مقالات وآراء

سلام الكواكبي يكتب: ناطحات السحاب أم ناطحات السراب؟

منذ سقوط نظام بشار الأسد، بات الحديث عن إعادة إعمار سوريا يتصدر المشهد السياسي والإعلامي. المؤتمرات تُعقد، والوفود الاقتصادية تتنقل، والشركات تستعد، فيما تتسابق وسائل الإعلام إلى نشر صور المشاريع المستقبلية: أبراج شاهقة، مجمعات سياحية فاخرة، فنادق خمس نجوم، مرافئ حديثة، ومدن ذكية تبدو وكأنها منسوخة من كتيبات الدعاية العقارية في الخليج.

أي سوريا يجري الحديث عنها؟ وأي إعمار هذا الذي يبدأ من ناطحات السحاب قبل أن يلتفت إلى البشر الذين يعيشون تحت الخيام؟ فما يزال أكثر من مليون سوري يقيمون في المخيمات، بعضهم منذ أكثر من عقد. أجيال كاملة وُلدت وكبرت وهي لا تعرف من الوطن سوى خيمة مهترئة أو غرفة إسمنتية مؤقتة. وفي الوقت نفسه، تُطرح مشاريع بمليارات الدولارات لبناء منتجعات سياحية ومناطق استثمارية لا يملك معظم السوريين القدرة حتى على دخولها أو تناول فنجان قهوة في مقاهيها.

المشكلة ليست في الفنادق ولا في السياحة ولا حتى في الأبراج المرتفعة بحد ذاتها. فكل بلد يحتاج إلى الاستثمار وإلى مشاريع تنموية قادرة على جذب رؤوس الأموال وخلق فرص العمل. لكن الكارثة تبدأ عندما تتحول هذه المشاريع إلى بديل عن الأولويات الحقيقية، أو عندما يُراد لها أن تكون واجهة براقة تخفي وراءها واقعاً اجتماعياً بائساً.

في سوريا اليوم، لا تكمن الأزمة الأساسية في غياب الفنادق الفخمة، بل في غياب السكن اللائق لملايين المواطنين. ليست المشكلة في نقص المنتجعات، بل في انهيار الخدمات الأساسية من تعليم وصحة، ونقل وكهرباء ومياه. وليست المعضلة في عدد الأبراج الموجودة في الأفق، بل في قدرة المواطن على شراء الخبز والدواء ودفع إيجار منزله.

لقد وصلت الأسعار في سوريا إلى مستويات تضاهي، وأحياناً تتجاوز، أسعار العديد من الدول الأوروبية. غير أن المقارنة تتوقف هنا، لأن الدخل السوري لا يشبه الدخل الأوروبي إلا في الخيال. فبينما يستطيع المواطن الأوروبي الاعتماد على راتب يوفر له الحد الأدنى من الحياة الكريمة، يجد السوري نفسه أمام أسعار عالمية وأجور محلية لا تكفي لتغطية احتياجات أسبوع واحد.

إن إعادة الإعمار الحقيقية لا تبدأ من الإسمنت والزجاج، بل من الإنسان. تبدأ من إعادة بناء الثقة بين الدولة والمجتمع، ومن توفير فرص العمل، ومن تأمين الخدمات الأساسية، ومن إعادة المهجرين إلى مناطقهم، ومن معالجة الفقر الذي تحول إلى ظاهرة عامة لا تستثني إلا قلة قليلة.

كثيرون يرفعون اليوم شعار مكافحة الفساد وكأنه مهمة تقنية يمكن إنجازها عبر بعض القوانين أو اللجان الرقابية. لكن الفساد في سوريا لم يكن يوماً مجرد انحراف إداري، لقد كان جزءاً من البنية السياسية والاقتصادية التي حكمت البلاد لعقود. وكان النظام السابق يعتمد على شبكة واسعة من المستفيدين الذين راكموا ثروات هائلة بفضل قربهم من السلطة واحتكارهم للمشاريع والامتيازات.

المثير للانتباه أن عدداً غير قليل من هؤلاء لم يختفوا مع سقوط النظام. لقد أظهروا قدرة استثنائية على التكيف مع التحولات السياسية. فكما كانوا قريبين من أركان السلطة السابقة، أصبحوا اليوم قريبين من مراكز النفوذ الجديدة. تغيرت الصور على الجدران، وتبدلت الشعارات، لكن كثيراً من الأسماء بقيت حاضرة في المشهد الاقتصادي نفسه.

إنها البورجوازية الطفيلية التي لا ترتبط بمشروع وطني أو رؤية تنموية، بل بقدرتها على الاقتراب من السلطة أياً كان شكلها. هذه الفئة لا تستثمر في الإنتاج بقدر ما تستثمر في النفوذ، ولا تحقق أرباحها من المنافسة الحرة بقدر ما تحققها من الامتيازات والعلاقات الخاصة.

ولهذا تبدو مكافحة الفساد مستحيلة إذا بقيت هذه الشبكات تمسك بمفاصل الاقتصاد. فلا يمكن لمن استفاد من منظومة الفساد أن يقود عملية اجتثاثها، كما لا يمكن لمن راكم ثروته عبر الاحتكار والمحسوبية أن يتحول فجأة إلى حامل لمشروع العدالة الاقتصادية والشفافية.

إن الخطر الأكبر لا يتمثل في فشل إعادة الإعمار، بل في نجاحها بالشكل المشوّه. فبعض البلدان شهدت نمواً عمرانياً ضخماً من دون أن ينعكس ذلك على حياة مواطنيها. ارتفعت الأبراج، واتسعت الفجوة بين الأغنياء والفقراء. ازدهرت العقارات، وتراجع الشعور بالمواطنة. وفي النهاية جرى إنتاج أزمات جديدة فوق أنقاض الأزمات القديمة.

سوريا لا تحتاج إلى إعادة إنتاج نموذج يقوم على استعراض الثروة وسط بحر من الفقر. ما تحتاجه هو مشروع وطني يضع الإنسان في مركز العملية التنموية، ويعتبر أن بناء مدرسة أهم من بناء برج، وأن إعادة عائلة إلى منزلها أهم من افتتاح فندق فاخر، وأن خلق فرصة عمل لشاب عاطل أكثر إلحاحاً من تدشين مركز تجاري جديد.

لن تُقاس إعادة الإعمار بعدد الرافعات المنتشرة في الأفق، ولا بعدد الفنادق التي تحمل أسماء عالمية، ولا بارتفاع الأبراج التي تزين الصور الدعائية. المعيار الحقيقي سيكون أبسط من ذلك بكثير: هل عاد سكان المخيمات إلى بيوتهم؟ هل انخفض الفقر؟ هل أصبح السوري قادراً على العيش بكرامة من عمله؟ وهل تراجعت سلطة الفاسدين وأصحاب الامتيازات؟ إذا بقيت الإجابة بالنفي، فإن ما يجري لن يكون إعادة إعمار لسوريا، بل إعادة إعمار لواجهة جديدة تخفي الخراب نفسه.

إن الأبراج التي تُقدَّم بوصفها رمزاً للحداثة والتقدم قد تتحول، في الحالة السورية، إلى رمز للفجوة بين الواقع والخيال. فما معنى أن ترتفع عشرات الطوابق في سماء مدينة لا يجد كثير من سكانها ثمن التدفئة شتاءً؟ وما جدوى واجهات الزجاج اللامعة إذا كان ملايين السوريين ما زالوا يبحثون عن سقف يحميهم من المطر والحر والبرد؟ قد تبدو ناطحات السحاب في الصور دليلاً على النهوض الاقتصادي، لكنها قد تصبح في الواقع ناطحات سراب. فالاقتصاد لا يُقاس بارتفاع الأبنية، بل بارتفاع مستوى معيشة الناس، ولا بعدد المصاعد في الأبراج، بل بعدد المواطنين الذين يستطيعون الصعود اجتماعياً بفضل عملهم وكفاءتهم. وحين يُبنى البرج فوق أرضية من الفقر والبطالة والفساد، فإنه لا يعكس القوة بقدر ما يعكس الرغبة في إخفاء الجراح خلف واجهات براقة.

لقد عرف السوريون لعقود طويلة لغة الإنجازات الوهمية والصور الدعائية والمشاريع التي تُعرض على الشاشات أكثر مما تنعكس إيجاباً في حياة الناس. ولذلك فإن الخوف اليوم هو أن تنجح ناطحات السحاب في أداء وظيفتها الدعائية، فتمنح انطباعاً بوجود نهضة لا يشعر بها المواطن العادي. عندها لن تكون ناطحات سحاب، بل ناطحات سراب. ستكون أبراجاً ترتفع في السماء فيما تبقى أحلام السوريين البسيطة بالكرامة والعمل والسكن اللائق عالقة على الأرض.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى