
بمناسبة مرور مائة عام على مولد الشيخ يوسف القرضاوي، لا تكفي استعادة سيرته أو تعداد كتبه ومواقفه، بل الأهم هو البحث عن الفكرة الكبرى التي انتظمت مشروعه الفكري والفقهي والدعوي.
فالقرضاوي لم يضع كتابًا واحدًا بعنوان «المشروع الحضاري»، لكن مجموع إنتاجه يكشف عن رؤية متكاملة للإنسان والمجتمع والأمة ودورها في العالم. ومن الخصائص العامة للإسلام إلى ملامح المجتمع المسلم الذي ننشده، ومن فقه الأولويات وفقه المقاصد إلى من فقه الدولة في الإسلام وكتاباته عن الرسالة الحضارية للأمة، يظهر خيط ناظم واحد: كيف يتحول الإسلام من عقيدة وأحكام إلى قوة للنهوض والعمران والشهادة الحضارية؟
جوهر المشروع عند القرضاوي يبدأ من استعادة شمول الإسلام؛ فلا يختزل الدين في العبادة، ولا الشريعة في الحدود، ولا المشروع الإسلامي في الدولة أو السلطة. فالإسلام عنده بناء للإنسان والعقل والأخلاق والمجتمع والاقتصاد والثقافة والدولة، ضمن رؤية متوازنة تجمع بين الوحي والعقل، والثابت والمتغير، والأصالة والمعاصرة.
ومن أهم إضافاته أنه نقل العقل الإسلامي من مجرد السؤال عن الحكم الشرعي إلى أسئلة أوسع: ما المقصد؟ وما الأولوية؟ وما المصلحة والمفسدة؟ وما المآل؟ وما طبيعة الواقع؟ ومن هنا برزت عنده منظومة فقه المقاصد، والأولويات، والموازنات، والمآلات، والواقع والسنن.
وبذلك يمكن تلخيص مساره في انتقال متدرج:
فقه الإسلام → فقه الواقع → فقه الحركة → فقه النهوض.
كما أن المشروع عنده لا يتمحور حول التنظيم، ولا حول الدولة وحدها، وإنما حول الأمة؛ فالتنظيم وسيلة، والدولة أداة، أما الغاية فهي بناء أمة تمتلك الإنسان والعلم والاقتصاد والمؤسسات والقدرة على التأثير.
والبعد الأبعد في المشروع هو أن الأمة ليست مطالبة فقط بحماية هويتها، وإنما باستعادة رسالتها الإنسانية؛ أي الانتقال من سؤال: كيف نحمي أنفسنا من العالم؟ إلى سؤال: ماذا نقدم للعالم؟
ومن هنا يمكن تلخيص المشروع الحضاري عند القرضاوي في معادلة موجزة:
مرجعية إسلامية شاملة + عقل مقاصدي + إنسان مؤهل + وعي بالواقع + مجتمع قيمي + أمة متماسكة + دولة عادلة + علم واقتصاد ومؤسسات فاعلة = نهوض حضاري.
لكن المئوية تفرض أيضًا سؤال التقويم: هل قدم القرضاوي مشروعًا حضاريًا مكتمل البناء، أم قدم الأسس الفكرية والفقهية له؟
الأقرب أن إسهامه الأكبر كان في بناء عقل النهوض ومرجعيته، أكثر من بناء النموذج التنفيذي والمؤسسي للنهوض. فقد أجاب بدرجة كبيرة عن سؤال: كيف ينبغي للأمة أن تفكر؟ وبقي على الأجيال التالية أن تجيب عن السؤال الأصعب:
كيف تتحول هذه الرؤية إلى مؤسسات وقوة وعلم واقتصاد وقدرة حضارية حقيقية؟
وهذا هو المعنى الذي يلخص الانتقال من فقه الأولويات إلى فقه النهوض.







