نداء أزهري عاجل: البيت والمسجد أساس التربية قبل المدرسة

انطلق العام الدراسي الجديد بوقفات توعوية هامّة حيث اختار حسن الصغير رئيس أكاديمية الأزهر العالمية لتدريب الأئمة تخصيص خطبة الجمعة في الجامع الأزهر لموضوع مدرسة الرسول محمد صلى الله عليه وسلم في رسالة مباشرة وواضحة لم تقتصر على الأبناء وحدهم بل توجهت إلى أولياء الأمور بوصفهم الحلقة التربوية الأولى التي تسبق أي مؤسسة تعليمية نظامية. شدد الخطيب على أن التربية تسبق التعليم بشكل مطلق وأن الأنشطة اليومية للأبناء تحتاج إلى ترسيخ الإيمان والقيم في نفوسهم قبل انشغالهم المفرط بوسائل التواصل الاجتماعي والتكنولوجيا الحديثة مستشهداً بوصية لقمان الحكيم لابنه في القرآن الكريم وبحديث النبي محمد صلى الله عليه وسلم لابن عباس رضي الله عنهما لتعليمه معاني التوكل الحقيقي على الله والثقة التامة في مقاديره.
توجيهات الأزهر الشريف حول مدرسة الرسول في العام الدراسي الجديد
أوضح المسؤول الأزهري أن مدرسة النبي محمد صلى الله عليه وسلم لا تقتصر على تعليم الأبناء فحسب بل تمتد لتلقين أولياء الأمور كيف يتحملون مسؤولياتهم الجسيمة مستنداً إلى الآية الكريمة التي تخاطب الآباء والأمهات مباشرة للوقاية من نار جهنم ومضيفاً أن الزوجات والأمهات يشملهن هذا الخطاب الشرعي لأن كل فرد راع ومسؤول عن رعيته بداخل بيته. تشير هذه التراتبية المتمثلة في البيت أولاً ثم المسجد باعتباره الامتداد الطبيعي للتربية الأسرية ثم المدرسة أخيراً إلى تساؤل جوزري قديم متجدد حول الجهة التي تتولى تربية الجيل القادم فعلياً في الوقت الراهن في ظل المتغيرات المعاصرة المتلاحقة التي تشهدها المجتمعات العربية والإسلامية على مدار شهر سبتمبر وشهر أكتوبر من كل عام دراسي جديد.
تطرق الخطيب بوضوح إلى آفة كثرة اللغو والكلام في العصر الحالي رغم مظاهر التقدم الحضاري وسرعة وسائل الاتصال مما يلامس واقعاً يقلق التربويين والدعاة يتمثل في تراجع دور الأسرة كمؤسسة تربوية أولى لصالح مصادر أخرى غير مؤهلة لهذه المهمة الحساسة. شهدت العقود الأخيرة تغيراً جذرياً في معادلة التنشئة الاجتماعية نتيجة انشغال الوالدين الدائم بمتطلبات الحياة المعيشية وضغوط العمل حتى بات الأطفال يقضون معظم أوقاتهم بعيداً عن أسرهم فضلاً عن تسليم الأجهزة الذكية للصغار في سن مبكرة دون رقابة كافية لتصبح تلك الشاشات المرجعية الفعلية للسلوكيات والخيارات. ترتب على هذا التراجع تحميل المدارس وحدها أعباء تربية الأنشطة والنشء رغم أن الوظيفة الأساسية للمؤسسات التعليمية تظل هي التعليم المعرفي وليست التربية الشاملة وحدها مع التأكيد على أن الهداية مطلوبة في جميع المراحل العمرية وفق الهدي النبوي الشريف.
برز دور المسجد كحلقة وصل أساسية ومفقودة في المنظومة التربوية المعاصرة حيث كان تاريخياً يمثل الامتداد الطبيعي لبيوت العبادة والتربية عبر صلوات الجماعة وخطب الجمعة والدروس الدينية التي يحرص الآباء على حضورها برفقة صغارهم. شهد هذا الحضور تراجعاً ملحوظاً في كثير من الأسر نتيجة غياب اصطحاب الأبناء بانتظام إلى المساجد أو تحول العلاقة الدينية إلى مناسبة عابرة بدلاً من كونها برنامجا تربويا منتظما يسهم في بناء الشخصية السوية والقويمة للأبناء والشباب على حد سواء طوال أشهر السنة.
اختتم الخطيب توجيهاته بنداء صريح ومباشر لضرورة ترجمة العقيدة والإيمان إلى أفعال وممارسات عملية يومية لا تقتصر على الأقوال النظرية مستشهداً بالآيات القرآنية الكريمة التي تحذر من قول ما لا يفعله الإنسان في إشارة بالغة الأهمية إلى أن استعادة دور البيت والمسجد تتطلب قدوة حقيقية يمارسها الوالدان بأنفسهما قبل مطالبة الأبناء بالالتزام السلوكي. تعد مدرسة النبي محمد صلى الله عليه وسلم الخيار الأمثل والأنسب لأنها مفتوحة طوال أشهر العام ودون مقابل مادي ولكنها في الوقت ذاته تعليم إلزامي حتمي لا يقبل الاختيار لأن التخلي عنها يسفر عن عواقب وخيمة وكلفة معيشية قاسية لكل من يعرض عن ذكر الله ومنهجه القويم في الحياة الدنيا.







