأس ممزوجة بالسخرية، سوى أن أضعه في الثلاجة قليلًا حتى يستعيد وعيه!

قلت مازحًا يومها إن «كورونا» ربما انتقلت من البشر إلى الهواتف.

ولم أكن أعرف أن تفسيرًا آخر ينتظرني.

لهذا لم يكن تقرير «سيتزن لاب» بالنسبة إليّ خبرًا تقنيًا.

كان حجر رشيد شخصيًا.

فك لي طلاسم سنوات من الوقائع والشكوك والأسئلة.

حجر رشيد الأصلي أعاد إلى البشرية القدرة على قراءة لغة ظلت صامتة قرونًا.

أما حجر «سيتزن لاب» فقد جعلني أقرأ، بأثر رجعي، صفحات من حياتي أنا.

ومع ذلك بقي لغز واحد لم يفك التقرير رموزه.

لماذا يستطيع الإعلام الذي يطارد معارضًا في كلمة، أو صورة، أو شائعة، أن يصاب فجأة بالصمم عندما يصبح الخبر تقريرًا دوليًا موثقًا عن اختراق هاتف معارض؟

لماذا يصبح الصمت هو الخبر عندما تكون الحقيقة محرجة؟

ربما لأن بعض الأنظمة تستطيع اختراق هاتفك.

لكنها لا تستطيع دائمًا اختراق الحقيقة.

وربما لهذا احتاجت الهيروغليفية إلى حجر رشيد كي تتكلم بعد قرون.

واحتاج هاتفي إلى حجر «سيتزن لاب» الرشيد…

كي يحكي أخيرًا ما جرى له.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى