مقالات وآراء

المعتصم بالله الكيلاني يكتب: إلغاء محكمة الإرهاب في سوريا.. المحكمة ترحل لكن ماذا عن إرثها؟

إلغاء محكمة قضايا الإرهاب ليس في ذاته نهاية واحدة من أكثر تجارب القضاء الاستثنائي إشكالية في سوريا. فالمحاكم يمكن إلغاؤها بنص تشريعي، لكن الأحكام والمصادرات ومذكرات التوقيف والحقوق التي انتقلت بين أشخاص متعددين لا تختفي بالسهولة ذاتها. ومن هنا، فإن الاختبار القانوني الحقيقي للقرار يبدأ بعد إلغاء المحكمة، لا عنده.

أُنشئت محكمة قضايا الإرهاب بموجب القانون رقم 22 لعام 2012، في سياق توسع تشريعي وأمني رافق الاحتجاجات والنزاع السوري، واختصت بالنظر في الجرائم المنصوص عليها في قانون مكافحة الإرهاب رقم 19 لعام 2012.

ولم تكن الإشكالية في وجود تشريع لمكافحة الإرهاب بحد ذاته؛ فالدول تملك حق تجريم الأعمال الإرهابية وملاحقة مرتكبيها. الإشكالية كانت في طبيعة المحكمة الاستثنائية، وفي الضمانات التي حكمت عملها، واستخدام تشريعات الإرهاب في ملاحقة معارضين ونشطاء.

وكانت المادة 7 من قانون إنشائها إحدى أبرز نقاط الخلل، إذ نصت على حق الدفاع، لكنها أعفت المحكمة من التقيد بالأصول المنصوص عليها في التشريعات النافذة في أدوار وإجراءات الملاحقة والمحاكمة. وقد وثقت منظمات حقوقية دولية استخدام المحكمة في قضايا نشطاء سلميين ومدافعين عن حقوق الإنسان، فيما أثارت لجنة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة بدورها إشكالات تتعلق بمدى توافق إجراءاتها مع ضمانات المحاكمة العادلة الواردة في المادة 14 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية.

الإلغاء وحده لا يكفي

من الناحية القانونية، ينبغي التمييز بين إلغاء المحكمة، وإلغاء أحكامها، وإلغاء مفاعيل هذه الأحكام.

إلغاء المحكمة يعني إنهاء وجودها واختصاصها وإلغاء السند التشريعي الذي أنشأها، لكنه لا يؤدي تلقائيًا إلى محو الأحكام القطعية التي أصدرتها أو النتائج القانونية التي ترتبت عليها.

ولهذا تكتسب المادة 48 من الإعلان الدستوري السوري أهمية خاصة؛ فهي لا تكتفي بإلغاء القوانين الاستثنائية الضارة والمتعارضة مع حقوق الإنسان، وإنما تنص على إلغاء مفاعيل الأحكام الجائرة الصادرة عن محكمة الإرهاب، بما في ذلك رد الممتلكات المصادرة.

وهذا هو جوهر القرار المطروح اليوم: ليس فقط إزالة المحكمة من النظام القضائي، بل تفكيك آثارها.

والتمييز هنا مهم أيضًا بين إلغاء مفاعيل الحكم الجائر و«العفو العام». فالعفو يفترض، في الأصل، وجود جريمة أو حكم، ثم تتدخل الدولة لإسقاط العقوبة أو بعض آثارها. أما إلغاء مفاعيل الحكم الجائر فينطلق من فكرة مختلفة، وهي أن الحكم نفسه صدر ضمن منظومة استثنائية، وأن استمرار آثاره لم يعد مقبولًا في النظام القانوني الجديد.

وبالنسبة إلى شخص حوكم بسبب نشاط سياسي أو مدني سلمي، ثمة فارق حقوقي عميق بين أن يقال له إن الدولة «عفت عنه»، وبين أن تعترف بأن الحكم الجائر الصادر بحقه يجب ألا يستمر في إنتاج أي أثر قانوني.

ماذا يعني إلغاء «مفاعيل» الأحكام؟

الحكم الجزائي لا ينتهي بالعقوبة، فقد ينتج عنه مذكرة توقيف أو إذاعة بحث أو قيد في السجل العدلي أو منع من السفر أو حجز الأموال ومصادرتها ونقل ملكية العقارات.

لذلك، فإن إلغاء المفاعيل يجب أن يصل إلى جميع هذه النتائج. فلا يكفي شطب الحكم من ملف قضائي إذا بقي العقار مصادَرًا، ولا معنى لإلغاء الإدانة إذا ظلت مذكرة البحث أو القيود المرتبطة بها قائمة.

ومن هنا يأتي الدور المحوري لمجلس القضاء الأعلى. فالمهمة المطلوبة ليست إصدار قرار عام فحسب، بل إنشاء آلية تربط القضاء بالسجل العدلي والداخلية والمالية والسجل العقاري وغيرها من المؤسسات، بحيث تؤدي إزالة الحكم إلى إزالة نتائجه فعليًا.

ويجب أيضًا وضع معيار واضح لمفهوم «الحكم الجائر»: هل تعد جميع أحكام محكمة الإرهاب كذلك بحكم مصدرها، أم ستتم مراجعتها حالة بحالة؟ وما طريق الاعتراض؟ وماذا يحدث إذا كان صاحب الحكم متوفى أو مفقودًا؟

أما الدعاوى التي لم يصدر فيها حكم، فيجب التمييز فيها بين ملاحقات قامت على نشاط سياسي أو مدني لا ينبغي تجريمه، فتُحفظ، وبين ملفات تتضمن أفعالًا تشكل جرائم فعلية وفق القانون الجزائي، فتُحال إلى القضاء الطبيعي المختص ضمن ضمانات المحاكمة العادلة.

فإلغاء القضاء الاستثنائي لا ينبغي أن يؤدي إلى الإفلات من المسؤولية عن الجرائم الحقيقية، كما لا يجوز استخدام ضرورة المساءلة ذريعة لاستمرار القضاء الاستثنائي.

العقارات.. حيث تبدأ المشكلة الأصعب

ستكون إعادة الأموال والممتلكات أكثر ملفات التنفيذ تعقيدًا.

إذا بقي العقار المصادَر مسجلًا باسم الدولة، فقد تكون إعادته إلى صاحبه ممكنة نسبيًا. لكن ماذا إذا بيع إلى شخص آخر، ثم إلى ثالث أو رابع؟ وماذا إذا رُتب عليه رهن، أو انتقل إلى ورثة، أو تغيرت معالمه أو هُدم؟

هنا يصبح من الضروري التمييز بين شخص استفاد من المصادرة وكان يعلم بمصدر المال، وبين مشترٍ حسن النية دفع الثمن ولم يكن طرفًا في الانتهاك.

والقاعدة الأجدر بالاعتماد هي الرد العيني أولًا، والتعويض عندما يتعذر الرد. وهي قاعدة تتفق مع مبادئ الأمم المتحدة بشأن جبر الضرر، التي تعتبر رد الحقوق والممتلكات وسيلة أساسية لإعادة الضحية، قدر الإمكان، إلى الوضع السابق للانتهاك.

لكن حماية الضحية الأصلية لا ينبغي أن تتحول إلى صناعة ضحية جديدة. فإذا نشأت حقوق حقيقية لطرف ثالث حسن النية، يجب أن توجد آلية قانونية للتوفيق بين المركزين، وقد تصبح الدولة مسؤولة عن التعويض باعتبار أن التعارض نفسه نشأ نتيجة المصادرة التي قامت بها مؤسساتها.

ولهذا قد يكون من الضروري إنشاء صندوق وطني لجبر الضرر للحالات التي يستحيل فيها الرد العيني.

كما يجب ألا يحسب التعويض وفق القيمة الاسمية القديمة للمال فقط، بل ينبغي أن ينظر، وفق قواعد موحدة، في القيمة العادلة وفقدان الانتفاع والدخل أو الريع الضائع والأضرار التي أصابت المال خلال فترة المصادرة.

ولماذا يبدأ العلاج من 2011؟

ربط بعض إجراءات إعادة الأموال أو الإعفاء من رسوم تسجيلها بتاريخ 15 آذار/مارس 2011 مفهوم سياسيًا وتاريخيًا باعتباره بداية المرحلة التي يراد معالجة انتهاكاتها، لكنه يثير سؤالًا قانونيًا مشروعًا: ماذا عن ضحية صودرت ممتلكاتها تعسفيًا عام 2010 أو 2005 أو قبل ذلك؟

إذا كان أساس الجبر هو ظلم المصادرة أو الحكم، فإن طبيعة الانتهاك لا تتغير لمجرد أنه وقع قبل تاريخ اختاره المشرع.

لذلك، يجب إما توسيع نطاق المعالجة ليشمل الانتهاكات السابقة التي تتوافر فيها المعايير ذاتها، أو إنشاء مسار قانوني موازٍ لأصحاب تلك الحقوق.

كما يجب التمييز بين الحق في استعادة المال وبين الإعفاء من الرسوم والضرائب عند إعادة تسجيله؛ فتحديد فترة زمنية للإعفاء المالي لا ينبغي أن يتحول تلقائيًا إلى سقوط للحق الموضوعي في الملكية خارج هذه الفترة.

العدالة لا تنتهي برد العقار

هناك، أخيرًا، مسألة أعمق من الأحكام والأموال.

ماذا عن شخص ألغي حكمه وأعيد منزله، لكنه كان قد تعرض للتعذيب أو الاحتجاز التعسفي أو الاختفاء القسري أو انتزاع الاعتراف بالإكراه؟

إلغاء الحكم لا يلغي المسؤولية المحتملة عن هذه الأفعال.

لذلك، ينبغي أن يسير مساران بالتوازي: الأول لإلغاء الأحكام الجائرة ورد الحقوق وجبر الضرر، والثاني للتحقيق والمساءلة الفردية عن الانتهاكات والجرائم التي ارتكبت بحق الضحايا، متى توافرت الأدلة، وضمن محاكمات عادلة.

وهنا يكمن الاختبار الحقيقي للقرار.

فمن السهل نسبيًا إلغاء محكمة بقانون. الأصعب هو إعادة منزل بيع ثلاث مرات، وتصحيح سجل شخص ظل سنوات مصنفًا كمدان، والعثور على ملف مفقود، وتمكين ورثة المختفي من استرداد حقوقه، وتعويض من استحال رد ماله، ومساءلة المسؤول الفردي عن الانتهاكات وفق القانون.

لذلك، فإن إلغاء محكمة قضايا الإرهاب ليس نهاية الملف، بل بدايته.

وبعد سنوات، لن تكون المسألة في عدد الأحكام التي كتب إلى جانبها «ملغى»، وإنما في عدد الحقوق التي عادت إلى أصحابها.

فالعدالة الانتقالية لا تقاس بإلغاء مؤسسات الماضي فقط، بل بقدرتها على إزالة آثارها من حياة ضحاياها. وإذا اختفت المحكمة من القانون وبقيت مصادراتها وقيودها وأحكامها حاضرة في حياة الناس، فإن المحكمة تكون قد ألغيت اسمًا، لكنها لم تُلغَ أثرًا.

المعتصم بالله الكيلاني – باحث في القانون الجنائي الدولي وحقوق الإنسان

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى