
أثارت مشاهد ظهور وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير داخل قسم الأسيرات الفلسطينيات في سجن الدامون بمدينة حيفا، موجة واسعة من الغضب على مواقع التواصل الاجتماعي، بعدما ظهر وهو يتحدث مع الأسيرات حول ظروف احتجازهن، في زيارة جرى تصويرها ونشرها على نطاق واسع.
وخلال المشهد، تحدثت إحدى الأسيرات عن أوضاع الاحتجاز، مشيرة إلى صعوبات تتعلق بالاستحمام والملابس النظيفة والرعاية الطبية، بينما دافع بن غفير عن سياسة التشدد التي يتبناها تجاه الأسرى، معبرا عن رضاه عنها وتحمله مسؤوليتها….
ولم يتوقف الجدل عند مضمون تصريحات الوزير، بل امتد إلى طريقة تقديم الزيارة نفسها. فوجود الكاميرا داخل قسم الأسيرات، وتحويل الحوار إلى مشهد متداول أمام الجمهور، أعطى الواقعة طابعا سياسيا وإعلاميا يتجاوز الزيارة الرسمية أو التفقدية.
ومنذ توليه منصبه، جعل بن غفير من ملف الأسرى الفلسطينيين جزءا بارزا من خطابه السياسي، ودافع مرارا عن تشديد ظروف احتجازهم. ولذلك يرى منتقدوه أن ظهوره بهذه الصورة أمام الأسيرات يخدم رسالته السياسية، التي تقوم على تقديم الإجراءات العقابية باعتبارها دليلا على الحزم الأمني.
لكن خلف هذا الاستعراض تبقى قضية أكثر أهمية ألا وهي أوضاع النساء المحتجزات داخل السجون الإسرائيلية. فقد تحدثت تقارير فلسطينية وحقوقية خلال السنوات الماضية عن شكاوى متعلقة بالعزل والقيود ونقص بعض الاحتياجات الأساسية والرعاية الصحية، وهي مسائل تستوجب التحقق المستقل والتوثيق والمساءلة، بعيدا عن الاوضاع السياسية.
وتكتسب القضية حساسية أكبر عندما يتعلق الأمر بالأسيرات، إذ إن الاحتجاز لا يلغي الحقوق الأساسية للإنسان……. فالمعايير الدولية تفرض معاملة المحتجزين بكرامة، وتلزم السلطات القائمة على الاحتجاز بتوفير الرعاية الصحية والاحتياجات الأساسية والحماية من المعاملة القاسية أو المهينة.
ومن هذه الزاوية، فإن المشكلة لا تكمن فقط في تصريحات وزير أو في مقطع مصور، وإنما في تحويل ظروف الاحتجاز إلى مساحة للصراع السياسي، بحيث يصبح مستوى التضييق على الأسرى جزءا من خطاب المسؤول أمام جمهوره.
وحيث ظلت قضية الأسرى الفلسطينيين حاضرة في مواقف جامعة الدول العربية، التي أدانت في بيانات ومواقف سابقة الانتهاكات الإسرائيلية بحق الأسرى والمعتقلين، وطالبت باحترام القانون الدولي الإنساني وتوفير الحماية لهم، إلى جانب دعوة المجتمع الدولي إلى تحمل مسؤولياته.
غير أن تكرار الوقائع يضع الموقف العربي أمام سؤال مختلف: هل تكفي الإدانة السياسية وحدها؟
فالتحدي الحقيقي يتمثل في الانتقال من ردود الفعل إلى تحرك أكثر استمرارية، عبر توثيق الانتهاكات، وإبقاء ملف الأسرى حاضرا في المحافل الدولية، ودعم المسارات القانونية والحقوقية، وتعزيز التنسيق العربي بشأن القضية بدل تركها رهينة لكل حادثة منفردة.
كما تقع مسؤولية على المؤسسات الدولية، وفي مقدمتها الجهات المعنية بحقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني، للتحقق من أوضاع المحتجزين وضمان وصول آليات الرقابة المستقلة إليهم، وعدم التعامل مع الانتهاكات بمعايير مزدوجة.
أما المشاهد القادمة من سجن الدامون، فلا ينبغي أن تنتهي قصتها بانتهاء التداول على مواقع التواصل الاجتماعي. فالصورة قد تثير الغضب للحظات، لكن التوثيق والمساءلة وحدهما قادرا على تحويل الغضب إلى موقف مؤثر…







