مأساة المهاجرين في مصر.. هل تفشل المليارات الأوروبية بوقف النزيف؟

شهدت شواطئ البحر الأبيض المتوسط حادثة مأساوية تمثلت في غرق مركب كان يحمل على متنها ثلاثين مهاجرا غير شرعي قبالة سواحل الإسكندرية، مما أسفر عن سقوط ثلاثة قتلى وإصابة سبعة آخرين على الأقل في حصيلة أولية مفجعة أثارت استنفاراً أمنياً واسع النطاق، وباشرت النيابة العامة تحقيقات موسعة لمعشفة ملابسات الواقعة. انطلقت الأجهزة المعنية فور تلقي الإخطار الرسمي نحو الموقع المحدد لإنقاذ الناجين وانتشال الجثامين، بينما أصدرت الجهات القضائية تكليفاتها للمباحث الجنائية بإجراء تحريات مكثفة لتحديد نقطة انطلاق المركب بدقة وخط سير رحلتها ووجهتها النهائية.
تداعيات غرق مركب مهاجرين قبالة سواحل الإسكندرية ومليارات اليوروهات الأوروبية
أكدت التحقيقات الأولية أن تحديد نقطة انطلاق الرحلة يكتسب أهمية بالغة كونه يكشف عن مؤشرات خطيرة تتعلق بعودة نشاط شبكات تهريب البشر لاستخدام السواحل الشمالية كمنصة رئيسية للانطلاق، وذلك بعد سنوات طويلة من توقف هذا المسار تماماً لما يقرب من عقد من الزمان. استجوبت جهات التحقيق المصابين داخل المستشفيات للوقوف على التفاصيل الكاملة، وندبت مفتش الصحة لمعاينة الجثث وإصدار تصاريح الدفن، وسط تساؤلات ملحة حول عودة هذه الأنشطة الإجرامية إلى الواجهة رغم الإجراءات الأمنية المشددة المفروضة على الشواطئ طوال الفترة الماضية.
ترتبط هذه الواقعة ارتباطاً وثيقاً بملف الشراكة الاستراتيجية الموسعة المبرمة بين الاتحاد الأوروبي والجمهورية العربية المصرية والتي بلغت قيمتها الإجمالية أربعة وسبعين من عشرة مليار يورو للفترة الممتدة بين عامي ألفين وأربعة وعشرين وعام ألفين وسبعة وعشرين. تضمنت هذه الحزمة التمويلية الضخمة مخصصات مالية بلغت مئتي مليون يورو موجهة حصرياً لتعزيز إدارة الحدود وإنفاذ قوانين مكافحة الهجرة غير الشرعية، إلى جانب حزمة سابقة بقيمة ثمانين مليون يورو خصصت لتوريد معدات مراقبة متطورة شملت سفناً بحرية وكاميرات حرارية وأنظمة تحديد مواقع عبر الأقمار الصناعية لضبط الشواطئ بكفاءة عالية.
تستند هذه التمويلات المليارية المستمرة ومتجددة البنود عبر مذكرات التفاهم والقمم المشتركة إلى معادلة واضحة تقوم على التزامات مقابل تمويل، حيث تحصل الجمهورية العربية المصرية على دعم اقتصادي وسياسي ومالي واسع النطاق في مقابل التزامها الصارم بمنع تدفق المهاجرين عبر أراضيها ومياهها الإقليمية نحو الشواطئ الأوروبية. كشفت تقارير متخصصة عن تركيز جزء كبير من التمويل الأوروبي الأخير نحو تطوير قدرات مكافحة التهريب عبر الحدود الغربية المشتركة مع دولة ليبيا، حيث عززت الجهات المعنية منظومات المراقبة ووسعت نطاق التعاون المعلوماتي لملاحقة شبكات المهربين ومنع إعادة استخدام السواحل كنقطة انطلاق.
أثار حادث الإسكندرية الأخير تساؤلات واسعة حول تركيز الجهد الأمني والتمويلي على محور جغرافي واحد ممثلاً في الحدود الغربية بينما تظل ثغرات أخرى كالسواحل الشمالية المباشرة عرضة لعودة الأنشطة غير الشرعية. وجهت منظمات حقوقية، من بينها منصة اللاجئين في الجمهورية العربية المصرية، انتقادات حادة معتبرة أن الدعم الأوروبي المتدفق يمنح شرعية سياسية للأجهزة الحاكمة مقابل دورها في ضبط الحدود. أشارت تلك المنظمات إلى أن الانتهاكات المزعومة ضد المهاجرين والنازحين قسراً لا يمكن فصلها عن برامج التدريب وبناء القدرات والمعدات الاستخباراتية المقدمة من بروكسل، وهو ما يعكس جدلاً متصاعداً داخل المؤسسات الأوروبية نفسها حول الكلفة الأخلاقية لسياسات التمويل مقابل الاحتواء.




