مقالات وآراء

عادل صبري يكتب: أزمة الغاز تشدد خناقها على حكومة مصر

رغم تحسن نسبي في درجات الحرارة بالأجواء المصرية، مكّنها من خفض معدلات استهلاك المحروقات لتشغيل محطات توليد الكهرباء، تصاعدت أزمة الغاز إلى مستويات تاريخية، متأثرة بالتراجع الحاد في معدلات الإنتاج المحلي وتذبذب الواردات من حقول الغاز الإسرائيلي لمستويات أقل من مليار قدم مكعبة يومياً، والارتفاع الهائل في أسعار المحروقات بالسوق الدولية والفورية التي تعتمد عليها مصر في تدبير الاحتياجات العاجلة من الغاز المسال.

تدفع الأزمة الحكومة إلى البحث عن جهات لتمويل سد فجوة الإمدادات من الغاز المسال التي خلفها “انهيار الإنتاج المحلي”، حيث يتوقع خبراء أن تصل الفاتورة إلى نحو 30 مليار دولار بنهاية يونيو/ حزيران 2027، مع تعاقد وزارة البترول على شراء 230 شحنة من الغاز المسال مقابل 186 شحنة جرى استيرادها بنهاية يوليو/ تموز 2026، بلغت قيمتها نحو 11.5 مليار دولار.

وحسب مصادر رفيعة تحدثت لـ”العربي الجديد”، دفعت جهات سيادية 6 مليارات دولار في حسابات شركات تابعة لوزارة البترول، لتمكينها أخيراً من دفع مستحقات متأخرة للشركات الأجنبية التي تشارك الوزارة في عمليات تشغيل آبار الغاز والنفط، بما يضمن إعادة تشغيل الآبار المعطلة والمتراجع أداؤها، واستعادة قدرتها على الوصول إلى الحد الأمثل الذي بلغته عام 2021 حين تمكنت مصر من تصدير فائض من الغاز الطبيعي لأول مرة للأسواق الدولية.

وجاءت مدفوعات الجهة السيادية مع صعوبة تدبير الوزارة نفقات التشغيل ومستحقات الشركاء المحليين والأجانب بالعملة الصعبة، وزيادة نفقات القطاع من نحو 10.5 مليارات دولار عام 2024 إلى 15 مليار دولار بنهاية العام المالي الماضي، مع توقع تضاعف المبلغ حتى يونيو 2027.

تراجع الإمدادات وضغوط التوترات

وفقاً لتصريحات صحافية لمسؤولين بوزارة البترول، تراجع إنتاج الغاز من الحقول المصرية إلى مستويات يومية تبلغ 3.6 مليارات قدم مكعبة يومياً في الربع الثاني من العام الجاري، بينما ارتفع معدل الاستهلاك لحدود 7.7 مليارات قدم مكعبة، بفجوة يومية تتراوح ما بين 2.4 مليار و3.7 مليارات قدم مكعبة.

وأكد مصدر رفيع بالوزارة لـ”العربي الجديد” أن الزيادة الكبيرة في معدلات الاستهلاك واكبها تراجع الواردات الإسرائيلية إلى نحو 950 مليون قدم مكعبة يومياً، وتعرض سفينة شحن الغاز المسال بميناء دمياط للاعتداء من قبل مسيّرة مجهولة نهاية يوليو/تموز الماضي، بما تسبب في تراجع احتياطيات مصر من الغاز بالشبكة الوطنية، وحاجتها لشراء محطة تحويل الغاز المسال إلى طبيعي، وبما سيضطر البلاد إلى تعويض العجز بمضاعفة شحنات الغاز المستورد من السوق الدولية.

وقال رئيس شركة الغازات البترولية ونائب رئيس هيئة البترول السابق، مدحت يوسف، لـ”العربي الجديد”، إن إحصاءات الاستهلاك السنوي من الغاز أظهرت زيادة في الاستهلاك خلال الفترة من يوليو 2026 إلى يونيو/حزيران 2027 بنسبة 24%، مع ثبات الواردات الإسرائيلية عند حدود أقل من مليار قدم مكعبة يومياً، مبيناً أن هذه النتائج تبين حجم التراجع في الإنتاج المحلي خلال تلك الفترة.

ويؤكد يوسف أن إعلان مسؤولين بوزارة البترول رفع عدد شحنات الغاز المسال من متوسط 150 شحنة خلال العام المالي الجاري 2026/ 2027 لتصبح 230 شحنة، يؤكد أن أزمة الغاز تتصاعد باستمرار، الأمر الذي يدفع وزارة البترول لرفع قيمة الواردات ومعدلها بما يعادل ضعف الكمية المتفق عليها سابقاً، خاصة أن المعلومات التي سرّبها مسؤولون من الوزارة لأجهزة الإعلام عن تلك الصفقات خلال اليومين الماضيين جاءت مع دخول فصل الخريف حيث تقل حدة درجات الحرارة ويتناقص الاستهلاك بالتبعية، في الوقت الذي لم تعطِ فيه وزارة البترول أي موافقات لصناعات جديدة تعتمد على الغاز الطبيعي في التشغيل، والتي تشمل البتروكيميائيات والأسمدة والحديد والأسمنت وما يناظرها.

وأوضح يوسف أنه مع استمرار حالة الحرب الدائرة حالياً في الخليج، فإن تكلفة فاتورة استهلاك مصر من الغاز ستتضاعف عدة مرات، حيث زاد سعر المليون وحدة حرارية إلى 25.5 دولاراً طبقاً للمؤشر الهولندي لأسعار الغاز التي تُجرى مع الجهات المصرية، والتي ارتفعت بنسبة 20% عن متوسط أسعار العام الماضي عقب إغلاق مضيق هرمز وتوقف صادرات قطر والإمارات وإيران من الغاز المسال وتناقص المعروض الدولي في الأسواق.

وفي تقرير حديث لوكالة الطاقة الدولية أشار إلى أن الحقول الإسرائيلية التي ارتفعت طاقتها أسفر عن تجديد اتفاق بين القاهرة وتل أبيب لزيادة الواردات عند حدود 1.8 مليار قدم مكعبة يومياً خلال الصيف الجاري، لم يُنفذ على أرض الواقع؛ حيث تسببت الحرب الإسرائيلية الأميركية ضد إيران في تأخير بعض مشروعات البنية التحتية اللازمة لزيادة التصدير إلى مصر، مع تفضيل حكومة تل أبيب الاحتفاظ باحتياطي الغاز عن تصديره لمصر، مؤكداً أن زيادة الكميات المتعاقد عليها لا تعني بالضرورة وصولها فوراً إلى مصر.

ويمتد الاتفاق الثالث بين مصر والاحتلال إلى عام 2045 في صفقة تبلغ قيمتها نحو 35 مليار دولار.

ويذكر تقرير الوكالة الدولية للطاقة الذي اطلعت عليه “العربي الجديد” أن انخفاض الغاز من إسرائيل، التي أعطت الأولوية لسوقها المحلي، في الربع الأول من العام الجاري تزامن مع قفزة كبيرة في واردات الغاز المسال المصرية التي ارتفعت بنسبة 170% على أساس سنوي خلال تلك الفترة، بينما ارتفعت فاتورة واردات الطاقة الشهرية لمصر إلى أكثر من الضعف، وقفزت فاتورة الغاز إلى نحو 3 أمثالها منذ بداية الحرب بالخليج.

حدود الاستكشافات وخطط التكرير

قال مصدر بارز بوزارة البترول، لـ”العربي الجديد”، إن المشكلة أن المسؤولين بنوا جزءاً من توازنهم في أزمة الغاز على مصدر خارجي غير مضمون بالكامل، في الوقت الذي انخفض فيه إنتاجها المحلي إلى أقل من 4 مليارات قدم مكعبة يومياً، ولا يمكن لها تعويض العجز الكبير في الغاز من مصادر المشروعات القائمة والتي يجري إنفاق مليارات الدولارات على تطويرها حالياً؛ لأنها ما زالت “صغيرة الحجم وقليلة القيمة والكمية”، حيث لا تتخطى قدرتها توفير أكثر من 200 مليون قدم مكعبة يومياً في حالة استكمالها عام 2027، بينما تتعمق الأزمة حالياً ولمدة سنوات قادمة لعدم وجود استكشافات جديدة من الغاز أو النفط، وفي حالة وجودها سيستغرق تأهيلها ما بين 3 إلى 5 سنوات على الأقل.

وبيّن المصدر، الذي رفض ذكر اسمه، أن الحكومة تستهدف استيراد 18.7 مليون طن من الغاز المسال والطبيعي خلال العام الجاري، فيما تسعى إلى رفع الإنتاج المحلي إلى 6.6 مليارات قدم مكعبة من الغاز بحلول 2030، مبيناً ارتفاع تكلفة شحنة الغاز المسال من السوق الدولية من 40 مليون دولار إلى 50 مليون دولار خلال فترة الحرب، وارتفعت مؤخراً إلى 80 مليون دولار بسبب استمرار العمليات العسكرية بالخليج، بما يعني زيادة تعادل 25% مع انطلاق الحرب و50% عن المعدلات السائدة عام 2025.

وأوضح المصدر أن وزارة البترول رفعت في الآونة الأخيرة مستهدف استثمارات مشروعات تكرير البترول والبتروكيميائيات إلى نحو 5.2 مليارات دولار خلال العام المالي الجاري مقابل 4 مليارات دولار سابقاً، مع إضافة مشروعين جديدين لزيادة إنتاج السولار والمنتجات البترولية عالية القيمة في محاولة لتقليص فاتورة الاستيراد، وخفض واردات المنتجات البترولية باستثناء الغاز الطبيعي، وذلك برفع معدل استغلال معامل التكرير من 66% إلى أكثر من 80%.

وفي تصريحات حديثة لوزير البترول كريم بدوي، أكد سعي الحكومة إلى جذب القطاع الخاص لتمويل مشروعات جديدة لتحويل المازوت إلى سولار وبنزين ونافتا بقيمة 2.1 مليار دولار بمجمعي شركتي السويس والنصر للبترول المملوكتين للحكومة، بطاقة إجمالية 3.5 ملايين طن من المازوت سنوياً، تزامناً مع ارتفاع سعر السولار ومعدل استهلاكه في الصناعات المختلفة بنسبة 6.6% سنوياً.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى