شباك نورمقالات وآراء

د. أيمن نور يكتب: القاهرة والرياض.. حين يتكلم البحر

في الخامس عشر من سبتمبر ٢٠٢٦، جاء الأمير محمد بن سلمان إلى القاهرة، والبحر الأحمر يزاحم الملفات على مائدة اللقاء. فحين تضطرب طرق النفط والتجارة، تستعيد الجغرافيا صوتها، وتعيد الدول حساب قيمة جيرانها. ولهذا حملت مباحثاته مع الرئيس عبد الفتاح السيسي معنى يتجاوز مراسم الاستقبال، مع تقدم ملفات الملاحة وأمن السعودية واليمن.

سبق الزيارة تصاعد هجمات الحوثيين والتهديدات البحرية، ولقاء ولي العهد بقائد القيادة المركزية الأمريكية في الرابع عشر من سبتمبر. ونقلت رويترز عن مصادر أن الرياض طلبت مساعدة عسكرية، وأن واشنطن عرضت دعمًا استخباراتيًا ومساعدة في تحديد الأهداف، دون الموافقة على ضربات أمريكية. يفسر ذلك الحاجة السعودية إلى توسيع التعاون، لكنه لا يثبت وجود طلب مماثل من مصر أو موافقة مصرية عليه.

تقديري أن القاهرة والرياض تعيدان التفاوض على معنى الشراكة وحدودها. لدى المملكة المال والاستثمار والطموح الدولي، ولدى مصر الموقع والقوة البشرية والعسكرية والامتداد العربي والأفريقي. وتتغير قيمة هذه الموارد بتغير الخطر. فالمال لا يلغي الجغرافيا، والجغرافيا تحتاج إلى اقتصاد يحسن استثمارها. ومن تكامل القوتين يمكن أن تنشأ علاقة أكثر توازنًا.

غير أن الحاجة المتكررة إلى السيولة تضيق مساحة القرار المصري، كما أن وفرة الأموال لا تعصم السعودية من تعقيدات الأمن. وكلما تحول احتياج أحد الطرفين إلى أداة ضغط في يد الآخر، تراكم تحت المجاملات رصيد من المرارة. الشراكة المستقرة تمنح الطرفين أسبابًا للثقة، وتحفظ لكل منهما كرامة الاختيار.

وقد كشفت السنوات الماضية حدود التوافق. فالدعم السعودي المهم للسلطة المصرية بعد يوليو ٢٠١٣ لم يمنع خلافات ٢٠١٦ حول سوريا وتيران وصنافير. ورصد ألان غريش آنذاك اتساع المسافة بين الاحتفاء الرسمي والتوتر الفعلي. والدرس أن العلاقة بين القيادات تحتاج إلى مؤسسات ومصالح واضحة تسندها، وإلى قبول شعبي لا تصنعه صور الزيارات وحدها.

ثم تغيرت قواعد المساندة الاقتصادية. ففي يناير ٢٠٢٣، أعلن وزير المالية السعودي محمد الجدعان الانتقال من المساعدات والودائع غير المشروطة إلى دعم يرتبط بالإصلاح. ومن حق المملكة أن تحرص على أموالها، ومن حق المصريين معرفة شروط الصفقات وقيمة أصولهم ونصيبهم من عائدها. فالشفافية تمنع أن يتحول استعجال السيولة إلى ندم طويل.

وحاول البلدان تنظيم التعاون باتفاق حماية وتشجيع الاستثمارات ومجلس التنسيق الأعلى، المرتبطين بزيارة أكتوبر ٢٠٢٤، ثم إقرار البرلمان المصري اتفاق الاستثمار في مارس ٢٠٢٥. وسبقت ذلك إعلانات عن استثمارات سعودية مخططة بقيمة خمسة مليارات دولار، مستقلة عن الودائع. وتظل المسافة بين الوعد والإنتاج هي المقياس؛ فالأرقام الكبيرة تحتاج إلى مشروعات تعمل وأثر يصل إلى الناس.

ووفقًا للأرقام التي نشرها اليوم السابع في الخامس عشر من سبتمبر، بلغت التجارة بين البلدين سبعة مليارات ومائة مليون دولار في النصف الأول من ٢٠٢٦، مقابل صادرات مصرية قدرها مليار وثمانمائة مليون. وبلغت تحويلات المصريين العاملين بالمملكة اثني عشر مليار دولار خلال العام المالي ٢٠٢٤–٢٠٢٥. وراء هذه الأرقام مصالح واسعة، وأسر تعيش من العمل، واقتصاد يحتاج إلى زيادة إنتاجه وصادراته.

وفي كتابتي السابقة عن انتقال المستثمرين المصريين إلى السعودية، كان القلق متعلقًا بقدرة مصر على الاحتفاظ بالنشاط الاقتصادي. فتوسع شركة مصرية في المملكة قد يفتح أبوابًا للإنتاج المصري، بينما تبدأ الخسارة حين تصبح المغادرة هربًا من بيئة طاردة. وينطبق الأمر على الثقافة والخدمات؛ فالذاكرة العريقة تحتاج إلى مؤسسات حرة ومنتجة، وإلى حاضر يستحق مكانتها.

وعلى الجانب الأمني، جاء اتفاق مكة بين السعودية وتركيا وباكستان في السابع من أغسطس ٢٠٢٦، ثم الاتفاق على إنشاء أمانة وتعزيز التعاون الدفاعي والصناعي في نهاية الشهر. وفي تقديري المنشور في الحادي عشر من أغسطس، رجحت ارتباط غياب مصر بحدود الالتزام وحرية قرار الحرب وموازنة علاقاتها. ولم أجد أدلة علنية تكفي للجزم باستبعادها أو باعتراض إماراتي مباشر على مشاركتها.

وتبقى هذه الحدود مهمة في قراءة زيارة سبتمبر. فبيان المباحثات أكد التضامن وتطوير التعاون، لكنه لم يعلن انضمام مصر إلى اتفاق مكة أو إرسال قوات إلى اليمن. لذلك ينبغي أن تظل القراءة على قدر المعلن؛ فحرارة العبارات لا تكشف وحدها حجم الالتزامات، وحماية الملاحة تحتاج إلى تصور واضح للغايات والكلفة.

وفي الصحافة الدولية، ركزت لوموند في الثاني عشر من سبتمبر على الضغوط المحيطة بالسعودية وحدود استعداد شركائها للمواجهة في اليمن. وربط تحليل بجيروزاليم بوست، في الخامس عشر من سبتمبر، الزيارة بأمن البحر الأحمر وموقع مصر بين المجال العربي وشرق المتوسط. وتبرز القراءتان قيمة التعاون مع القاهرة، مع بقائهما تقديرين منشورين لا نافذة على اللقاء المغلق.

ومن هنا، فإن صعود الدور السعودي لا يعني بالضرورة انحسار الدور المصري. قد تتزاحم الأدوار وتتساند، بحسب كفاءة إدارتها. وقوة القاهرة في قدرتها على المبادرة والإنتاج وبناء المصالح، مع إدارة متزنة لعلاقاتها الأخرى، ومنها الإمارات. فالشراكات تنضج حين تتسع للتعاون دون أن تتحول إلى اختبارات ولاء.

ويمنح التقارب بشأن وحدة السودان ومؤسساته الوطنية، وحل الدولتين وإغاثة غزة، مجالًا للعمل المشترك. لكن قيمة المواقف تقاس بما تحميه من أرواح وحقوق. وللشعبين أيضًا حق في الحماية من التراشق، وهو ما استهدفته مبادرتي في أغسطس ٢٠٢٥. فالكلمة الجارحة تعبر البحر في لحظة، وقد تترك مرارة تعجز سنوات عن محوها.

ومن موقعي المعارض، أرى مصلحة مصر في شراكة عادلة مع السعودية، تسند استقلال القرار وتثمر عملًا وإنتاجًا. ومصلحة المملكة في مصر تقف إلى جوارها بثقة وكفاءة. بين البلدين بحر يصل حياتهما؛ وحسن السياسة أن تبني على ضفتيه أسباب الطمأنينة، قبل أن تفرض العواصف لغتها على الجميع.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى