د. أيمن نور يكتب: الردع المفقود على ضفاف النيل

بين تعطيل ممكن.. وتدمير مستحيل
كلما جرى الحديث عن احتمال استخدام مصر للقوة في أزمة سد النهضة، سارعت أصوات إلى رسم مشهد واحد مرعب:
انهيار كامل لجسم السد، واندفاع عشرات المليارات من الأمتار المكعبة من المياه، وإغراق السودان، ثم وصول الطوفان إلى مصر.
هذه الصورة المفزعة ليست النتيجة الحتمية لكل تحرك عسكري محتمل، كما يشير تقرير عسكري مهم صدر منذ ساعات.
أهم ما ورد فيه أنه لا يختزل الخيارات العسكرية في أكثرها خطورة وتدميرًا، في تجاهل أن الهدف الاستراتيجي، إذا فرضته الضرورة القصوى، قد يكون هو تعطيل قدرة السد على العمل والتحكم المنفرد في المياه، لا هدم جسمه الخرساني أو إطلاق مخزونه دفعة واحدة.
فهناك فرق بالغ بين تدمير السد وتعطيل وظائفه.
التدمير الشامل لجسم السد يحمل مخاطر إنسانية وبيئية جسيمة، ولا يمكن التعامل معه باستخفاف أو شعارات حماسية. أما التعطيل المحدود، كما يطرحه التقرير محل المناقشة، فيقوم نظريًا على إصابة منشآت تشغيلية ومساندة، بعيدًا عن جسم السد وبحيرته، بما يحد من قدرته على إنتاج الكهرباء أو إدارة التشغيل الأحادي، من دون استهداف الكتلة الخرسانية الحاجزة للمياه.
وبحسب التقرير، فإن الأهداف المحتملة في مثل هذا التصور قد تشمل محطة توليد الكهرباء، ومنشآت نقل الطاقة، وبعض مرافق التحكم والتشغيل، والبنية المساندة المرتبطة بعمل السد. وهي منشآت تختلف في وظيفتها وطبيعتها عن جسم السد الرئيسي، ولا يؤدي تعطيلها بذاته إلى انهياره أو اندفاع المياه المحتجزة خلفه.
هذه ليست دعوة إلى اختيار أهداف أو بدء حرب، بل تصحيح لمفهوم شائع يتعمد الخلط بين امتلاك قدرة على تعطيل تشغيل السد وبين اتخاذ قرار كارثي بهدمه كاملًا.
ولا يعني ذلك أن أي عملية محدودة ستكون سهلة أو مأمونة تمامًا. فكل استخدام للقوة ينطوي على احتمالات للخطأ وسوء التقدير والتصعيد، وله تبعات قانونية وسياسية وأمنية لا يجوز تجاهلها.
لكن المبالغة أيضًا، في تصوير كل عمل عسكري باعتباره مرادفًا لانهيار السد وإغراق السودان ومصر، تخدم الردع الإثيوبي أكثر مما تخدم الحقيقة، وتجرد القاهرة مسبقًا من ورقة ضغط قد يكون وجودها الجاد هو الوسيلة الأهم لتجنب استخدامها.
فسد النهضة لم يعد مجرد خلاف فني حول أرقام التخزين ومواسم الملء وقواعد التشغيل. لقد أصبح صراعًا استراتيجيًا حول من يملك القرار في نهر دولي، ومن يستطيع فرض الأمر الواقع، ومن يتحمل كلفة الصمت عليه.
وإثيوبيا لم تكتف بإقامة سد ضخم من دون اتفاق قانوني ملزم مع دولتي المصب، بل انتقلت في تصريحاتها الأخيرة إلى التلويح ببناء مزيد من السدود، والحديث عن التحكم في تدفقات المياه، وكأن النيل ملكية إثيوبية خالصة، لا نهرًا دوليًا مشتركًا تحكمه قواعد القانون ومبادئ الاستخدام المنصف وعدم إلحاق الضرر الجسيم بالآخرين.
وأعود للتقرير الهام الذي وصلني في ١٢ سبتمبر الجاري، حيث صدر عن موقع «الدفاع العربي» تقريرًا بعنوان «سد النهضة في مرمى القدرات المصرية».
أعد التقرير نور الدين، وهو كاتب وباحث مغربي متخصص في شؤون الدفاع والجغرافيا السياسية.
اعتمد التقرير على بيانات وتقديرات متاحة في مصادر سرية ومفتوحة، وبحث معمق لمدى امتلاك مصر قدرة جوية بعيدة المدى تستطيع الوصول إلى أهداف داخل العمق الإثيوبي.
وتنبع أهميته من أنه لا يقدم القوة المصرية باعتبارها مادة للاستعراض أو دعوة إلى المغامرة، بل يضعها في إطار الردع الاستراتيجي، والضغط السياسي، وتحسين شروط التفاوض.
فالغاية من القدرة العسكرية الرشيدة ليست بالضرورة أن تستخدم، بل أن يعرف الطرف الآخر أنها موجودة، ربما يتوافق هذا مع ما سبق وأن أشرت إليه عام 2013 في أحد الاجتماعات الخاصة، مؤكدًا منذ 13 عامًا أن التعنت الإثيوبي، وتهديد الأمن المائي المصري، لا ينبغي أن يظل فعلًا بلا ثمن.
ومن هنا يصبح النقاش الآن أكثر دقة.
فمصر ليست مضطرة إلى الاختيار بين حرب شاملة وصمت كامل، كما أن الخيارات لا تنحصر بين هدم السد وقبول الهيمنة الإثيوبية على النهر.
فبين الطرفين مساحة واسعة من أدوات الضغط والردع، تبدأ بالقانون والدبلوماسية والتحالفات والاقتصاد، وتستند في نهايتها إلى قدرة عسكرية موثوقة تبقى حاضرة في الحساب، كي تمنع الحرب بدلًا من أن تستدعيها.







