“الحوار الشعبي المصري 2022”: وثيقة جامعة لإدارة الأزمة أم ملامح مشروع وطني انتقالي؟

في ظل منعطفات حرجة وتحديات هيكلية واقتصادية واسعة، برزت مبادرة “الحوار الشعبي المصري 2022” كإطار تداعت له رموز وطنية وكيانات سياسية ومنظمات أهلية وتجمعات مصرية عبر 28 دولة ومنطقة حول العالم، إضافة إلى مشاركين من الداخل، واستغرقت نحو مئة يوم من الإعداد، ومرت بعشرات الاجتماعات وجلسات الاستماع والمسارات التخصصية، بحسب ما ورد في وثيقة “أوراق الحوار الشعبي المصري 2022”.
ويعيد موقع “أخبار الغد” نشر هذه الأوراق اليوم طرح خلاصة النقاشات والرؤى البديلة التي قدمها آلاف المشاركين والخبراء حول إدارة الدولة والمسار الانتقالي، في محاولة لتقديم بديل من خارج أطر الإدارة الرسمية القائمة.
قراءة في مخرجات المحاور السياسية والاجتماعية والاقتصادية والأمنية
أشرف على مجريات الحوار مجلس أمناء ضم شخصيات بارزة من بينها أيمن نور ومحمود وهبة وممدوح حمزة وحلمي الجزار وآخرون، وقسّم المجلس أعماله على ثلاثة محاور رئيسية.
تولى إدارة الحوار السياسي الاجتماعي أيمن نور واتحاد القوى الوطنية المصرية، وعُقدت في إطاره سبع عشرة جلسة علنية استغرقت سبعًا وثلاثين ساعة من العمل بمشاركة ستمائة وثمانين شخصية، وتابعها رقميًا نحو مئتين وثلاثة وخمسين ألف متابع.
أما الحوار الاقتصادي المالي فأُسند إلى محمود وهبة ومجموعة تكنوقراط مصر، وعُقد على مدار سبعة أيام تضمنت سبعًا وعشرين جلسة. وانعقد حوار التنمية الشاملة والأمن القومي بقيادة ممدوح حمزة ومجموعة نظرة مستقبلية لتغطية الجوانب الاستراتيجية والعمرانية.
المخرجات السياسية: نحو عقد اجتماعي جديد
تصدّرت توصيات المسار السياسي الدعوة إلى مشروع تأسيسي لعقد اجتماعي مصري جديد، تفرعت عنه وثيقة مبادئ من تسع عشرة نقطة. وتؤكد هذه الوثيقة أن الشعب مصدر السلطات، وأن نظام الحكم في مصر ينبغي أن يكون مدنيًا ديمقراطيًا قائمًا على مبدأ المواطنة والفصل بين السلطات والتداول السلمي للسلطة، مع حظر التمييز بكل صوره وضمان الحريات العامة والشخصية وفق المواثيق الدولية لحقوق الإنسان، وضمان استقلال الإعلام وحرية تداول المعلومات، وتفعيل مشاركة المرأة ومناهضة العنف ضدها.
كما طالبت الوثيقة بالإفراج عن كافة السجناء السياسيين ومعتقلي الرأي وإسقاط الأحكام الصادرة بحقهم، وحظر التعذيب، واعتبار جرائم حقوق الإنسان غير قابلة للتقادم، وتفعيل مسار للعدالة الانتقالية يشمل كشف الحقائق وجبر الضرر والتعويض والاعتذار العلني.
وفي ملف العلاقة بين السلطات، أوصت الوثيقة بحصر دور المؤسسة العسكرية في حماية الحدود والدفاع عن الوطن، وحظر تدخلها في الحياة السياسية والاقتصادية، مع إخضاع ميزانيتها للرقابة البرلمانية المنتخبة.
وفي ملف القضاء، دعت إلى استقلال كامل للسلطة القضائية، وإلغاء موقع وزير العدل من التشكيل التنفيذي وإسناد كل شؤون القضاة للمجلس الأعلى للقضاء، وإلغاء المحكمة الدستورية العليا وإسناد اختصاصها الرقابي لمحكمة النقض، ووقف إحالة المدنيين إلى القضاء العسكري.
أما على صعيد السياسة الخارجية، فطالبت الوثيقة بإعادة صياغة العلاقات الدولية على أساس المصلحة الوطنية بعيدًا عما وصفته بـ”التبعية”، وسحب الاعتراف باتفاقية إعلان المبادئ الموقعة عام 2015 الخاصة بسد النهضة، وصولًا إلى الدعوة لتأسيس جامعة للشعوب العربية وبرلمان عربي موحد.
المسار الاجتماعي: مواجهة الغلاء وتمكين الفئات
عالج المحور الاجتماعي قضايا التوازن الاجتماعي ومواجهة الفقر عبر مجموعة من النقاط الأولية، أبرزها وقف برامج تخفيض الدعم الاجتماعي مقابل وقف ما وصفته الوثيقة بالإنفاق الترفي، وإنشاء مجلس أعلى مستقل للأجور يتولى تحديد الحد الأدنى للأجور والمعاشات كل نصف عام بما يتناسب مع نسبة التضخم الفعلية.
وفي ملف المحليات والمرأة والشباب والعمال، طالبت الوثيقة بإجراء الانتخابات المحلية المعطلة منذ أكثر من أربعة عشر عامًا، واختيار المحافظين بالانتخاب المباشر، ووضع قانون جديد للأحوال الشخصية، وتمكين الشباب عبر وضع حد أقصى لسن التقاعد يبلغ ستين عامًا يفسح المجال أمام الأجيال الجديدة، وضمان حرية العمل النقابي بما يتوافق مع اتفاقيات العمل الدولية.
وفيما يخص سيناء والنوبة، دعت الوثيقة إلى تفعيل المادتين الثالثة والتسعين والسادسة والثلاثين بعد المئتين من الدستور الحالي، وتقديم التنمية على المقاربة الأمنية البحتة في سيناء، إلى جانب حماية حقوق أبناء النوبة اللغوية والثقافية.
المحور الاقتصادي: شعار “وحدة الميزانية”
ركّز ما أُطلق عليه مؤتمر الإنقاذ الاقتصادي على معالجة الاختلالات المزمنة في الاقتصاد المصري، ومن أبرزها عجز الميزانية المزمن والتبعية الاستيرادية التي تصل، بحسب تقدير الوثيقة، إلى نسبة عجز قدرها خمسة وستون في المئة في الاكتفاء الذاتي من الغذاء والمواد الخام.
وتمثّل جوهر الطرح الاقتصادي فيما أسمته الوثيقة “مبدأ وحدة الميزانية”، القائم على دمج إيرادات الموازنة العامة مع ما وصفته باقتصاد الجيش والجهات السيادية المقدّر بثمانية تريليونات جنيه، وإيرادات الصندوق السيادي البالغة تريليونًا ونصف التريليون جنيه، وإيرادات الصناديق الخاصة البالغة تريليون جنيه، بحيث يصل الإجمالي المجمّع إلى نحو اثني عشر تريليون جنيه توجَّه للإنفاق التنموي المباشر على المواطنين بدلًا من التركيز حصريًا على خدمة الديون.
كما تضمنت التوصيات الاقتصادية التركيز على مشروعات “الاقتصاد الأزرق”، وشبكة الجيل الخامس للإنترنت، وبحيرة البردويل، ومجتمعات القطارة، وتوجيه الصناعة نحو التصدير، وتعظيم القيمة المضافة للموارد المحلية بدلًا من تصديرها خامًا.
التنمية الشاملة والأمن القومي
أوصى حوار التنمية الشاملة بتنفيذ مشروعات قومية كبرى تُطرح لاحقًا للاكتتاب العام لتصبح مملوكة للشعب، وجعل السكك الحديدية العمود الفقري لنقل الأفراد والبضائع وبسط العمران في مناطق وصفتها الوثيقة بـ”الأحوزة المهجورة”، وتشمل سيناء والصحراوين الغربية والشرقية وجنوب مصر وبلاد النوبة.
كما دعت إلى وضع استراتيجية ثابتة ومستقرة للتعامل مع صندوق النقد الدولي والبنك الدولي بما لا يحيد عن أهداف العدالة الاجتماعية والاستقلال السياسي، والوصول إلى معدل لا يقل عن اثنتي عشرة براءة اختراع مسجلة عالميًا لكل مليون مواطن سنويًا، وإلغاء ما وصفته بالنظرة السلعية والتجارية للمرافق والخدمات الأساسية للمواطن المصري.
تمثل أوراق “الحوار الشعبي المصري 2022″، بما تضمنته من وثائق تفصيلية ومنافيستو اقتصادي ورؤى سياسية، محاولة مكثفة لتقديم بديل متكامل من خارج أطر الإدارة الرسمية القائمة، عاكسة توافقات وتراكمًا بحثيًا بين قطاعات واسعة من المعارضة والخبراء المصريين في الداخل والخارج، وسط رهان معلن على تحويل هذا الحوار إلى مؤسسة دائمة أو “حكومة ظل” وبرامج إنقاذ وطني.
مصادر ومواد ذات صلة:
- رابط الجلسة الافتتاحية للمسار السياسي الاجتماعي
- رابط البث المباشر والمادة الإضافية ذات الصلة







