دفاتر بلا أقلام وخيام بلا مدارس: صرخة أطفال غزة مع دق ناقوس العام الجديد

تتعاظَم التحديات الإنسانية والتعليمية مع بدء عام دراسي جديد في قطاع غزة، حيث يجد آلاف الأطفال أنفسهم أمام مسار دراسي معلق بين خيام النزوح وغلاء المستلزمات، في ظل تواصل الحرب التي تحرمهم من حقهم في بيئة آمنة تحمي طفولتهم وتصون مستقبلهم. وتبرز تجربة مدرسة بلا حدود في شمال قطاع غزة كنموذج لتحدي الواقع المرير، إذ لا تبدأ الحكاية المدرسية هناك مع جرس الصباح أو اصطفاف التلاميذ أمام بوابة من الإسمنت، بل تحت سقف من القماش وبين مقاعد قليلة وسبورات لا تكفي آلاف الطلاب، بعدما تحولت غالبية المدارس السابقة إلى مبانٍ مدمرة أو مراكز لإيواء النازحين.
معاناة تعليمية قاسية يواجهها أطفال قطاع غزة وسط خيام النزوح وارتفاع الأسعار
تأسست مدرسة بلا حدود في مايو 2024 لتكون أول خيمة تدريسية في شمال قطاع غزة باستقبال خمسمائة طالب وطالبة، قبل أن يرتفع العدد إلى قرابة ألف، ثم ينتقل المقر من شارع الجلاء إلى أرض الكتيبة غرب مدينة غزة مع عودة أعداد من النازحين، ليصل إجمالي الطلاب إلى نحو ثلاثة آلاف ويصبح الكيان أكبر مدرسة ميدانية في المنطقة الشمالية. توضح نوال أبو نادي، المشرفة التربوية والمعلمة بالمؤسسة، أن الأعداد تشهد تزايداً يومياً نتيجة الحاجة الملحة لاستئناف العملية التعليمية وسط غياب الأبنية المدرسية الآمنة، مضيفة أن التجربة انطلقت بإمكانات محدودة للغاية تمثلت في توفير البراشوتات والشوادر والأرضيات لتجاوز شح الموارد.
تواجه الأسر الفلسطينية أعباء إضافية تتمثل في ارتفاع أسعار القرطاسية والملابس والمستلزمات التعليمية في وقت أنهكت فيه الحرب مصادر الدخل، حيث تؤكد نوال أبو نادي أن عجز العائلات عن الشراء يجعل توفير الأدوات جزءاً أساسياً من العملية التعليمية بالمدرسة. تتوافق هذه المعطيات مع ما وثقته منظمة اليونيسف في تقريرها الصادر في مايو 2026، والذي أشار إلى حرمان نحو سبعمائة ألف طفل في غزة، من سن الرابعة إلى السابعة عشرة، من التعليم الحضوري الرسمي لما يقارب ثلاثة أعوام دراسية متتالية، فضلاً عن عدم وجود أي وصول للتعليم الحضوري لدى نحو اربعمائة وعشرين ألف طفل، وتضرر نحو ثمانية وتسعين بالمئة من مباني المدارس مع حاجة أكثر من ثلاثة وتسعين بالمئة منها إلى إعادة تأهيل كبرى أو بناء كامل. يضاف إلى ذلك خطر الطرق التي تغلقها نحو ستين مليون طن من الركام المخلف لمخلفات متفجرة.
تتعامل الطواقم التعليمية مع جانب آخر لا يقل خطورة يتمثل في الصدمات النفسية الحادة التي يحملها الأطفال إلى الخيام الدراسية جراء الفقد ومشاهد العنف، حيث توضح نوال أبو نادي أن القدوم للمدرسة يمثل رسالة تحدٍّ رغم أصوات الطائرات والقصف، مشددة على ضرورة وجود الأخصائيين النفسيين يومياً لتفريغ الضغوط وتوفير تفاعل صحي مع الأقران. ومن منظور حقوقي، يشكل حرمان الأطفال من التعليم انتهاكاً للمادة ثمانية وعشرين من اتفاقية حقوق الطفل وقواعد القانون الدولي الإنساني التي تفرض حماية خاصة للعملية التعليمية في مناطق النزاع.
تستمر مدرسة بلا حدود بفضل شراكات محدودة بدأت كمبادرة شخصية وتوسعت لتشمل مؤسسات عدة وصولاً إلى الشراكة مع مؤسسة النيزك كأحد شركاء اليونيسف، حيث يغطي الدعم الحالي الصفوف من الرابع إلى التاسع، بينما تفتقر مرحلة رياض الأطفال حتى الصف الثالث إلى جهة داعمة وتعتمد على جهود معلمات متطوعات يومياً. ومع استمرار غياب الدعم الشامل وتأكيد اليونيسف فقدان سبعمائة ألف طفل الوصول المنتظم للتعليم، تظل الخيمة المدرسية محاولة متواضعة لسد فراغ هائل يهدد مستقبل الجيل الناشئة في القطاع.





